|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 273 :
|
|
9 - قدماء
الشيعة والفقه الإسلامي
إن الفقه الشيعي هو الشجرة
الطيبة الراسخة الجذور ، المتصلة الأسس بالنبوة ،
والتي امتازت بالسعة ، والشمولية ، والعمق ، والدقة ،
والقدرة على مسايرة العصور المختلفة ، والمستجدات
المتلاحقة من دون أن تتخطى الحدود المرسومة في الكتاب
والسنة .
إن الفقه الإمامي يعتمد في الدرجة الأولى على
القرآن الكريم ، ثم على السنة المحمدية المنقولة عن
النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن طريق العترة الطاهرة
( عليهم السلام ) أو الثقات من أصحابهم والتابعين لهم
بإحسان . وكما يعتمد الفقه الشيعي على الكتاب والسنة ،
فإنه كذلك يتخذ من العقل مصدرا في المجال الذي له الحق
في إبداء الرأي ، كأبواب الملازمات العقلية ، أو قبح
التكليف بلا بيان ، أو لزوم البراءة اليقينية عند
الاشتغال اليقيني . ولا يكتفي بذلك ، بل يستفيد من
الإجماع الكاشف عن وجود النص في المسألة أو موافقة
الإمام المعصوم مع المجمعين في عصر الحضور .
إن الشيعة
الإمامية قدمت في ظل هذه الأسس الأربعة فقها يتناسب مع
المستجدات ، جامعا لما تحتاج إليه الأمة ، ولم يقفل
باب الاجتهاد ، منذ رحلة النبي ( صلى الله عليه وآله )
إلى يومنا هذا ، بل فتح بابه طيلة القرون ، فأنتج عبر
العصور فقهاء عظاما ، وموسوعات كبيرة ، لم يشهد
التاريخ لها ولهم مثيلا ، وإليك عرضا موجزا لمشاهير
فقهائهم مع الإيعاز إلى بعض كتبهم في القرن الثاني
والثالث .
فقهاء الشيعة في القرن الثاني : تخرجت من مدرسة أهل
البيت وعلى أيدي أئمة الهدى ( عليهم السلام ) عدة من
الفقهاء العظام لا يستهان بعددهم ، فبلغوا الذروة في
الاجتهاد ، كزرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، وبريد بن
معاوية ، والفضيل بن يسار ، وكلهم من أفاضل خريجي
مدرسة أبي جعفر الباقر وولده الصادق ( عليهما السلام )
فأجمعت الطائفة على تصديق هؤلاء ، وانقادت لهم في
الفقه والفقاهة .
ويليهم في الفضل لفيف آخر ، هم أحداث
خريجي مدرسة أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) ،
أمثال : جميل بن دراج ، وعبد الله بن مسكان ، وعبد
الله بن بكير ، وحماد بن عثمان ، وحماد بن عيسى ،
وأبان بن عثمان .
وهناك ثلة أخرى يعدون من تلاميذ
مدرسة الإمام موسى الكاظم وابنه أبي الحسن الرضا (
عليهما السلام ) منهم : يونس بن عبد الرحمن ، ومحمد بن
أبي عمير ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن محبوب ،
والحسين بن علي بن فضال ، وفضالة بن أيوب ( 1 ) .
وأكثر هؤلاء من فقهاء القرن الثاني وأوائل القرن
الثالث .
هؤلاء أعلام الشيعة في الفقه والحديث في
القرن الثاني ، وكلهم خريجو مدرسة أهل البيت ( عليهم
السلام ) ولقد خلفوا آثارا علمية باسم الأصل ، والكتاب
، والنوادر ، والجامع ، والمسائل ، وعناوين أخرى .
أصحاب الجوامع الفقهية في القرن الثالث : لقد تخرج من
مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) جملة كبيرة من أعاظم
الفقهاء ، أوقفوا علمهم في خدمة هذا الدين الحنيف ،
فشمروا عن سواعدهم ، وسخروا أنفسهم قدر ما مكنهم الله
تعالى عليه ، فخلفوا جوامع فقهية مهمة كانت ولا زالت
خير زاد
| |
( 1 )
أبو عمرو الكشي ، الرجال :
206 ، 322 ، 466 ، وراجع رجال النجاشي في ترجمتهم وذكر
آثارهم ومنزلتهم في الفقه . ( * ) |
|
|
للمسلمين ، ومن هؤلاء الأعلام :
1 - يونس بن عبد
الرحمن ، الذي وصفه ابن النديم في فهرسته بعلامة زمانه
، له جوامع الآثار ، والجامع الكبير ، وكتاب الشرائع .
2 - صفوان بن يحيى البجلي ، الذي كان أوثق أهل زمانه ،
صنف ثلاثين كتابا .
3 و 4 - الحسن والحسين ابنا سعيد
بن حماد الأهوازي ، صنفا ثلاثين كتابا .
5 - أحمد بن
محمد بن خالد البرقي ، ( ت 274 ه ) ، صاحب كتاب
المحاسن وغيره .
6 - محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي ، ( ت 293 ه ) ، صاحب نوادر الحكمة وكتاب
الجامع المعروف .
7 - أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي
، ( ت 221 ه ) ، صاحب الجامع المعروف .
فقهاء الشيعة
في القرن الرابع : هؤلاء هم فقهاء الشيعة في القرن
الثالث وتليهم عدة أخرى في القرن الرابع نذكر أسماءهم
على وجه الإجمال :
1 - الحسن بن علي بن أبي عقيل ، شيخ
الشيعة وفقيهها ، صاحب كتاب المتمسك بحبل آل الرسول ،
المعاصر للكليني .
2 - علي بن الحسين بن بابويه ، ( ت
329 ه ) ، صاحب كتاب الشرائع .
3 - محمد بن الحسن بن
الوليد القمي ، شيخ القميين وفقيههم ومتقدمهم ، مات
سنة 343 ه ، ولقد بلغ في الوثاقة والدقة على حد يسكن
إليه الشيخ الصدوق في تصحيحاته وتضعيفاته .
4 - جعفر
بن محمد بن قولويه ، أستاذ الشيخ الصدوق ، ومؤلف كامل
الزيارات ، يقول النجاشي عنه : إنه من ثقات أصحابنا
وأجلائهم في الفقه والحديث .
5
- محمد بن علي بن الحسين الصدوق ( 306 - 381 ه ) مؤلف
من لا يحضره الفقيه والمقنع والهداية .
6 - محمد بن
أحمد بن الجنيد المعروف بالإسكافي ، ( ت 385 ه ) .
قال عنه النجاشي : وجه في أصحابنا ، ثقة جليل القدر ،
صنف فأكثر ، ثم ذكر فهرس كتبه ، ومنها كتاب تهذيب
الشيعة لأحكام الشريعة ، وكتاب الأحمدي للفقه المحمدي
.
مشاهير الفقهاء في القرن الخامس : وفي القرن الخامس
نبغ فقهاء كبار ، ازدان الفقه الشيعي بل الإسلامي
بأسمائهم وآرائهم ، ومنهم : الشيخ المفيد ( 336 - 413
ه ) والسيد المرتضى ( 355 - 436 ه ) والشيخ الكراجكي
( ت 449 ه ) والشيخ الطوسي ( 385 - 460 ه ) وسلار
الديلمي مؤلف المراسم ( ت 463 ه ) ، وابن البراج (
401 - 489 ه ) مؤلف المهذب ، وغيرهم من الذين ملأت
أسماؤهم كتب التراجم والرجال .
ومن أراد الوقوف على
حياتهم وكتبهم فعليه الرجوع إلى الموسوعات الرجالية ،
وأخص بالذكر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة .
هذا عرض
موجز لمشاركة الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية على
المستوى الفقهي .
ويشهد الله أن علماء الشيعة قاموا
بهذه الجهود في ظروف قاسية ورهيبة ، وكانت الحكومات
الظالمة ومرتزقتها لا ينفكون عن مطاردتهم وإيداعهم في
السجون وعرضهم على السيف ، ومع ذلك نرى هذا الإنتاج
العلمي الهائل في مجال الفقه . والذي لو تأمل فيه
علماء المسلمين بفرقهم المختلفة ، وتجنبوا أهواء
التعصب ، لأقروا بلا ريب بما فيه من سعة الفكر ، وعمق
النظر ، وغزارة الانتاج .
هذا هو الشيخ الطوسي الذي
ألف المبسوط في الفقه المقارن ( في 8 أجزاء ) في زمن
كانت الفتن الطائفية على أوجها ، والشيعة هم الضحية في
هذه المخاضات
العسرة ، والتي امتدت ألسنتها نحو الشيخ الطوسي نفسه ،
فأحرقت داره ، ومكتبته في كرخ بغداد ، فالتجأ سرا إلى
النجف الأشرف ، تاركا بلده الذي عاش فيه قرابة نصف قرن
، وأين هؤلاء من الفقهاء الذين تنعموا بالهدوء
والاستقرار ، واستقبلتهم السلطات الحاكمة بصدر رحب ،
وأجيزوا مقابل أبيات معدودة من الشعر الرخيص ، أو كتيب
أو رسالة صغيرة بالهبات والعطايا .
|