|
|
|
|
الامر الثاني : النظرة المصلحية إن الامر الثاني الذي يمكن أن يفسر سلبية القائد تجاه مستقبل
الدعوة ، ومصيرها بعد وفاته ، أنه على رغم شعوره بخطر هذا الموقف ، لا يحاول
تحصين الدعوة ضد ذلك الخطر ، لانه ينظر الى الدعوة نظرة مصلحية ، فلا يهمه إلا
أن يحافظ عليها ما دام حيا
ليستفيد منها ، ويستمتع بمكاسبها ، ولا يعنى بحماية مستقبلها بعد وفاته . وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي محمدا ( صلى الله عيه وآله ) ، حتى إذا لم نلاحظه بوصفه نبيا ومرتبطا بالله سبحانه وتعالى في كل ما يرتبط بالرسالة ، وافترضناه قائدا رساليا كقادة الرسالات الاخرى ، لان تاريخ القادة الرساليين لا يملك نظيرا للقائد الرسول محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، في إخلاصه لدعوته ، وتفانيه فيها ، وتضحيته من أجلها الى آخر لحظة من حياته . وكل تاريخه يبرهن على ذلك ، فقد كان ( صلى الله عليه وآله ) على فراش الموت وقد ثقل مرضه ، وهو يحمل هم معركة كان قد خطط لها ، وجهز جيش اسامة لخوضها ، فكان يقول : " جهزوا جيش اسامة ، أنفذوا جيش اسامة ، ارسلوا بعث اسامة " ، يكرر ذلك ، ويغمى عليه بين الحين والحين ( 23 ) ، فإذا كان اهتمام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بقضية من قضايا الدعوة العسكرية يبلغ الى هذه الدرجة ، وهو يجود بنفسه على فراش الموت ، ولا يمنعه علمه بأنه سيموت قبل أن يقطف ثمار تلك المعركة ، عن تبنيه لها ، وإن تكون همه الشاغل وهو يلفظ أنفاسه الاخيرة ، فكيف يمكن أن نتصور أن النبي لا يعيش هموم مستقبل الدعوة ، ولا يخطط
لسلامتها ، بعد وفاته ( صلوات الله عليه ) من الاخطار المرتقبة ؟ ! وأخيرا فإن
في سلوك الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه
الاخير رقما واحدا يكفي لنفي الطريق الاول ، وللتدليل على أن القائد الاعظم ، نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) كان أبعد ما يكون من فرضية الموقف السلبي تجاه مستقبل الدعوة ، لعدم الشعور بالخطر ، أو لعدم الاهتمام بشأنه ، وهذا الرقم أجمعت صحاح المسلمين جميعا - سنة وشيعة - على نقله ، وهو أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لما حضرته الوفاة ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " ائنوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا " ( 24 ) فإن هذه المحاولة من القائد الكريم ، المتفق على نقلها وصحتها تدل بكل وضوح على أنه كان يفكر في أخطار المستقبل ، ويدرك بعمق ضرورة التخطيط لتحصين الامة من الانحراف ، وحماية الدعوة من التميع والانهيار ، فليس إذن من الممكن افتراض الموقف السلبي ( 25 ) من النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحال من لاحوال .
|
|