|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 212 :
|
|
الإمام الحادي عشر : أبو محمد الحسن بن علي العسكري (
عليه السلام )
أبو محمد الحسن بن علي الهادي بن محمد
الجواد ، أحد أئمة أهل البيت ، والإمام الحادي عشر ،
الملقب بالعسكري ، ولد عام 232 هـ ( 1 ) ، وقال الخطيب
في تاريخه ( 2 ) وابن الجوزي في تذكرته ( 3 ) : أنه
ولد عام 231 ه وأشخص والده إلى العراق سنة 236 ه وله
من العمر أربع سنين وعدة شهور ، وقام بأمر الإمامة
والقيادة الروحية بعد شهادة والده ، وقد اجتمعت فيه
خصال الفضل ، وبرز تقدمه على كافة أهل العصر ، واشتهر
بكمال الفعل والعلم والزهد والشجاعة ( 4 ) ، وقد روى
عنه لفيف من الفقهاء والمحدثين يربو عددهم على 150
شخصا ( 5 ) .
وتوفي عام 260 ه ودفن في داره التي دفن
فيها أبوه بسامراء . وخلف ابنه المنتظر لدولة الحق ،
وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة
| |
( 1 ) الكليني
الكافي 1 : ص 503 .
( 2 ) الخطيب تاريخ
بغداد 7 : 366 . |
( 3 ) ابن الجوزي تذكرة الخواص : ص
322 .
( 4 ) المفيد ، الإرشاد : ص 335 .
|
|
|
( 5 ) العطاردي ، مسند الإمام العسكري وقد جمع فيه كل ما روي
عنه وأسند إليه . ( * ) |
|
الوقت ، وشدة طلب السلطة ، واجتهادها في البحث عن أمره
، ولكنه سبحانه حفظه من شرار أعدائه كما حفظ سائر
أوليائه كإبراهيم الخليل وموسى الكليم ، فقد خابت
السلطة في طلبهما والاعتداء عليهما .
وقد اشتهر الإمام
بالعسكري لأنه منسوب إلى عسكر ، ويراد بها سر من رأى
التي بناها المعتصم ، وانتقل إليها بعسكره ، حيث أشخص
المتوكل أباه عليا إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة
أشهر فنسب هو وولده إليها ( 1 ) .
قال سبط ابن الجوزي
: كان عالما ثقة روى الحديث عن أبيه عن جده ومن جملة
مسانيده حديث في الخمر عزيز . ثم ذكر الحديث عن جده
أبي الفرج الجوزي في كتابه المسمى ب " تحريم الخمر "
، ثم ساق سند الحديث إلى الحسن العسكري وهو يسند
الحديث إلى آبائه إلى علي بن أبي طالب وهو يقول : "
أشهد بالله لقد سمعت محمدا رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) يقول : أشهد بالله لقد سمعت جبرائيل يقول :
أشهد بالله لقد سمعت ميكائيل يقول : أشهد بالله لقد
سمعت إسرافيل يقول : أشهد بالله على اللوح المحفوظ أنه
قال : سمعت الله يقول : شارب الخمر كعابد الوثن " ( 2
) .
ولقد وقع سبط ابن الجوزي في الاشتباه عندما توهم
أن إسناد الإمام ( عليه السلام ) هذا الحديث إلى رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) مختص بهذا المورد ، ولكن
الحقيقة غير ذلك ، فإن أحاديث أهل البيت مروية كلها عن
النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ، فهم لا يروون
في مجال الفقه والتفسير والأخلاق والدعاء إلا ما وصل
إليهم عن النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) عن طريق
آبائهم وأجدادهم ، ومروياتهم لا تعبر عن آرائهم
الشخصية ، فمن قال بذلك وتصور كونهم مجتهدين مستنبطين
، فقد قاسهم بالآخرين ممن يعتمدون على آرائهم
| |
( 1 ) ابن خلكان ،
وفيات الأعيان 2 : 94 . |
( 2 )
تذكرة الخواص : ص 324 . ( * ) |
|
|
الشخصية ، وهو في قياسه خاطئ ، منذ نعومة أظفارهم إلى
أن لبوا دعوة ربهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس ، ولم
يحضروا مجلس أحد من العلماء ، ولا تعلموا شيئا من غير
آبائهم ، فما يذكرونه من علوم ورثوها من رسول الله (
صلى الله عليه وآله ) وراثة غيبية لا يعلم كنهها إلا
الله سبحانه والراسخون في العلم .
وهذا الإمام جعفر
الصادق ( عليه السلام ) يبين هذا الأمر بوضوح لا لبس
فيه ، حيث يقول : " إن حديثي حديث أبي ، وحديث أبي
حديث جدي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، وحديث علي
أمير المؤمنين حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
، وحديث رسول الله قول الله عز وجل " ( 1 ) .
وروى حفص
بن البختري ، قال : قلت لأبي عبد الله الصادق ( عليه
السلام ) أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من
أبيك ، فقال : " ما سمعته مني فاروه عن أبي ، وما
سمعته مني فاروه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
" ( 2 ) .
فأئمة المسلمين على حد قول القائل :
ووال
أناسا نقلهم وحديثهم * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري
ولقد عاتب الإمام الباقر ( عليه السلام ) سلمة بن كهيل
والحكم بن عتيبة حيث كانا يأخذان الحديث من الناس ولا
يهتمان بأحاديث أهل البيت ، فقال لهما : " شرقا وغربا
فلا تجدان علما صحيحا إلا شيئا خرج من عندنا أهل البيت
" .
ورغم أن الخلفاء العباسيين قد وضعوا الإمام تحت
الإقامة الجبرية وجعلوا عليه عيونا وجواسيسا ، ولكن
روى عنه الحفاظ والرواة أحديثا جمة في شتى المجالات ،
بل يروى أن الإمام ( عليه السلام ) ورغم كل ذلك كان
على اتصال مستمر بالشيعة الذين كان عددهم يقدر بعشرات
الملايين ، وحيث كان لا مرجع لهم سوى الإمام ( عليه
السلام ) .
| |
( 1 )
الإرشاد : ص 274 . |
( 2 )
وسائل الشيعة ج 18 ، الباب الثامن من أبواب صفات
القاضي ، الحديث 86 . ( * ) |
|
|
كما أن الكلام عن أخلاقه وأطواره ، ومناقبه وفضائله ،
وكرمه وسخائه ، وهيبته وعظمته ، ومجابهته للخلفاء
العباسيين بكل جرأة وعزة وما نقل عنه من الحكم
والمواعظ والآداب ، يحتاج إلى تأليف مفرد وكفانا في
ذلك علماؤنا الأبرار ، بيد أنا نشير إلى لمحة من علومه
.
1 - لقد شغلت الحروف المقطعة بال المفسرين فضربوا
يمينا وشمالا ، وقد أنهى الرازي أقوالهم فيها في أوائل
تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولا ، ولكن الإمام (
عليه السلام ) عالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه وأقربها
للطبع ، فقال : " كذبت قريش واليهود بالقرآن ، وقالوا
سحر مبين تقوله ، فقال الله : {
الم *
ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي
: يا محمد ، هذا الكتاب الذي نزلناه عليك هو الحروف
المقطعة اليي منها " ألف " ، " لام " ، " ميم " وهو
بلغتكم وحروف هجائكم ، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ،
واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم ، ثم بين أنه لا
يقدرون عليه بقوله : { قُل
لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن
يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا
} ( 1 ) " ( 2 ) .
وقد روي هذا
المعنى عن أبيه الإمام الهادي ( عليه السلام ) ( 3 ) .
2 - كان أهل الشغب والجدل يلقون حبال الشك في طريق
المسلمين فيقولون إنكم تقولون في صلواتكم : {
اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ } أو لستم فيه ؟ فما معنى هذه الدعوة
؟ أو أنكم متنكبون عنه فتدعون ليهديكم إليه ؟ ففسر
الإمام الآية قاطعا لشغبهم فقال : " أدم لنا توفيقك
الذي به أطعناك في ماضي أيامنا حتى نطيعك كذلك في
مستقبل أعمالنا " .
| |
( 1 ) الإسراء : 88 .
( 2 ) الصدوق ، معاني الأخبار : ص 24 ، وللحديث ذيل
فمن أراد فليرجع إلى الكتاب .
( 3 ) الكليني : الكافي ج 1 كتاب
العقل والجهل الحديث : ص 20 ، 24 - 25 . ( *
) |
|
|
ثم فسر الصراط بقوله : " الصراط المستقيم هو : صراطان
: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، أما الأول فهو ما
قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير ، واستقام فلم يعدل
إلى شئ من الباطل ، وأما الطريق الآخر فهو طريق
المؤمنين إلى الجنة الذي هو مستقيم ، لا يعدلون عن
الجنة إلى النار ولا إلى غير النار سوى الجنة " ( 1 )
، وكان قد استفحل أمر الغلاة في عصر الإمام العسكري
ونسبوا إلى الأئمة الهداة أمورا هم عنها براء ، ولأجل
ذلك يركز الإمام علي أن الصراط المستقيم لكل مسلم هو
التجنب عن الغلو والتقصير .
3 - ربما تغتر الغافل
بظاهر قوله سبحانه : { صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ }
ويتصور أن المراد من النعمة هو المال والأولاد وصحة
البدن ، وإن كان كل هذا نعمة من الله ، ولكن المراد من
الآية بقرنية قوله : { غَيرِ
المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ
} ( 2 ) هو نعمة التوفيق والهداية ، ولأجل ذلك نرى أن
الإمام يفسر هذا الإنعام بقوله : " قولوا اهدنا صراط
الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك ، وهم الذين
قال الله عز وجل : { وَمَن
يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ
الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا } ثم قال : ليس هؤلاء
المنعم عليهم بالمال وصحة البدن وإن كان كل هذا نعمة
من الله ظاهرة " ( 3 ) .
4 - لقد تفشت آنذاك فكرة عدم
علمه سبحانه بالأشياء قبل أن تخلق ، تأثرا بتصورات بعض
المدارس الفكرية الفلسفية الموروثة من اليونان ، فسأله
محمد بن صالح عن قول الله : {
يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ
الْكِتَابِ } ( 4 ) فقال : " هل
| |
( 1 ) الصدوق
معاني الأخبار : ص 33 .
( 2 ) الفاتحة
: 7 . |
( 3 ) المصدر نفسه :
36 .
( 4 ) الرعد : 39 : (
* ) |
|
|
يمحو إلا ما كان وهل يثبت إلا ما لم يكن " ؟ فقلت في
نفسي : هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي : إنه لا يعلم
الشئ حتى يكون ، فنظر إلي شزرا ، وقال : " تعالى الله
الجبار العالم بالشئ قبل كونه ، الخالق إذ لا مخلوق ،
والرب إذ لا مربوب ، والقادر قبل المقدور عليه " ( 1 )
.
| |
( 1 ) المسعودي ، إثبات الوصية : ص 241
. ( * ) |
|
|
|