|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 266 :
|
|
8 - قدماء
الشيعة وعلم الحديث
إن السنة هي المصدر الثاني للثقافة
الإسلامية بجميع مجالاتها ، ولم يكن شئ أوجب بعد كتابة
القرآن وتدوينه وصيانته من نقص أو زيادة ، من كتابة
حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وتدوينه وصيانته
من الدس والدجل ، وقد أمر به الرسول الأكرم ( صلى الله
عليه وآله ) غير مرة ، فقد روى الإمام أحمد عن عمر بن
شعيب عن أبيه عن جده أنه قال للنبي ( صلى الله عليه
وآله ) : يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك ؟ قال : "
نعم " . قلت : في الرضا
والسخط ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : " نعم ، فإنه
لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلا حقا " ( 1 ) .
إن الله
سبحانه أمر بكتابة الدين حفظا له ، واحتياطا عليه ،
وإشفاقا من دخول الريب فيه ، فالعلم الذي حفظه أصعب من
حفظ الدين أحرى بأن يكتب ويحفظ من دخول الريب والشك
فيه ( 2 ) .
فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا
ينطق عن الهوى وإنما ينطق عن الوحي الذي يوحى إليه ( 3
) فيجب حفظ أقواله وأفعاله أسوة بكتاب الله المجيد ،
حتى لا يبقى المسلم في حيرة من أمره ، ويستغني عن
المقاييس الظنية والاستنباطات الذوقية .
وبالرغم من
وضوح الأمر وأهميته القصوى إلا أن الخلافة الإسلامية
باجتهاداتها حالت دون ذلك ، بل وحاسبت عليه حتى أن
الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قال لأبي ذر وعبد الله
بن مسعود وأبي الدرداء : " ما هذا الحديث الذي تفشون
عن محمد ؟ " ( 4 ) .
ولقد أضحى عمل الخليفة سنة فاتبعه
عثمان ومشى على خطاه معاوية ، فأصبح ترك كتابة الحديث
سنة إسلامية ، وعدت الكتابة شيئا منكرا مخالفا لها .
إن الرزية الكبرى هي المنع عن التحدث بحديث رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) وكتابته وتدوينه ، وفسح المجال
في نفس الوقت للرهبان والأحبار للتحدث بما عندهم من
صحيح وباطل ، ولقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي
استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقص ( 5 ) .
| |
( 1 )
مسند أحمد 2 : 207 .
( 2 ) الخطيب البغدادي
، تقييد العلم : 70 .
( 3 ) اقتباس من قوله سبحانه : {
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
*
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى
*
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } ، النجم : 2 - 4 .
( 4 ) كنز العمال 10 :
293 / 29479 . وفيه : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم
عن رسول الله في الآفاق .
( 5 ) كنز العمال 10 : 281 .
( * ) |
|
|
ولما تسنم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة ، أدرك
ضرورة تدوين الحديث ، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في
المدينة ، أن يقوم بتدوين الحديث قائلا : إن العلم لا
يهلك حتى يكون سرا ( 1 ) .
ومع ذلك فلم يقدر ابن حزم
على القيام بما أمر به الخليفة ، لأن رواسب الحظر
السابق المؤكد من قبل الخلفاء حالت دون أمنيته ، إلى
أن زالت دولة الأمويين وجاءت دولة العباسيين ، فقام
المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر المنصور سنة (
143 ه ) ، وأنت تعلم أخي القارئ الكريم أن الخسارة
التي لحقت بالتراث الإسلامي من منع تدوين السنة لا
تجبر بتدوينه بعد مضي قرن ونيف ، وبعد موت الصحابة
وكثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي وسمعوا
منه الحديث ، ولم يحدثوا بما سمعوه إلا سرا ومن ظهر
القلب إلى مثله .
أضف إلى ذلك أن الأحبار والرهبان
والمأجورين للبلاط الأموي نشروا كل كذب وافتراء بين
المسلمين .
اهتمام الشيعة بتدوين الحديث : قام الإمام
أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) بتأليف عدة كتب في
زمان النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد أملى رسول
الله كثيرا من الأحكام عليه وكتبها الإمام واشتهر
بكتاب علي ، وقد روى عنه البخاري في صحيحه في باب "
كتابة الحديث " ( 2 ) وباب " أثم من تبرأ من مواليه "
( 3 ) وتبعه ( عليه السلام ) ثلة من الصحابة الذين
كانوا شيعة له ، وإليك أسماء من اهتم بتدوين الآثار
وما له صلة بالدين ، وإن لم يكن حديث الرسول .
| |
( 1 ) صحيح البخاري 1 : 27 .
( 2 ) صحيح
البخاري 1 : 27 كتاب العلم . |
( 3 ) المصدر نفسه 8 :
154 ، كتاب الفرائض ، الباب 20 . ( * )
|
|
|
1
- قام أبو رافع صحابي الرسول ( صلى الله عليه وآله )
بتدوين كتاب السنن والأحكام والقضايا ( 1 ) .
2 - وقام
الصحابي الكبير سلمان الفارسي : ( ت 34 ه ) بتأليف
كتاب حديث الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد
وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .
قال الشيخ
الطوسي : روى سلمان حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم
بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 2 ) .
3 - وألف
الصحابي الورع أبو ذر الغفاري المتوفى سنة 32 ه كتاب
الخطبة التي يشرح فيها الأمور بعد رسول الله ( صلى
الله عليه وآله ) ( 3 ) .
هذا ما يرجع إلى الصحابة من
الشيعة ، وأما الشيعة من غير الصحابة - أعني :
التابعين وتابعي التابعين منهم - فقد قام عدد منهم
بتدوين السنة إلى عصر الغيبة الكبرى ، وقد تكفلت
بذكرهم وذكر تآليفهم معاجم الرجال قديما وحديثا ،
وإليك عرضا موجزا من محدثي الشيعة ومؤلفيهم في القرن
الأول وبداية القرن الثاني .
طبقات محدثي الشيعة
الطبقة الأولى :
1 - الأصبغ بن نباتة المجاشعي ، كان
من خاصة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) روى عنه ( عليه
السلام ) عهد الأشتر ، ووصيته إلى ابنه محمد ( 4 ) .
2
- عبيد الله بن أبي رافع المدني ، مولى النبي ( صلى
الله عليه وآله ) ، كان كاتب أمير المؤمنين ( عليه
السلام ) له
| |
( 1 )
النجاشي ، الرجال 1 :
64 / 1 .
( 2 ) الطوسي الفهرست : 8 .
|
( 3 ) المصدر نفسه : 54 .
( 4 ) النجاشي الرجال 1 : 70 / 4 . ( * )
|
|
|
كتاب قضايا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وتسمية من
شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان ( 1 ) .
3
- ربيعة بن سميع ، له كتاب في زكاة النعم عن أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) ( 2 ) .
4 - سليم بن قيس
الهلالي ، أبو صادق ، له كتاب مطبوع باسم : سليم بن
قيس .
5 - علي بن أبي رافع ، قال النجاشي عنه : تابعي
من خيار الشيعة ، كانت له صحبة مع أمير المؤمنين (
عليه السلام ) ، وكان كاتبا له ، وحفظ كثيرا ، وجمع
كتابا في فنون من الفقه : الوضوء ، والصلاة ، وسائر
الأبواب ( 3 ) .
6 - عبيد الله بن الحر الجعفي ،
الفارس ، الفاتك ، الشاعر ، له نسخة يرويها عن أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) ( 4 ) .
7 - زيد بن وهب الجهني ، له كتاب خطب أمير المؤمنين ( عليه السلام )
على المنابر في الجمع والأعياد وغيرها ( 5 ) .
الطبقة
الثانية :
1 - الإمام السجاد زين العابدين علي بن
الحسين ( عليهما السلام ) ، له الصحيفة الكاملة ،
المشتهرة بزبور آل محمد ( عليهم السلام ) .
2 - جابر
بن يزيد بن الحارث الجعفي ، أبو عبد الله ، ( ت 128 ه
) ، له كتب ( 6 ) .
| |
( 1 )
الطوسي ، الفهرست : 107 .
( 2 ) النجاشي ، الرجال 1 : 67 / 2 .
( 3 ) النجاشي ، الرجال 1 : 65 / 1 .
|
( 4 ) المصدر نفسه 1 :
71 / 5 .
( 5 ) الطوسي ، الفهرست : 72 .
( 6
) النجاشي ، الرجال 1 : 313 / 330 . ( * ) |
|
|
3
- لوط بن يحيى بن سعيد ، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة ،
له كتب كثيرة ، أوردها الشيخ في رجاله وعده في أصحاب
الحسن والصادق ( عليهما السلام ) ( 1 ) .
4 - جارود بن
منذر ، الثقة ، أورده الشيخ في أصحاب الحسن والباقر
والصادق ( عليهم السلام ) ، له كتب ( 2 ) .
الطبقة
الثالثة : وهم من أصحاب السجاد والباقر ( عليهما
السلام ) :
1 - برد الإسكاف ، من أصحاب السجاد
والصادقين ( عليهم السلام ) ، له كتاب ( 3 ) .
2 -
ثابت بن دينار ، أبو حمزة الثمالي الأزدي ، الثقة ، (
ت 150 ه ) ، روى عنهم ( عليهم السلام ) ، له كتاب ،
وله النوادر والزهد ، وله تفسير القرآن ( 4 ) .
3 -
ثابت بن هرمز الفارسي ، أبو المقدم العجلي ، مولاهم
الكوفي ، روى نسخة عن علي بن الحسين ( عليهم السلام )
( 5 ) .
4 - بسام بن عبد الله الصيرفي ، مولي بني أسد
، أبو عبد الله ، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (
عليهما السلام ) ، له كتاب ( 6 ) .
5 - محمد بن قيس البجلي ، له كتاب قضايا أمير المؤمنين ( عليه السلام )
( 7 ) .
6 - حجر بن زائدة الحضرمي ، روى عن الباقر
والصادق ( عليهما السلام ) ، له كتاب ( 8 ) .
| |
( 1 ) الطوسي ،
الرجال : 279 من أصحاب الصادق (
عليه السلام ) ولاحظ تعليقة المحقق .
|
|
( 2 ) المصدر
نفسه : 112 في أصحاب الباقر ( عليه السلام ) .
( 3 )
النجاشي ، الرجال 1 : 284 / 289 .
( 4 ) المصدر نفسه 1 : 289 / 294 .
( 5 ) المصدر نفسه 1 :
292 / 296 .
|
( 6 ) المصدر نفسه 1 : 282 / 286 .
( 7 ) الطوسي ، الفهرست
: 131 .
( 8 ) النجاشي ، الرجال 1 : 347 / 382 . ( * )
|
|
7
- زكريا بن عبد الله الفياض ، له كتاب ( 1 ) .
8 - ثوير بن أبي فاختة " أبو جهم الكوفي " ، واسم أبي
فاختة : سعيد بن علاقة ( 2 ) .
9 - الحسين بن ثور بن
أبي فاختة ، سعيد بن حمران ، له كتاب نوادر ( 3 ) .
10
- عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري ، ( ت 147 ه
) ، عده الشيخ في رجاله من أصحاب السجاد والصادقين (
عليهما السلام ) ، له كتاب ( 4 ) .
ولقد خصص أبو عمرو الكشي بابا للمحدثين المتقدمين من الشيعة وجعله في صدر
رجاله ، وتبعه النجاشي في رجاله فخص الطبقة الأولى
بباب ، ثم أورد أسماء الرواة على حسب الحروف الهجائية
.
ولقد أجاد الشيخ الطوسي في التعرف على طبقات الشيعة
بعد رسول الله إلى عصره ، فذكر الأئمة الاثني عشر ،
وذكر أصحاب كل إمام وفق الترتيب الزمني ، ثم ذكر بابا
آخر باسم من لم يرهم ولكن روى عنهم بالواسطة .
وأحسن
كتاب ألف في هذا المجال هو ما ألفه أستاذنا الجليل
السيد النحرير المحقق البروجردي - رحمه الله - الذي
أخرج رجال الشيعة في ( 34 ) طبقة ، من عصر الصحابة إلى
زمانه ( 1292 - 1380 ه ) فهذا الكتاب يكشف عن سبق
الشيعة في نظم الحديث وتدوينه ، وأنهم لم يقيموا لمنع
الخلفاء وزنا ولا قيمة .
وبذلك حفظوا نصوص النبي
الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته وقدموها إلى
المجتمع الإسلامي ، فعلى جميع علماء المسلمين أن
يتمسكوا بهذا الحبل الذي هو أحد الثقلين .
| |
( 1 )
النجاشي ، الرجال 1 : 391 / 452 .
( 2 )
المصدر نفسه ، 295 / 301 .
|
( 3 ) المصدر نفسه ،
166 / 124 .
( 4 ) المصدر نفسه ، 2 : 168 / 653 . ( * )
|
|
|
هذا عرض موجز لمحدثي الشيعة
من عصر الإمام أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) إلى
عصر السجاد والباقر ( عليهما السلام ) وأما الطبقات
الأخرى فيأتي الكلام في فصل قدماء الشيعة والفقه ،
لأنهم تجاوزوا التحديث إلى درجة الاجتهاد .
|