|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 185 :
|
|
الإمام السابع : أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم ( عليه
السلام )
ولادته ( عليه السلام ) : ولد بالأبواء بين مكة
والمدينة يوم الأحد في 7 صفر سنة 128 ه .
إمامته (
عليه السلام ) : كان ( عليه السلام ) نموذج عصره ، وفريد
دهره ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، مهيب الطلعة ،
كثير التعبد ، يطوي ليله قائما ونهاره صائما ، عظيم
الحلم ، شديد التجاوز ، حتى سمي لذلك كاظما ، لاقى من
المحن ما تنهد لهولها الجبال فلم تحرك منه طرفا ، بل
كان ( عليه السلام ) صابرا محتسبا كحال آبائه وأجداده
( عليهم السلام ) . يعرف بأسماء عديدة منها : العبد
الصالح ، والكاظم ، والصابر ، والأمين .
قال ابن
الصباغ : روى عبد الأعلى عن الفيض بن المختار قال :
قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق ( عليه السلام ) : خذ
بيدي من النار ، من لنا بعدك ؟ فدخل موسى
الكاظم وهو يومئذ غلام ، فقال ( أي الصادق ( عليه
السلام ) ) : " هذا صاحبكم فتمسك به " ( 1 ) .
قال
الشيخ المفيد : هو الإمام بعد أبيه ، والمقدم على جميع
بنيه ، لاجتماع خصال الفضل فيه ، وورود صحيح النصوص
وجلي الأقوال عليه من أبيه بأنه ولي عهده والإمام
القائم من بعده ( 2 ) .
وقد تولى منصب الإمامة بعد
أبيه الصادق ( عليه السلام ) في وقت شهدت فيه الدولة
العباسية استقرار أركانها وثبات بنيانها ، فتنكرت
للشعار الذي كانت تنادي به من الدعوة لآل محمد - عليه
وعليهم السلام - فالتفتت إلى الوارث الشرعي لشجرة
النبوة مشهرة سيف العداء له ولشيعته تلافيا من تعاظم
نفوذه أن يؤتي على أركان دولتهم وينقضها ، فشهد الإمام
الكاظم ( عليه السلام ) طيلة سني حياته صنوف التضييق
والمزاحمة ، إلا أن ذلك لم يمنعه ( عليه السلام ) من
أن يؤدي رسالته في حماية الدين وقيادة الأمة ، فعرفه
المسلمون آية من آيات العلم والشجاعة ، ومعينا لا ينضب
من الحلم والكرم والسخاء ، ونموذجا عظيما لا يدانى في
التعبد والزهد والخوف من الله تعالى .
جوانب من سيرته
العطرة ( عليه السلام ) : ولقد أفرد الباحثون والمحققون
مصنفات كثيرة في سيرة هذا الإمام العظيم ، كفتنا عن
التعرض لها هنا في هذه العجالة ، إلا أننا سنحاول في
هذه الصفحات التعرض لجوانب مختارة من تلك السيرة
العطرة :
| |
( 1 )
الفصول المهمة : 231 .
(
2 ) لاحظ للوقوف على تلك النصوص الكافي 1 : 307 - 311
، إثبات الهداة 3 : 156 - 170 فقد نقل في الأخير 60
نصا على إمامته . ( * ) |
|
|
1
- روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده قال : حج هارون
الرشيد فأتى قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) زائرا ،
وحوله قريش ومعه موسى بن جعفر ، فلما انتهى إلى القبر
قال : السلام عليك يا رسول الله يا بن عمي - افتخارا
على من حوله - فدنا موسى بن جعفر فقال : " السلام عليك
يا أبة " فتغير وجه الرشيد وقال : هذا الفخر يا أبا
الحسن حقا ! ( 1 ) .
2 - ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار
: أن هارون كان يقول لموسى بن جعفر : يا أبا الحسن خذ
فدكا ( 2 ) حتى أردها عليك ، فيأبى ، حتى ألح عليه
فقال : " لا آخذها إلا بحدودها " قال : وما حدودها ؟
قال : " يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردها " ، قال
: بحق جدك إلا فعلت ، قال : " أما الحد الأول فعدن "
فتغير وجه الرشيد وقال : هيه ، قال : " والحد الثاني سمرقند " فأربد وجهه ، قال : " والحد الثالث إفريقية "
فاسود وجهه وقال : هيه ، قال : " والرابع سيف البحر
مما يلي الخزر وإرمينية " ، قال الرشيد : فلم يبق لنا
شئ ، فتحول في مجلسي ، قال موسى ( عليه السلام ) : "
قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها " . فعند ذلك عزم
على قتله ( 3 ) .
3 - كان يصلي نوافل الليل ويصلها
بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس
| |
( 1 )
وفيات الأعيان 5 : 309 .
( 2 ) قرية بالحجاز بينها
وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة ، أفاءها الله تعالى
على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) صلحا سنة سبع من
الهجرة ، وأعطاها رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
إلى ابنته فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ( عليها
السلام ) ، وكانت ملكا لها في حياته تستفيد من خيراتها
، إلا أن أبا بكر حرمها منها ، فاغتاظت منه الزهراء
وحاججته في ذلك الأمر لكنه أبى ، وبقيت فدك هكذا حتى
ردها الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز إلى أبناء
فاطمة ( عليها السلام ) ثم نزعها منهم يزيد ابن عبد
الملك ، فلم تزل في أيدي الأمويين حتى ولي العباسيون
فدفعها أبو العباس السفاح إلى الحسن ابن الحسن بن علي
بن أبي طالب ، ثم أخذها المنصور ، ثم أعادها ولده
المهدي ، ثم أخذها موسى الهادي ، إلى أن ولي المأمون
فأعادها إليهم .
( 3 ) ربيع الأبرار 1 : 315 . ( * )
|
|
|
ويخر لله ساجدا ، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد
حتى يقرب زوال الشمس . كان يدعو كثيرا فيقول : " اللهم
إني أسألك الراحة عند الموت ، والعفو عند الحساب " ،
ويكرر ذلك . وكان من دعائه ( عليه السلام ) : " عظم
الذنب من عبدك ، فليحسن العفو من عندك " . وكان يبكي
من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع . وكان أوصل
الناس لأهله ورحمه . وكان يتفقد فقراء المدينة في
الليل ، فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والأدقة
والتمور ، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أية جهة هو (
1 ) .
4 - في تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة : قال
أبو حنيفة : حججت في أيام أبي عبد الله الصادق ( عليه
السلام ) فلما أتيت المدينة دخلت داره فجلست في
الدهليز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبي فقلت : يا غلام أين
يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟ قال : " على رسلك " ، ثم
جلس مستندا إلى الحائط ، ثم قال : " توق شطوط الأنهار
، ومساقط الثمار ، وأفنية المساجد ، وقارعة الطريق ،
وتوار خلف جدار ، وشل ثوبك ، ولا تستقبل القبلة ولا
تستدبرها ، وضع حيث شئت " فأعجبني ما سمعت من الصبي
فقلت له : ما اسمك ؟ فقال : " أنا موسى بن جعفر بن
محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب " فقلت له :
يا غلام ممن المعصية ؟ فقال : " إن السيئات لا تخلو من
إحدى ثلاث : إما أن تكون من الله وليست من العبد ، فلا
ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا يرتكب ، وإما أن
تكون منه ومن العبد - وليست كذلك - فلا ينبغي للشريك
القوي أن يظلم الشريك الضعيف ، وإما أن تكون من العبد
- وهي منه - فإن عفا فكرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب
العبد وجريرته " . قال أبو حنيفة : فانصرفت ولم ألق
أبا عبد الله واستغنيت بما سمعت .
| |
( 1 )
الإرشاد : 296 . ( * ) |
|
|
وروى ابن شهرآشوب في المناقب نحوه إلا أنه قال : "
يتوارى خلف الجدار ويتوقى أعين الجار " ، وقال : فلما
سمعت هذا القول منه نبل في عيني ، وعظم في قلبي . وقال
في آخر الحديث : فقلت : {
ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍُ } ( 1 ) .
( 2 )
5 - روى أبو الفرج الأصفهاني :
حدثنا يحيى بن
الحسن قال : كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما
يكره بعث إليه بصرة دنانير . وكانت صراره ما بين
الثلاثمائة وإلى المائتين دينار ، فكانت صرار موسى
مثلا . وقال : إن رجلا من آل عمر بن الخطاب كان يشتم
علي بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر ، ويؤذيه إذا
لقيه ، فقال له بعض مواليه وشيعته : دعنا نقتله ، فقال
: " لا " ثم مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها
بحماره ، فصاح : لا تدس زرعنا . فلم يصغ إليه وأقبل
حتى نزل عنده ، فجلس معه وجعل يضاحكه ، وقال له : " كم
غرمت على زرعك هذا " ؟ قال : مائة درهم . قال : " كم
ترجو أن تربح " ؟ قال : لا أدري . قال : " إنما سألتك
كم ترجو " . قال : مائة أخرى . قال : فأخرج ثلاثمائة
دينار فوهبه له ، فقام فقبل رأسه ، فلما دخل المسجد
بعد ذلك وثب العمري فسلم عليه وجعل يقول : الله أعلم
حيث يجعل رسالته . وكان بعد ذلك كلما دخل موسى خرج
وسلم عليه ويقوم له ، فقال موسى لجلسائه الذين طلبوا
قتله : " أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت " ( 3 ) .
6 - حكي أن الرشيد سأله يوما : كيف قلتم : نحن ذرية
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأنتم بنو علي ،
وإنما ينسب الرجل إلى جده لأبيه دون جده لأمه ؟ فقال
الكاظم ( عليه السلام ) : " أعوذ
| |
( 1 )
آل عمران : 34 .
( 2 ) تحف العقول 303 ،
المناقب لابن شهرآشوب 4 : 314 .
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 499 - 500
، تاريخ بغداد 28 . ( * ) |
|
|
بالله من الشيطان الرجيم { بسم الله الرحمن الرحيم
. . . وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
* وَزَكَرِيَّا
وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ . . . }
وليس لعيسى أب إنما ألحق بذرية الأنبياء من قبل أمه ،
وكذلك ألحقنا بذرية النبي من قبل أمنا فاطمة الزهراء ،
وزيادة أخرى يا أمير المؤمنين : قال الله عز وجل : {
فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ
الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا
وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا
وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ . . . } ولم يدع ( صلى الله عليه وآله ) عند مباهلة النصارى غير علي وفاطمة والحسن والحسين وهما
الأبناء " ( 1 ) .
7 - أما علمه والحديث عنه فقد روى
عنه العلماء في فنون العلم ما ملأ الكتب ، وكان يعرف
بين الرواة بالعالم . وقد روى الناس عنه فأكثروا ،
وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب الله ( 2 ) .
وفاته
: وقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن هارون الرشيد قام
باعتقال الإمام الكاظم ( عليه السلام ) وإيداعه السجن
لسنين طويلة مع تأكيده على سجانيه بالتشديد والتضييق
عليه .
قال ابن كثير : فلما طال سجن الإمام الكاظم (
عليه السلام ) كتب إلى الرشيد : " أما بعد يا أمير
المؤمنين إنه لم ينقض عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك
يوم من الرخاء ، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه
المبطلون " ( 3 ) .
ولم يزل ذلك الأمر بالإمام ( عليه
السلام ) ، ينقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الأمر
| |
( 1 )
الفصول المهمة : 238 ، والآيتان من
سورتي الأنعام 84 ، وآل عمران
61 .
( 2 ) المفيد ، الإرشاد : 298 ، ولاحظ جوانب من حكمه ووصاياه في
الكافي 1 : 13 - 20 ،
تحف العقول : 283 .
( 3 ) البداية والنهاية 10 : 183 . ( * ) |
|
|
إلى سجن السندي بن شاهك ( 1 ) ، وكان فاجرا فاسقا ، لا
يتورع عن أي شئ تملقا ومداهنة للسلطان ، فغالى في سجن
الإمام ( عليه السلام ) وزاد في تقييده حتى جاء أمر
الرشيد بدس السم للكاظم ( عليه السلام ) ، فأسرع
السندي إلى إنفاذ هذا الأمر العظيم ، واستشهد الإمام (
عليه السلام ) بعد طول سجن ومعاناة في عام 183 ه .
ولما كان الرشيد يخشى ردة فعل المسلمين عند انتشار خبر
استشهاد الإمام ( عليه السلام ) ، لذا عمد إلى حيلة
ماكرة للتنصل من تبعة هذا الأمر الجلل ، فقد ذكر أبو
الفرج الأصفهاني وغيره ( 2 ) : أن الإمام الكاظم لما
توفي مسموما أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد ،
وفيهم الهيثم بن عدي وغيره ليشهدوا على أنه مات حتف
أنفه دون فعل من الرشيد وجلاوزته ، ولما شهدوا على ذلك
أخرج بجثمانه الطاهر ووضع على الجسر ببغداد ونودي
بوفاته .
ودفن في بغداد في الجانب الغربي في المقبرة
المعروفة بمقابر قريش المشهورة في أيامنا هذه بالكاظمية .
فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد سجينا
مظلوما مسموما ، ويوم يبعث حيا .
| |
( 1 ) قال أبو الفرج
الأصفهاني في مقاتل الطالبيين : 502 :
لما اعتقل الرشيد الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أمر
بإرساله إلى البصرة ليسجن عند عيسى بن جعفر المنصور ،
وكان على البصرة حينئذ ، فحبس عنده سنة ، ثم كتب إلى
الرشيد : أن خذه مني وسلمه إلى من شئت ، وإلا خليت
سبيله ، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما أقدر على ذلك
، حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك
، فما أسمعه يدعو إلا لنفسه ، يسأل الله الرحمة
والمغفرة . فوجه الرشيد من تسلمه ، وحبسه عند الفضل بن
الربيع في بغداد ، فبقي عنده مدة طويلة ، ثم كتب إليه
ليسلمه إلى الفضل بن يحيى ، فتسلمه منه ، وطلب منه أن
يعمد إلى قتل الإمام كما طلب من عيسى بن جعفر فلم يفعل
، بل عمد إلى إكرام الإمام ( عليه السلام ) والاحتفاء
به ، ولما بلغ الرشيد ذلك أمر به أن يجلد مائة سوط ،
ثم أخذ الإمام منه وسلمه إلى السندي بن شاهك لعنه الله
، وكانت نهاية حياة الإمام الطاهرة على يده الفاجرة .
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 504 . ( * )
|
|
|
|