- رسالة حول خبر مارية - الشيخ المفيد ص 1 : -

رسالة حول خبر مارية
تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن النعمان ابن المعلم
ابي عبد الله العبكري البغدادي ( 336 - 413 )
تحقيق الشيخ مهدي الصباحي
بسم الله الرحمن الرحيم
 

- ص 3 -

جهد أعداء الاسلام منذ البداية في الاساءة إليه ، وتشويه سمعته عند عامة الناس بشتى الاشكال ، إن باتهام شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بالسحر والكذب ، وما إلى ذلك من الافتراء والفحش . أو الاساءة إلى تعاليمه والمقدسات التي عظمها ، بالسخرية والتزييف والتكذيب .


لكنهم واجهوا في شخص الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم عملاقا ، لا تمسه أوهام التهم ، وصادقا لا يشوبه شبح الكذب ، وأمينا ، حكيما ، مدبرا ، ذا خلق عظيم ، تخضع له القلوب قبل الرقاب ، وذا شخصية قوية رفيعة القمة لا يرقى إليها طير أحلامهم ، في السمو والشموخ والعظمة .


وواجهوا من تعاليمه ، في قرانه وسنته ، سدا منيعا من القيم والشيم و الدروس ، والمخططات الناجحة ، والاهداف السامية ، السريعة الاثر في النفوس ، لا تنفذ فيها سهام الحقد الجاهلي ، والنعرة الطائفية ، وكبر العنصرية ، ولا تلوثها الدعايات المغرضة . ولما رأوا الابواب تلك أمام بغيهم موصدة ، في لجأوا إلى الشغب والتشويش
 

- ص 4 -

من خلال ما ومن يتصل به من المتعلقين والاطراف والاصحاب رجالا ونساءا ، وهم بشر ، ممن لم يعتصموا بكل التعاليم إلى حد الكمال والعصمة والخلق والامانة والعفة ، فبالامكان اختراقهم ، أو دفعهم على ما لا يليق ، أو اتهامهم في مجتمع ساذج

جاهلي متخلف فلذلك ، حاول أعداء الاسلام تلطيخ سمعة بعض نسائه ، حيث أن اتهامهن مثار لسقوط اعتبارهن عن الاعين فيمس صاحب البيت من ذلك شئ ، وهو غاية ما يبنيه الحقراء الحاقدون ! فوجدوا من بعض نسائه ضعفا في الالتزامات

الخلقية تجاه الرسول نفسه ، أو تجاه أهل بيته ، و سائر زوجاته ، إلى حد المظاهرة عليه ، وإفشاء بعض ما أسر إليها ، فعرفوا أن بالامكان اختراقها وتحريك أحاسيسها وهي امرأة ، وخاصة تجاه ضرائرها .

وهذا ماس في قصة مارية القبطية ، زوجة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وأم ولده إبراهيم .

والقصة حدثت بالضبط عندما ولدت هذه السيدة الطيبة ابن رسول الله إبراهيم . وما أيسر أن تثار زوجة عاقر ، ضد ضرتها التي ولدت ابنا ! وما أشد حقد زوجة تعتد بجمالها ، وانتماءها القبلي ، ضد ضرتها التي هي أمة مهداة ! إنها نوافذ مهما

حقرت أو كبرت ، يمكن أن ينفذ أعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم شياطنة قريش أو أرذال بني تيم ، وطغاة بني عدي ، لتسئ إلى كرامة الرسول ، الذي سفه أحلامهم ، وكسر كبرياءهم وغرورهم ، وأرغم أنوفهم ! وأطلقهم عبيدا وقد كانوا سادة ، لسادة كانوا لهم عبيدا .

- ص 5 -

إن عائشة هي التي أثارت التهمة ضد السيدة أم إبراهيم : مارية القبطية ، فقذفتها بأن ولدها ليس من النبي صلى الله عليه واله وسلم ، وإنما هو من ابن عمها جريج القبطي، الذي كان يخدمها، وكان كلام عائشة خطابا للنبي صلى الله عليه واله مباشرة !

فغصب النبي صلى الله عليه واله وسلم ، وقال لعلي عليه السلام : خذ . سيفك - يا علي - وامض إلى بيت مارية ، فإن وجدت القبطي فاضرب عنقه ! وهكذا أغضبت عائشة النبي صلى الله عليه واله وسلم حيث أصبحت ألعوبة بأيدي أعداء الاسلام ، وهي في داخل بيت الرسول صلى الله عليه واله .


ولذا اعلن الرسول غضبه ، وأطلق هذا الامر ، ليعبر عن سخطه ودفاعه عن شرف بيته . ولكن أمير المؤمنين عليه السلام تلميذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم أن الامر في مثل هذا الموقف ، ليس اطلاقه مرادا ، لان التعاليم الاسلامية

تقيده ، فلذلك راح يعلن هذه الحقيقة للسامعين فاستفسر ذلك من النبي صلى الله عليه واله وسلم نفسه ، وقال : إني تأمرني - يا رسول الله - بالامر ، فاكون فيه كالسبيكة المحماة في ذات الوبر ، فامضي لامرك في القبطي ، أو " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " فقال له النبيي صلى الله عليه وأله وسلم : بل " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " .


فمضى أمير المؤمنين عليه السلام إلى بيت مارية القبطية ، فوجد القبطي فيه ، فلما رأى السيف بيد أمير المؤمنين عليه السلام صعد إلى نخلة في الدار ، فهبت ريح كشفت عن ثوبه ، فإذا هو ممسوح ، ليس له ما للرجال !
 

- ص 6 -

فتركه أمير المؤمنين عليه السلام وعاد إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم ، فأخبره الخبر ، فسري عنه ، وقال : الحمد لله الذي نزهنا أهل البيت مما رمتنا به أشرار الناس من السوء .


فخاب الا شرار والشريرة التي أصبحت الة في أيديهم فيما سعوا إليه من تشويه سمعة النبي صلى الله عليه واله ، باستهداف زوجته السيدة مارية ام إبراهيم .


وقد أثار هذا الحديث تساؤلات عديدة أوجبت لكثير من الناس :

 1 - ففرقة من الغلاة الكفرة ، المنتحلة للزيغ ، قالوا : إن قول الامام أمير المؤمنين عليه السلام : " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " رمز إلى نفسه - الشاهد - وأن الامر له في الباطن ، وان النبي هو الغائب .
 

 2 - قالت المعتزلة من العامة بجواز الخطأ في الاحكام على النبي صلى الله عليه واله وسلم وزعموا : أن الامر بقتل القبطي - مطلقا - كان خطأ ، عرفه الامام أمير المؤمنين عليه السلام ، فنبه الرسول بالاشتراط .
 

 3 - الفرقة المنتسبة إلى موسى بن عمران القائلة ، بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يشرع لهم بالنص تارة ، وبالاختيار أخرى وأنه كان مفوضا إليه القول بالاحكام بما شاء وكيف شاء !
 

 4 - ذهب أصحاب الرأى والاستحسان من متفقهة العوام إلى أن النبي صلاى الله عليه واله وسلم كان يحكم بالرأي ثم يرجع عنه ، حسب ما يراه في كل حال .
 

 5 - والزنادقة جعلوا ذلك حجة في الطعن في النبوة . ولكن لهذا الحوار ، الذي وقع بين النبي وعلي عليه السلام ، وجوه واضحة

- ص 7 -

في الحق ، لاتخفى لمن وقف عليها من ذوي الانصاف ، وهي : الاول : أن الاوامر الصادرة من العقلاء ، إطلاقا وتقييدا ، وإجمالا وبيانا ، تتبع معرفة المأمورين ومدى ذكائهم ، ومقدار عقلهم وإدراكهم ، فان كان المأمور متوسطا في الذكاء والعقل

والمعرفة احتاج إلى تأكيد وزيادة بيان ، وان كان المأمور دون ذلك في المعرفة والعقل والذكاء احتاج إلى الشرح والتفصيل والتوضيح والاعادة والتكرار ، وان كان فائق الذكاء والمعرفة والعقل لم يحتج إلى شئ من التأكيد ولا البيان ، ويكتفى معه

بالاجمال والاطلاق . وكذلك ، بحسب الثقة بالمأمور في طاعته ، والسكون إلى سداده وضبطه ، يختلف اخذ الموقف منه بالتأكيد وعدمه .


قال الشيخ المفيد : وهذا بين ، متفق عليه أهل النظر كافة ، وجمهور العقلاء ، فلا حاجة بنا إلى تكلف دليل عليه .

وحاصله : أن معرفة الراوى ومداها ، لها الاثر الواضح في تشتكل النص الذي يلقيه الامام إليه للدلالة على قضية أو حكم .

ولذلك يكون الوقوف على مبلغ علم الراوي ومعرفته الفكرية والفقهية لها الاثر في تبلور النصوص التي يرويها عن الامام عليه السلام ، وخاصة في وضوحه وبيانه ، أو اجماله ، وكذلك في الخصوص والعموم ، وما إلى ذلك . وعلى هذا ، فبما أن

النبي صلى الله عليه واله كان بصدد دفع التهمة عن زوجته ، لتنزيه العائلة المنتسبة إليه ، وإنما استهدف القبطي لمجرد كونه محلا لتهمة أولئك الاشرار ، لا أن القبطي كان ( مطلقا ) مهدور الدم ؟ فلذلك أطلق النبي صلى الله عليه وآله الامر ، وأوكل تقييده إلى علي عليه السلام ، ولو كان غير علي عليه السلام مأمورا بذلك لفصل له النبي صلى
 

- ص 8 -

الله عليه واله وسلم ولم يترك الامر مطلقا غير مبين التفصيل ! .

ثم إن هذة العملية دليل على فضل علي عليه السلام ، حيث أنه كان عالما بتفاصيل الاحكام الشرعية ، فأظهر الاشتراط ، وأخبر به قبل أن يخبره النبي صلى الله عليه واله وسلم ، ليكشف بذلك عن فضله وعلمه .


واعلن علي عليه السلام عن ذلك ، بلسان السؤال عن النبي صلى الله عليه واله ، لانه اكثر توغلا في الادب ، ولئلا يسئ الادب مع النبي صلى الله عليه واله .


ثم إن عليا عليه السلام لو لم يعلن عن هذا التفصيل، الذي أعلنه بلسان السؤال ، وكان يعمل طبقا لما عرفه من الحكم بالتفصيل ، لو لم يفعل ذلك لاتهمه المغرضون بمخالفة النبي صلى الله عليه واله وسلم ، حيث لم ينفذ أمره بقتل القبطي مطلقا .


فكان في إطلاق النبي صلى الله عليه واله ، وسؤال علي عليه السلام و كشفه عما تضمنه الكلام من الاحكام والتي استنبطها الامام عليه السلام من الفوائد في فضلهما وعصمتهما ونطقهما بالحق ، ما بيناه وأوضحناه .


الوجه الثاني في توجيه الحديث : أن يكون القبطي مهدور الدم ، لدخوله بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن ، وعلى غير إخبار منه له . ولم يكن الامر كذلك لعلي عليه السلام ، فلذلك سال عن التفصيل .


الوجه الثالث : أن يكون حكم قتل القبطي مفوضا إلى النبي صلى الله عليه وآله مطلقا ، ففوضه إلى علي عليه السلام مشروطا . وهذا يدل على مشاكلة الامام عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله في
 

- ص 9 -

العصمة والكمال ، ومساهمة في ولاية الامر من تقرير الدين والاحكام بين العباد . وبعد : فإذا ثبت للحديث توجيه على اي من الوجوه المتقدة ، بطلت جميع الشبه المذكورة ، التي أثارتها الفرق الضالة المزبورة لان ما التزموه يكون خارجا عن المحتوى

المفهوم من النص ، وإنما تصبح دعاوى فارغة ، مجردة عن الدليل ، إذ أن النص إذا كان له تأويل عقلائي ، ومعنى صحيح ومعقول عند الحكماء ، لم يكن للعلول عنه طريق ، الا التحكم بالاماني الخائبات .


والحمد لله على كل حال .
 

وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي رسالة حول خبر مارية

- ص 10 -

نسخ الرسالة : اعتمدت في تحقيق الكتاب على النسخ التالية حسب أسبقيتها في التاريخ بالنسبة إلى عصر شيخنا المفيد - قدس مره الشريف - 1 - النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العامة في قم ، في ضمن مجموعة رقم 243 ، عليها تملك

محرم سنة 888 ه‍ . وقد عرف في فهرس المكتبة ب‍ " النص في علي عليه السلام " وهي صفحة من أولها ، وسقطت منها الصفحات الاخيرة . ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " ن " .


 2 - النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العامة في قم أيضا ، في ضمن مجموعة برقم 255 ، نسخها عبد الحميد بن محمد مقيم ، خطيب عبد العظيمي . تاريخ انتهاء النسخ في نهاية المجموعة : 17 ربيع الاول ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " ب " .

 3 - النسخة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي في طهران ، ضمن المجموعة المرقمة 8 من الكتب المهداة إلى المكتبة من قبل امام

- ص 11 -

الجمعة الخوئي ، من مخطوطات القرن الحادي عشر الهجري . ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " م " .


 4 - النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العامة في قم أيضا ، ضمن المجموعة المرقمة 78 . من مخطوطات القرن الثالث - عشر الهجري . ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " ى " .


 5 - النسخة المحفوظة في مكتبة اية الله الحكيم العامة في النجف ، ضمن مجموعة المرقمة 998 تاريخ الانتهاء من نسخها سنة 1334 الهجري بخط الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي ، فلمها موجود في المكتبة المركزية لجامعة طهران برقم 3343 . ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " س " .


 6 - النسخة المطبوعة في النجف الاشرف ضمن رسائل المفيد عام 1370 ط . ق . ونرمز الى هذه النسخة بحرف " د " .

 

 

الصفحة الرئيسية

 

صفحة الشيعة

 

خبر مارية