الامة وبناءها عقائديا ، وتقريبها باستمرار نحو المستوى الذي
يؤهلها لتحمل المسؤوليات القيادية . وهكذا نجد أن هذا هو الطريق الوحيد الذي
كان بالامكان أن يضمن سلامة مستقبل الدعوة ، وصيانة التجربة في خط نموها وهكذا
كان ( 101 ) .
وليس ما تواتر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من النصوص
التي تدل على أنه كان يمارس إعداد رساليا وتثقيفا عقائديا خاصا لبعض الدعاة على
مستوى يهيئه للمرجعية الفكرية والسياسية ، وإنه ( صلى الله عليه وآله ) قد عهد
إليه بمستقبل
الدعوة ، وزعامة الامة من بعده ، فكريا وسياسيا
( 102 ) ، ليس هذا إلا تعبيرا عن سلوك القائد
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) للطريق الثالث الذي كانت تفرضه ، وتدل عليه من
قبل ذلك طبيعة الاشياء كما عرفنا .
ولم يكن هذا الشخص الداعية المرشح للاعداد الرسالي القيادي ، والمنصوب لتسلم
مستقبل الدعوة ، وتزعمها فكريا وسياسيا ، إلا علي بن أبي طالب ، الذي رشحه لذلك
عمق وجوده في كيان الدعود ، وإنه المسلم الاول ، والمجاهد الاول في سبيلها
عبر كفاحها المرير ضد كل أعدائها ، وكذلك عمق وجوده في حياة
القائد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنه ربيبه الذي فتح عينيه في حجره ،
ونشأ في
| |
* ( هامش ) *
( 101 ) إذ لم تهيئةالخليفة القائد - وتم
تعيينه فعلا - كما هو تصريح النصوص .
( 102 ) راجع ما نقلناه من الصنوص المعتبرة عن إخواننا السنة / في
الملحق . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 65 : - |
كنفه ، وتهيأت له من فرص التفاعل معه والاندماج بخطه ، ما لم
يتوفر لاي إنسان آخر ( 103 ) .
والشواهد من حياة النبي والامام علي ، على أن النبي ( صلى
الله عليه وآله ) كان يعد الامام اعدادا رساليا خاصا ، كثيرة جدا
، فقد كان النبي يخصه بكثير من مفاهيم الدعوة وحقائقها ، ويبدؤه ، بالعطاء
الفكري والتثقيف إذا استنفذ الامام أسئلته ( 104 )
، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار ، يفتح عينيه
على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق ، ومناهج العمل الى آخر يوم من حياته الشريفة
.
روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أبي إسحاق ،
سالت القاسم بن العباس " كيف ورث علي رسول الله ؟ قال :
" لانه كان أولنا به لحوقا وأشدنا به لزوقا . . . "
( 105 ) .
وفي حلية الاولياء عن ابن عباس أنه يقول :
" كنا نتحدث أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عهد الى
علي بسبعين عهدا ، لم يعهد إلى غيره " ( 106 )
.
| |
* ( هامش ) *
( 103 ) راجع خطبة الامام على (
عليه السلام ) الشهيرة بالقاصعة - كما ذكرها في الملحق -
نهج البلاغه / ص 300 / 301 ضبط الدكتور صبحي
الصالح .
( 104 ) جاء عن الامام علي ( عليه السلام )
أنه قال : " كنت إذا سألته - أي رسول الله - أعطاني وإذا
سكت ابتدأني . . . " السنن الكبرى /
النسائي / ج 5 / ص 142 ، الصواعق المحرقة / ص 127
.
( 105 ) المستدرك على
الصحيحين / الحاكم النيسابوري / ج 3 / ص 136 حديث رقم 4633 طبعة دار
الكتب العلمية - بيروت .
( 106 ) حلية الاولياء
/ لابي نعيم / ج 1 / ص 68 ، طبعة دار الكتاب العربي بيروت - ط 5 / 1407 ه . (
* ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 66 : - |
وروى النسائي في الخصائص عن
الامام علي أنه يقول : " كانت لي منزلة من رسول الله لم
تكن لاحد من الخلائق ، كنت أدخل على نبي الله كل ليلة ، فإن كان يصلي سبح فدخلت
، وإن لم يكن يصلي أذن لي فدخلت " ( 107 )
.
وروي أيضا عن الامام علي ( عليه السلام ) قوله : " كان
لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار . . . "
( 108 )
وروى النسائي عن الامام أيضا انه كان يقول : " كنت إذا
سألت رسول الله اعطيت ، وإذا سكت ابتدائي . . . "
( 109 ) .
ورواه الحاكم في المستدرك أيضا ، وقال : صحيح على
شرط الشيخين ( 110 ) .
وروي النسائي عن ام سلمة أنها كانت تقول " : والذي تحلف
به أم سلمة : إن أقرب الناس عهدا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي قالت :
لما كانت غداة قبض رسول الله ، فأرسل إليه رسول الله ، وأظنه كان بعثه في حاجة
، فجعل يقول : جاء
علي ؟ ثلاث مرات ، فجاء قبل طلوع الشمس
، فلما أن جاء عرفنا أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، وكنا عند رسول الله
يومئذ في بيت عائشة ، وكنت في آخر من خرج من البيت ، ثم جلست وراء الباب ، فكنت
أدناهم الى الباب ،
| |
* ( هامش ) *
( 107 )
السنن الكبر ى -
الخصائص ج 5 / ص 140 ح / 8499 / 1 .
( 108 ) المصدر السابق / ج 5 / ص 141 .
( 109 ) المصدر السابق / ج 5 / ص 142 .
( 110 ) المستدرك
/ ج 3 / ص 135 - حديث برقم 4630 - تحقيق مصطفى عبد القادر عطا / طبعة دار الكتب
العلمية - بيروت 1411 ه . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 67 : - |
فاكب عليه علي فكان آخر الناس به عهدا
، فجعل يساره ويناجيه ( 111 ) .
وقال أمير المومنين في خطبته القاصعة الشهيرة ،
وهو يصف علمتم موضعي من رسول الله بالقرابة القربية
، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا ولد ،
يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ،
وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه ، وما وجد
لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل . . . ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل لاثر أمه
، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور
في كل سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ،
ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام
غير رسول الله وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة
. . . " ( 112 ) .
إن هذه الشواهد ، وشواهد أخرى كثيرة ، تقدم لنا صورة عن ذلك الاعداد الرسالي
الخاص الذي كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمارسه في سبيل توعية الامام على
المتسوى القيادي للدعوة .
كما إن في حياة الامام علي ( عليه السلام ) بعد وفاة القائد الرسول ( صلى الله
عليه وآله ) أرقاما كثيرة جدا تكشف عن ذلك الاعداد العقائدي الخاص للامام علي (
عليه السلام ) من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) ،
| |
* ( هامش ) *
( 111 ) السنن الكبرى
/ النسائي / ج 5 / ص 154 باب 54 ، وراجع الرواية في
مختصر تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 21 .
( 112 ) نهج البلاغة
/ ضبط الدكتور صبحي الصالح / خطبة رقم 192 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 68 : - |
بما تعكسه من آثار ذلك الاعداد الخاص ونتائجه . فقد كان
الامام هو المفزع والمرجع لحل اي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ
( 113 ) .
ولا نعرف في تاريخ التجربة الاسلامية على عهد الخلفاء واقعة واحدة رجع فيها
الامام الى غيره لكي يتعرف على رأي الاسلام وطريقة علاجه للموقف ، بينما نعرف
في التاريخ عشرات الوقائع التي أحست القيادة الاسلامية الحاكمة بضرورة الرجوع
الى الامام علي رغم تحفظاتها في هذا الموضوع .
وإذا كانت الشواهد كثيرة على أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يعد الامام
إعداد خاصا لمواصلة قيادة الدعوة من بعده ، فالشواهد الفكرية والسياسية رسميا
الى الامام علي ( عليه السلام ) لا تقل عنها كثرة ،
كما نلاحظ ذلك في حديث الدار ( 114 )
، وحديث الثقلين ( 115 ) ، وحديث المنزلة
( 116 ) ، وحديث الغدير (
117 ) ، وعشرات النصوص النبوية
| |
* ( هامش ) *
( 113 ) راجع
الملحق ، وراجع تاريخ
الخلفاء / السيوطي / ص 170 / 172 .
قال عمر بن الخطاب :
" لا أبقاني الله لمعظلة ليس لها أبو الحسن "
الصواعق المحرقة / ابن حجر / ص 127 .
( 114 ) حديث الدار : عند ما نزل قول تعالى :
( وانذر عشيرتك الاقربين
) راجع تفسير الخازن / ج 3 / ص 371 ،
دار المعرفة - بيروت .
( 115 ) حديث الثقلين أخرجه
أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد ، راجع :
صحيح مسلم / ج 4 ص 1873 ،
صحيح الترمذي / ج 5 / ص 596 - تحقيق كمال الحوت / طبعة دار الفكر .
( 116 ) حديث المنزلة : " انت مني بمنزلة
هرون من موسى . . . " صحيح البخاري / ج 5 / ص 81
/ باب 39 .
( 117 ) حديث الغدير : راجع
سنن ابن ماجة / المقدمة / باب 11 / ج 1 ص 43
، ومسند الامام أحمد / ج 4 / ص 281 - طبعة دار
صادر - بيروت . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 69 : - |
الاخرى ( 118 ) .
وهكذا وجد التشيع في إطار الدعوة الاسلامية متمثلا في هذه
الاطروحة النبوية التي وضعها النبي ( صلى الله عليه وآله ) - بأمر من الله .
للحفاظ على مستقبل الدعوة .
وهكذا وجد التشيع لا كظاهرة طارئة على مسرح الاحداث ، بل
كنتيجة ضرورية لطبيعة تكون الدعوة وحاجاتها وظروفها الاصلية التي كانت تفرض على
الاسلام أن يلد ( التشيع ) ، وبمعنى آخر كانت تفرض على القائد الاول للتجربة أن
يعد للتجربة قائدها الثاني ( 119 ) .
الذى تواصل على يده ويد خلفائه نموها الثوري ، وتقترب نحو اكتمال هدفها
التغييري في اجتثاب كل وراسب الماضي الجاهلي وجذوره ، وبناء امة جديدة على
مستوى متطلبات الدعوة ومسؤولياتها .
| |
* ( هامش ) *
( 118 ) راجع
ملحق البحث في بسط هذا المطلب والتوسع فيه .
( 119 ) راجع مختصر
تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 35 : قول الخليفة الثاني لاصحاب الشورى . (
* ) |
|