تأليف الامام الشيخ المفيد محمد بن النعمان ابن
المعلم
ابي عبد الله العبكري البغدادي ( 336 - 413 )
تحقيق الشيخ مهدي الصباحي
بسم الله الرحمن الرحيم
جهد أعداء الاسلام منذ البداية في الاساءة إليه ، وتشويه سمعته عند
عامة الناس بشتى الاشكال ، إن باتهام شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،
بالسحر والكذب ، وما إلى ذلك من الافتراء والفحش . أو الاساءة إلى تعاليمه
والمقدسات التي عظمها ، بالسخرية والتزييف والتكذيب .
لكنهم واجهوا في شخص
الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم عملاقا ، لا تمسه أوهام التهم ، وصادقا
لا يشوبه شبح الكذب ، وأمينا ، حكيما ، مدبرا ، ذا خلق عظيم ، تخضع له القلوب
قبل الرقاب ، وذا شخصية قوية رفيعة القمة لا يرقى إليها طير أحلامهم ، في السمو
والشموخ والعظمة .
وواجهوا من تعاليمه ، في قرانه وسنته ، سدا منيعا من القيم
والشيم و الدروس ، والمخططات الناجحة ، والاهداف السامية ، السريعة الاثر في
النفوس ، لا تنفذ فيها سهام الحقد الجاهلي ، والنعرة الطائفية ، وكبر العنصرية
، ولا تلوثها الدعايات المغرضة . ولما رأوا الابواب تلك أمام بغيهم موصدة ، في
لجأوا إلى الشغب والتشويش
من خلال ما ومن يتصل به من المتعلقين والاطراف والاصحاب رجالا
ونساءا ، وهم بشر ، ممن لم يعتصموا بكل التعاليم إلى حد الكمال والعصمة والخلق
والامانة والعفة ، فبالامكان اختراقهم ، أو دفعهم على ما لا يليق ، أو اتهامهم
في مجتمع ساذج
جاهلي متخلف فلذلك ، حاول أعداء الاسلام تلطيخ سمعة بعض نسائه
، حيث أن اتهامهن مثار لسقوط اعتبارهن عن الاعين فيمس صاحب البيت من ذلك شئ ،
وهو غاية ما يبنيه الحقراء الحاقدون ! فوجدوا من بعض نسائه ضعفا في الالتزامات
الخلقية تجاه الرسول نفسه ، أو تجاه أهل بيته ، و سائر زوجاته
، إلى حد المظاهرة عليه ، وإفشاء بعض ما أسر إليها ، فعرفوا أن بالامكان
اختراقها وتحريك أحاسيسها وهي امرأة ، وخاصة تجاه ضرائرها .
وهذا ماس في قصة مارية القبطية ،
زوجة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وأم ولده إبراهيم .
والقصة حدثت بالضبط
عندما ولدت هذه السيدة الطيبة ابن رسول الله إبراهيم . وما أيسر أن تثار زوجة
عاقر ، ضد ضرتها التي ولدت ابنا ! وما أشد حقد زوجة تعتد بجمالها ، وانتماءها
القبلي ، ضد ضرتها التي هي أمة مهداة ! إنها نوافذ مهما
حقرت أو كبرت ، يمكن أن
ينفذ أعداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم شياطنة قريش أو أرذال بني تيم
، وطغاة بني عدي ، لتسئ إلى كرامة الرسول ، الذي سفه أحلامهم ، وكسر كبرياءهم
وغرورهم ، وأرغم أنوفهم ! وأطلقهم عبيدا وقد كانوا سادة ، لسادة كانوا لهم
عبيدا .
إن عائشة هي التي أثارت التهمة ضد السيدة أم إبراهيم : مارية القبطية
، فقذفتها بأن ولدها ليس من النبي صلى الله عليه واله وسلم ، وإنما هو من ابن
عمها جريج القبطي، الذي كان يخدمها، وكان كلام عائشة خطابا للنبي صلى الله
عليه واله مباشرة !
فغصب النبي صلى الله عليه واله وسلم ، وقال لعلي عليه
السلام : خذ . سيفك - يا علي - وامض إلى بيت مارية ، فإن وجدت القبطي فاضرب
عنقه ! وهكذا أغضبت عائشة النبي صلى الله عليه واله وسلم حيث أصبحت ألعوبة
بأيدي أعداء الاسلام ، وهي في داخل بيت الرسول صلى الله عليه واله .
ولذا اعلن
الرسول غضبه ، وأطلق هذا الامر ، ليعبر عن سخطه ودفاعه عن شرف بيته . ولكن أمير
المؤمنين عليه السلام تلميذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلم أن الامر
في مثل هذا الموقف ، ليس اطلاقه مرادا ، لان التعاليم الاسلامية
تقيده ، فلذلك
راح يعلن هذه الحقيقة للسامعين فاستفسر ذلك من النبي صلى الله عليه واله وسلم
نفسه ، وقال : إني تأمرني - يا رسول الله - بالامر ، فاكون فيه كالسبيكة
المحماة في ذات الوبر ، فامضي لامرك في القبطي ، أو " يرى الشاهد ما لا يرى
الغائب " فقال له النبيي صلى الله عليه وأله وسلم : بل " يرى الشاهد ما لا يرى
الغائب " .
فمضى أمير المؤمنين عليه السلام إلى بيت مارية القبطية ، فوجد
القبطي فيه ، فلما رأى السيف بيد أمير المؤمنين عليه السلام صعد إلى نخلة في
الدار ، فهبت ريح كشفت عن ثوبه ، فإذا هو ممسوح ، ليس له ما للرجال !
فتركه أمير المؤمنين عليه السلام وعاد إلى النبي صلى الله
عليه واله وسلم ، فأخبره الخبر ، فسري عنه ، وقال : الحمد لله الذي نزهنا أهل
البيت مما رمتنا به أشرار الناس من السوء .
فخاب الا شرار والشريرة التي أصبحت الة في أيديهم فيما سعوا إليه من تشويه سمعة
النبي صلى الله عليه واله ، باستهداف زوجته السيدة مارية ام إبراهيم .
وقد أثار هذا الحديث تساؤلات عديدة أوجبت
لكثير من الناس :
1 - ففرقة من الغلاة الكفرة ، المنتحلة للزيغ ، قالوا : إن
قول الامام أمير المؤمنين عليه السلام : " يرى الشاهد ما لا يرى الغائب " رمز
إلى نفسه - الشاهد - وأن الامر له في الباطن ، وان النبي هو الغائب .
2 - قالت
المعتزلة من العامة بجواز الخطأ في الاحكام على النبي صلى الله عليه واله وسلم
وزعموا : أن الامر بقتل القبطي - مطلقا - كان خطأ ، عرفه الامام أمير المؤمنين
عليه السلام ، فنبه الرسول بالاشتراط .
3 - الفرقة المنتسبة إلى موسى بن عمران
القائلة ، بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يشرع لهم بالنص تارة ،
وبالاختيار أخرى وأنه كان مفوضا إليه القول بالاحكام بما شاء وكيف شاء !
4 -
ذهب أصحاب الرأى والاستحسان من متفقهة العوام إلى أن النبي صلاى الله عليه واله
وسلم كان يحكم بالرأي ثم يرجع عنه ، حسب ما يراه في كل حال .
5 - والزنادقة
جعلوا ذلك حجة في الطعن في النبوة . ولكن لهذا الحوار ، الذي وقع بين النبي
وعلي عليه السلام ، وجوه واضحة
في الحق ، لاتخفى لمن وقف عليها من ذوي الانصاف ، وهي : الاول
: أن الاوامر الصادرة من العقلاء ، إطلاقا وتقييدا ، وإجمالا وبيانا ، تتبع
معرفة المأمورين ومدى ذكائهم ، ومقدار عقلهم وإدراكهم ، فان كان المأمور متوسطا
في الذكاء والعقل
والمعرفة احتاج إلى تأكيد وزيادة بيان ، وان كان المأمور دون
ذلك في المعرفة والعقل والذكاء احتاج إلى الشرح والتفصيل والتوضيح والاعادة
والتكرار ، وان كان فائق الذكاء والمعرفة والعقل لم يحتج إلى شئ من التأكيد ولا
البيان ، ويكتفى معه
بالاجمال والاطلاق . وكذلك ، بحسب الثقة بالمأمور في طاعته ،
والسكون إلى سداده وضبطه ، يختلف اخذ الموقف منه بالتأكيد وعدمه .
قال الشيخ
المفيد : وهذا بين ، متفق عليه أهل النظر كافة ، وجمهور العقلاء ، فلا حاجة بنا
إلى تكلف دليل عليه .
وحاصله : أن معرفة الراوى ومداها ، لها الاثر الواضح في
تشتكل النص الذي يلقيه الامام إليه للدلالة على قضية أو حكم .
ولذلك يكون
الوقوف على مبلغ علم الراوي ومعرفته الفكرية والفقهية لها الاثر في تبلور
النصوص التي يرويها عن الامام عليه السلام ، وخاصة في وضوحه وبيانه ، أو اجماله
، وكذلك في الخصوص والعموم ، وما إلى ذلك . وعلى هذا ، فبما أن
النبي صلى الله
عليه واله كان بصدد دفع التهمة عن زوجته ، لتنزيه العائلة المنتسبة إليه ،
وإنما استهدف القبطي لمجرد كونه محلا لتهمة أولئك الاشرار ، لا أن القبطي كان (
مطلقا ) مهدور الدم ؟ فلذلك أطلق النبي صلى الله عليه وآله الامر ، وأوكل
تقييده إلى علي عليه السلام ، ولو كان غير علي عليه السلام مأمورا بذلك لفصل له
النبي صلى
الله عليه واله وسلم ولم يترك الامر مطلقا غير مبين التفصيل ! .
ثم إن
هذة العملية دليل على فضل علي عليه السلام ، حيث أنه كان عالما بتفاصيل الاحكام
الشرعية ، فأظهر الاشتراط ، وأخبر به قبل أن يخبره النبي صلى الله عليه واله
وسلم ، ليكشف بذلك عن فضله وعلمه .
واعلن علي عليه السلام عن ذلك ، بلسان
السؤال عن النبي صلى الله عليه واله ، لانه اكثر توغلا في الادب ، ولئلا يسئ
الادب مع النبي صلى الله عليه واله .
ثم إن عليا عليه السلام لو لم يعلن عن هذا
التفصيل، الذي أعلنه بلسان السؤال ، وكان يعمل طبقا لما عرفه من الحكم
بالتفصيل ، لو لم يفعل ذلك لاتهمه المغرضون بمخالفة النبي صلى الله عليه واله
وسلم ، حيث لم ينفذ أمره بقتل القبطي مطلقا .
فكان في إطلاق النبي صلى الله
عليه واله ، وسؤال علي عليه السلام و كشفه عما تضمنه الكلام من الاحكام والتي
استنبطها الامام عليه السلام من الفوائد في فضلهما وعصمتهما ونطقهما بالحق ، ما
بيناه وأوضحناه .
الوجه الثاني في توجيه الحديث : أن يكون القبطي مهدور الدم ،
لدخوله بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذن ، وعلى غير إخبار منه له .
ولم يكن الامر كذلك لعلي عليه السلام ، فلذلك سال عن التفصيل .
الوجه الثالث :
أن يكون حكم قتل القبطي مفوضا إلى النبي صلى الله عليه وآله مطلقا ، ففوضه إلى
علي عليه السلام مشروطا . وهذا يدل على مشاكلة الامام عليه السلام للنبي صلى
الله عليه وآله في
العصمة والكمال ، ومساهمة في ولاية الامر من تقرير الدين
والاحكام بين العباد . وبعد : فإذا ثبت للحديث توجيه على اي من الوجوه المتقدة
، بطلت جميع الشبه المذكورة ، التي أثارتها الفرق الضالة المزبورة لان ما
التزموه يكون خارجا عن المحتوى
المفهوم من النص ، وإنما تصبح دعاوى فارغة ، مجردة عن الدليل
، إذ أن النص إذا كان له تأويل عقلائي ، ومعنى صحيح ومعقول عند الحكماء ، لم
يكن للعلول عنه طريق ، الا التحكم بالاماني الخائبات .
والحمد لله على كل حال .
وكتب السيد محمد رضا الحسيني الجلالي رسالة حول خبر مارية
نسخ الرسالة : اعتمدت في تحقيق
الكتاب على النسخ التالية حسب أسبقيتها في التاريخ بالنسبة إلى عصر شيخنا
المفيد - قدس مره الشريف - 1 - النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي
العامة في قم ، في ضمن مجموعة رقم 243 ، عليها تملك
محرم سنة 888 ه . وقد عرف في فهرس المكتبة ب " النص في علي
عليه السلام " وهي صفحة من أولها ، وسقطت منها الصفحات الاخيرة . ونرمز إلى هذه
النسخة بحرف " ن " .
2 - النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العامة في
قم أيضا ، في ضمن مجموعة برقم 255 ، نسخها عبد الحميد بن محمد مقيم ، خطيب عبد
العظيمي . تاريخ انتهاء النسخ في نهاية المجموعة : 17 ربيع الاول ونرمز إلى هذه
النسخة بحرف " ب " .
3 - النسخة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي في
طهران ، ضمن المجموعة المرقمة 8 من الكتب المهداة إلى المكتبة من قبل امام
الجمعة الخوئي ، من مخطوطات القرن الحادي عشر الهجري . ونرمز إلى هذه
النسخة بحرف " م " .
4 - النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي العامة في
قم أيضا ، ضمن المجموعة المرقمة 78 . من مخطوطات القرن الثالث - عشر الهجري .
ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " ى " .
5 - النسخة المحفوظة في مكتبة اية الله
الحكيم العامة في النجف ، ضمن مجموعة المرقمة 998 تاريخ الانتهاء من نسخها سنة
1334 الهجري بخط الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي ، فلمها موجود في المكتبة
المركزية لجامعة طهران برقم 3343 . ونرمز إلى هذه النسخة بحرف " س " .
6 -
النسخة المطبوعة في النجف الاشرف ضمن رسائل المفيد عام 1370 ط . ق . ونرمز الى
هذه النسخة بحرف " د " .