|
- أضواء على
عقائد الشيعة الإمامية - الشيخ جعفر السبحاني ص 164 :
|
|
الإمام الرابع : علي بن الحسين بن علي زين العابدين (
عليه السلام )
هو رابع أئمة أهل البيت الطاهر ،
المشهور بزين العابدين أو سيدهم ، والسجاد ، وذي
الثفنات . ولادته وجوانب من سيرته ( عليه السلام ) ولد
في المدينة سنة 38 أو 37 ه . قال ابن خلكان : هو أحد
الأئمة الاثني عشر ومن سادات التابعين . قال الزهري :
ما رأيت قرشيا أفضل منه . وفضائله ومناقبه أكثر من أن
تحصى وتذكر ، ولما توفي دفن في البقيع في جنب عمه
الحسن في القبة التي فيها قبر العباس - رضي الله عنه -
( 1 ) .
ولقد تولى
الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسين ( عليه السلام ) في
كربلاء ، وللاطلاع على النصوص الواردة في إمامته ينبغي
الرجوع إلى كتب الحديث والعقائد المتكفلة بهذا
| |
( 1 )
وفيات
الأعيان 3 : 267 - 269 . ( * ) |
|
|
الجانب المهم ، وأخص منها بالذكر كتاب " الكافي " للكليني ، و " الإرشاد " للشيخ المفيد ، و " كفاية
الأثر " للخزاز ، و " إثبات الهداة " للحر العاملي .
ومن أراد الاطلاع على مناقبه وكراماته وفضائله في
مجالات شتى كالعلم ، والحلم ، والجرأة والإقدام ،
وثبات الجنان ، وشدة الكرم والسخاء ، والورع ، والزهد
، والتقوى ، وكثرة التهجد والتنفل ، والفصاحة والبلاغة
، وشدة هيبته بين الناس ومحبتهم له ، وتربيته لجيل
عظيم من الصحابة والعلماء وقفوا حياتهم في خدمة
الإسلام ، وغير ذلك مما لا يسعنا التعرض لها هنا ،
فعليه يطلب ذلك في الموسوعات المتعددة التي تعرضت لذلك
بالشرح والتفصيل . إلا أنا نكتفي هنا بجانب من سيرته (
عليه السلام ) تتعلق بجملة محددة من الأمور :
1 -
هيبته ومنزلته العظيمة : لقد كان ( عليه السلام )
مهابا جليلا بين الناس بشكل كبير ، حتى أن هذه المنزلة
العظيمة جعلت الأمراء والحكام يحسدونه عليها ،
والتاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد كثيرة ومتعددة ، ومن
ذلك : لما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة
اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه ذلك ، وجاء علي
بن الحسين ( عليهما السلام ) فتوقف له الناس ، وتنحوا
حتى استلم ، فقال جماعة لهشام : من هذا ؟ فقال : لا
أعرفه ( مع أنه كان يعرفه أنه علي بن الحسين ( عليه
السلام ) ) فسمعه الفرزدق ، فقال : لكني أعرفه ، هذا
علي بن الحسين زين العابدين ، وأنشد هشاما قصيدته التي
منها هذه الأبيات :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *
والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم
* هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان
راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل
الأرض قيل هم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده
أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره * العرب
تعرف من أنكرت والعجم
إلى آخر القصيدة التي حفظتها
الأمة وشطرها جماعة من الشعراء .
وقد ثقل ذلك على هشام
فأمر بحبسه ، فحبسوه بين مكة والمدينة ، فقال معترضا
على عمل هشام :
أيحبسني بين المدينة والتي * إليها
قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد *
وعينا له حولاء باد عيوبها
فأخرجه من الحبس فوجه إليه
علي بن الحسين ( عليهما السلام ) عشرة آلاف درهم وقال
: " اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا في هذا الوقت
أكثر من هذا لوصلناك به " فردها الفرزدق وقال : ما قلت
ما كان إلا لله ، فقال له علي ( عليه السلام ) : " قد
رأى الله مكانك فشكرك ، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا
لم نرجع فيه " وأقسم عليه فقبلها .
2 - زهده وعبادته
ومواساته للفقراء : أما زهده وعبادته ومواساته للفقراء
، وخوفه من الله فغني عن البيان . فقد روي عنه ( عليه
السلام ) أنه إذا توضأ اصفر لونه ، فيقال : ما هذا
الذي يعتادك عند الوضوء ؟ قال : " أتدرون بين يدي من
أريد أن أقف " .
من كلماته ( عليه السلام ) : " إن
قوما عبدوا الله رياضة ، فتلك عبادة العبيد ، وأن قوما
عبدوه رغبة ، فتلك عبادة التجار ، وأن قوما عبدوه شكرا
، فتلك عبادة الأحرار " . وكان إذا أتاه سائل يقول له
: " مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة " .
كان ( عليه السلام ) كثير الصدقات حريصا عليها ، وكان
يوصل صدقاته ليلا دون أن يعلم به أحد ، وقد روي أنه (
عليه السلام ) كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة
لا يدرون من يأتيهم بالصدقات ، ولما توفي ( عليه
السلام ) أدركوا ذلك .
وفي رواية : أنه ( عليه السلام
) كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به
ويقول : " صدقة السر تطفئ غضب الرب " .
وفي رواية كان
أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي
بن الحسين ( عليه السلام ) ( 1 ) .
وقال رجل لسعيد بن المسيب : ما رأيت رجلا أورع من فلان - وسمى رجلا -
فقال له سعيد : أما رأيت علي بن الحسين ؟ فقال : لا ،
فقال : ما رأيت أورع منه . قال أبو حازم : ما رأيت
هاشميا أفضل من علي بن الحسين . قال طاووس : رأيت علي
بن الحسين ( عليهما السلام ) ساجدا في الحجر فقلت :
رجل صالح من أهل بيت طيب لأسمعن ما يقول ، فأصغيت إليه
فسمعته يقول : " عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك
بفنائك ، فقيرك بفنائك " قال طاووس : فوالله ما دعوت
بهن في كرب إلا كشف عني .
وكان يصلي في كل يوم وليلة
ألف ركعة ، فإذا أصبح سقط مغشيا عليه ، وكانت الريح
تميله كالسنبلة ، وكان يوما خارجا فلقيه رجل فسبه ،
فثارت إليه العبيد والموالي ، فقال لهم علي ( عليه
السلام ) : " مهلا كفوا " ثم أقبل على ذلك الرجل فقال
له : " ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك
عليها ؟ " فاستحيى الرجل فألقى إليه ( عليه السلام )
خميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم ، فكان ذلك الرجل
بعد ذلك يقول : أشهد أنك من أولاد الرسل ( 2 ) .
| |
( 1 )
تذكرة الخواص : 294 . |
( 2 ) كشف الغمة
2 : 292 - 293 . ( * ) |
|
|
ثروته ( عليه السلام ) العلمية
: أما الثروة العلمية والعرفانية ، فهي أدعيته التي رواها المحدثون
بأسانيدهم المتضافرة ، والتي جمعت بما سمي بالصحيفة
السجادية المنتشرة في العالم ، فهي زبور آل محمد ، ومن
الخسارة الفادحة أن إخواننا أهل السنة - إلا النادر
القليل منهم - غير واقفين على هذا الأثر القيم الخالد
.
نعم ، إن فصاحة ألفاظها ، وبلاغة معانيها ، وعلو
مضامينها ، وما فيها من أنواع التذلل لله تعالى
والثناء عليه ، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه
والتوسل إليه ، أقوى شاهد على صحة نسبتها إليه ، وإن
هذا الدر من ذلك البحر ، وهذا الجوهر من ذلك المعدن ،
وهذا الثمر من ذلك الشجر ، مضافا إلى اشتهارها شهرة لا
تقبل الريب ، وتعدد أسانيدها المتصلة إلى منشئها ، فقد
رواها الثقات بأسانيدهم المتعددة المتصلة ، إلى زين
العابدين ( 1 ) .
وقد أرسل أحد الأعلام نسخة من
الصحيفة مع رسالة إلى العلامة الشيخ الجوهري الطنطاوي
( المتوفى عام 1358 ه ) صاحب التفسير المعروف ، فكتب
في جواب رسالته : " ومن الشقاء أنا إلى الآن لم نقف
على هذا الأثر القيم الخالد في مواريث النبوة وأهل
البيت ، وإني كلما تأملتها رأيتها فوق كلام المخلوق ،
ودون كلام الخالق " ( 2 ) .
وكان المعروف بين الشيعة
هو الصحيفة الأولى التي تتضمن واحدا وستين دعاء في
فنون الخير وأنواع السؤال من الله سبحانه ، والتي تعلم
الإنسان كيف يلجأ إلى
| |
( 1 ) في رحاب أئمة
أهل البيت 3 : 414 . |
( 2 ) مقدمة الصحيفة
بقلم العلامة المرعشي ( قدس سره ) : 28 . ( * ) |
|
|
ربه في الشدائد والمهمات ، وكيف يطلب منه حوائجه ،
وكيف يتذلل ويتضرع له ، وكيف يحمده ويشكره . غير أن
لفيفا من العلماء استدركوا عليها فجمعوا من شوارد
أدعيته صحائف خمسة كان آخرها ما جمعه العلامة السيد
محسن الأمين العاملي ( قدس سره ) .
ولقد قام العلامة
الحجة السيد محمد باقر الأبطحي - دام ظله - بجمع جميع
أدعية الإمام الموجودة في هذه الصحف في جامع واحد ،
وقال في مقدمته : وحري بنا القول إن أدعيته ( عليه
السلام ) كانت ذات وجهين : وجها عباديا ، وآخر
اجتماعيا يتسق مع مسار الحركة الإصلاحية التي قادها
الإمام ( عليه السلام ) في ذلك الظرف الصعب .
فاستطاع
بقدرته الفائقة المسددة أن يمنح أدعيته - إلى جانب
روحها التعبدية - محتوى اجتماعيا متعدد الجوانب ، بما
حملته من مفاهيم خصبة ، وأفكار نابضة بالحياة ، فهو (
عليه السلام ) صاحب مدرسة إلهية ، تارة يعلم المؤمن
كيف يمجد الله ويقدسه ، وكيف يلج باب التوبة ، وكيف
يناجيه وينقطع إليه ، وأخرى يسلك به درب التعامل
السليم مع المجتمع فيعلمه أسلوب البر بالوالدين ،
ويشرح حقوق الوالد ، والولد ، والأهل ، والأصدقاء ،
والجيران ، ثم يبين فاضل الأعمال وما يجب أن يلتزم به
المسلم في سلوكه الاجتماعي ، كل ذلك بأسلوب تعليمي
رائع وبليغ .
وصفوة القول : إنها كانت أسلوبا مبتكرا
في إيصال الفكر الإسلامي والمفاهيم الإسلامية الأصيلة
إلى القلوب الظمأى ، والأفئدة التي تهوى إليها لترتزق
من ثمراتها ، وتنهل من معينها ، فكانت بحق عملية
تربوية نموذجية من الطراز الأول ، أسس بناءها الإمام
السجاد ( عليه السلام ) مستلهما جوانبها من سير
الأنبياء وسنن المرسلين ( 1 ) .
ومن أدعيته ( عليه
السلام ) في هذه الصحيفة دعاؤه في يوم عرفة ، ومنه : "
اللهم هذا يوم عرفة ، يوم شرفته وكرمته وعظمته ، نشرت
فيه رحمتك ، ومننت فيه بعفوك ، وأجزلت فيه عطيتك ،
وتفضلت به على عبادك .
| |
( 1 ) الصحيفة السجادية الجامعة : 13 . ( * ) |
|
|
اللهم وأنا عبدك الذي أنعمت عليه قبل خلقك له ، وبعد
خلقك إياه ، فجعلته ممن هديته لدينك ، ووفقته لحقك ،
وعصمته بحبلك ، وأدخلته في حزبك ، وأرشدته لموالاة
أوليائك ومعاداة أعدائك " .
رسالة الحقوق : إن للإمام
علي بن الحسين رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق ،
أوردها الصدوق في خصاله ( 1 ) بسند معتبر ، ورواها
الحسن بن شعبة في تحف العقول ( 2 ) مرسلة ، وبين النقلين اختلاف يسير .
وهي من جلائل الرسائل في أنواع
الحقوق ، يذكر الإمام فيها حقوق الله سبحانه على
الإنسان ، وحقوق نفسه عليه ، وحقوق أعضائه من اللسان
والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج ، ثم
يذكر حقوق الأفعال ، من الصلاة والصوم والحج والصدقة
والهدي . . . التي تبلغ خمسين حقا ، آخرها حق الذمة .
كما روى الحفاظ وتلاميذ مدرسته أحاديث وحكما مختلفة
جليلة حوتها بطون الكتب المختلفة ، جمع الكثير منها
العلامة المجلسي في موسوعته الموسومة ببحار الأنوار من
مختلف المصادر ، فراجع .
شهادته ( عليه السلام ) : توفي
بالمدينة عام 95 أو 94 ه ، يوم السبت الثاني عشر من
محرم . وقيل الخامس والعشرين منه .
| |
( 1 )
الخصال : 564 - 570 في أبواب الخمسين . |
( 2 ) تحف
العقول : ص 183 - 195 . ( * ) |
|
|
|