الفصل الاول نشأة التشيع
المبحث الاول * الموقف السلبي : إهمال أمر الخلافة
المبحث الثاني * الايجابية ممثلة بنظام الشوري
المبحث الثالث * الايجابية ممثلة بالاختيار والتعيين
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 21 : - |
تمهيد أما فيما يتعلق بالسؤال الاول :
" كيف ولد التشيع ؟
" فنحن نستطيع أن نعتبر التشيع نتيجة طبيعية للاسلام ، وممثلا
لاطروحة كان من المفروض للدعوة الاسلامية أن تتوصل إليها حفاظا على نموها
السليم .
ويمكننا أن نستنتج هذه الاطروحة استنتاجا منطقيا من الدعوة
التي كان الرسول الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) يتزعم قيادتها بحكم طبيعة
تكوينها ، ونوع الظروف التي عاشتها ، فإن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كان
يباشر قيادة دعوة انقلابية ،
ويمارس عملية تغيير شامل للمجتمع وأعرافه وأنظمته ومفاهيمه ،
ولم يكن الطريق قصيرا أمام عملية التغيير هذه ، بل كان طريقا طويلا وممتدا
بامتداد الفواصل يمارسها النبي أن تبدأ بإنسان الجاهلية فنشأة إنشاء جديدا ،
وتجعل
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 22 : - |
منه الانسان الاسلامي ، الذي يحمل الدور الجديد إلى العالم ،
وتجتث منه كل جذور الجاهلية ورواسبها (6) .
وقد خطا القائد الاعظم ( صلى الله عليه وآله ) بعملية التغيير
خطوات مدهشة ، في برهة قصيرة ، وكان على العملية التغييرية أن تواصل طريقها
الطويل حتى بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وكان النبي يدرك منذ فترة قبل وفاته ، أن أجله قد دنا ، وأعلن ذلك بوضوح في "
حجة الوداع " (7) ، ولم يفاجئه الموت مفاجأة .
وهذا يعني أنه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقل
الدعوة بعده ، حتى إذا للرسالة عن طريق الوحي وفي هذا الضوء يمكننا أن
الالهية المباشرة للرسالة عن طريق الوحي (8) .
وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان أمامه
ثلاثة طرق بالامكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة .
أولهما : الطريق السلبي ، وثانيهما
: الطريق الايجابي ممثلا بالشوري وثالثهما
: التعيين [ وهنا ثلاثة مباحث ] .
| |
* ( هامش ) *
( 6 ) جاء في القرآن الكريم قوله
تعالى : ( هو الذي ينزل
على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور
) الحديد / 9 .
( 7 ) جاء ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه في
خطبة حجة الوداع إذ قال :
" ألا وإني اوشك أن ادعى فاجيب . . .
وفي رواية
كاني قد دعيت فاجبت ، واني تركت فيكم الثقلين . . .
"
صحيح مسلم / ج 4 / ص 1874 ،
وعن عبد الله بن مسعود قال : " كنا مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليلة
فتنفس ، فقلت : ما شأنك يا رسول الله ؟ قال : نعيت الى نفسي . . . "
مختصر تاريخ ابن عساكر / ج 18 / ص 32 .
( 8 ) بمعنى أننا لو افترضنا أن النبي حريص
على دعوته المباركة - كما هو شأنه - وعلى أن تصل هذه الدعوة إلى مداها
المقدار لها ، وقد كان منطلقا إلى أن تصل إلى العالم أجمع ، فإن هذا بحد
ذاته يقتضيه أن يحسب حساب المستقبل . ( * )
|
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 23 : - |
المبحث الاول الموقف السلبي : إهمال
أمر الخلافة ( * ) .
وذلك بأن يقف من مستقبل الدعوة موقفا سلبياً ، ويكتفي بممارسة
دوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته ، ويترك مستقبلها للظروف والصدف .
وهذه السلبية في الموقف لا يمكن افتراضها في النبي ( صلى الله
عليه وآله ) ، لانها إنما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه :
الامر الاول : الاعتقاد بأن هذه
السلبية والاهمال لا توثر على مستقبل الدعوة ، وإن الامة التي سوف يخلف الدعوة
فيها قادرة على التصرف
| |
* ( هامش ) *
( * ) عناوين المباحث الثلاثة للفصلين الاول
والثاني مستوحاة من كلام السيد الشهيد الصدر وهي ليست في الاصل . ( * )
|
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 24 : - |
بالشكل الذي يحمي الدعوة ، ويضمن عدم الانحراف .
وهذا الاعتقاد لا مبرر له من الواقع إطلاقا ، بل إن طبيعة
الاشياء كانت تدل على خلافه ، لان الدعوة - بحكم كونها عملا تغيير انقلابيا في
بدايته ، يستهدف بناء أمة واستئصال كل جذور الجاهلية منها - تتعرض لاكبر
الاخطار إذا خلت الساحة من قائدها ، وتركها دون أي تخطيط ، فهناك :
أولا : الاخطار التي تنبع عن
طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط مسبق ، وعن الضرورة الانية لاتخاذ موقف مرتجل
في ظل الصدمة العظيمة بفقد النبي ، فإن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إذا ترك
الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة فسوف
تواجه الامة ، ولاول مرة ، مسؤولية التصرف بدون قائها تجاه
أخطر مشاكل الدعوة ، وهي لا تمتلك أي مفهوم سابق بهذا الصدد ، وسوف يتطلب منها
الموقف تصرفا سريعا انيا على رغم خطورة المشكلة ، لان الفراغ لا يمكن أن يستمر
(9) ،
وسوف يكون هذا التصرف السريع في لحظة الصدمة التي تمنى بها
الامة ، وهي تشعر بفقدها لقائدها الكبير ، هذه الصدمه التي تزعزع بطبيعتها سير
التفكير ، وتبعث على الاضطراب حتى أنها جعلت
| |
* ( هامش ) *
( 9 ) أصبح معلوما أن شغور كرسي
الرئاسة في الدولة يستتبع محاذير وأخطارا لا حصر لها ، بالاخص إذا لم تكن ثمة
ضوابط دستورية محددة واضحة لملئه بشكل عاجل .
راجع النظريات السياسية الاسلامية / الدكتور
الريس / ص 134 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 25 : - |
صحابيا معروفا يعلن - بفعل الصدمة - أن النبي لم يمت ولن يموت
(10) . نعم سوف يكون مثل هذا التصرف محفوفا
بالخطر غير محمود العواقب .
ثانيا : وهناك الاخطار التي تنجم عن عدم النضج
الرسالي بدرجة تضمن للنبي ( ص ) ، سلفا ، موضوعية التصرف الذي سوف ، يقع ،
وانسجامه مع الاطار الرسالي للدعوة ، وتغلبه على التناقضات الكامنة التي كانت
لا تزال تعيش في زوايا نفوس المسلمين على أساس الانقسام الى مهاجرين وأنصار ،
أو قريش وسائر العرب ، أو مكة والمدينة (11) .
ثالثا : هناك الاخطار التي تنشأ لوجود القطاع
المتستر بالاسلام ، والذي كان يكيد له في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله )
باستمرار ، وهو القطاع الذي كان يسميه القرآن " بالمنافقين "
(12) . وإذا أضفنا إليهم عددا
| |
* ( هامش ) *
(10) راجع
الملل والنحل / الشهرستاني / ج 1 / ص 15 فقد جاء
فيه : قال عمر بن الخطاب : " من قال إن محمدا مات قتلته
بسيفي هذا ، وإنما رفع الى السماء . . . "
وراجع تاريخ الطبري / محمد بن جرير الطبري /
ج 2 / ص 233 . . . قال :
" إن محمدا لم يمت وانه خارج الى من أرجف بموته
وقاطع أيديهم وضارب أعناقهم . . . " .
(11) هناك أكثر من شاهد على هذه الحالة ، فقد
روى الشيخان والترمذي في كتاب التفسير عن جابر بن عبد الله قال : " كنا في
غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الانصار ، فقال الانصاري : يا للانصار
، وقال المهاجرين ، فسمع ذلك رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) فقال : ما يدل دعوى الجاهلية . . . وسمع ابن سلول فقال : فعلوها ،
والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منا الاذل "
التاج الجامع للاصول / الشيخ ناصف / ج 4 / ص
263 .
(12) حاول قطاع المنافقين في حياة النبي محمد
( صلى الله عليه وآله ) أن يقوم بأدوار خطيرة جدا في الكيد للاسلام وللرسول
وللمسلمين . لا حظ مثلا ما نقلناه في الهامش السابق من = ( * )
|
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 26 : - |
كبيرا ممن أسلم بعد الفتح ، استسلاما للامر الواقع و لا
انفتاحا على الحقيقة ، نستطيع حينئذ أن نقدر الخطر الذي يمكن لهذه العناصر أن
تولده وهي تجد فجاة فرصة لنشاط واسع في فراغ كبير ، مع خلو الساحة من رعاية
القائد (13) .
فلم تكن إذن خطورة الموقف بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه
وآله ) شيئا يمكن أن يخفى على أي قائد مارس العمل العقائدي فضلا عن خاتم
الانبياء (14) .
وإذا كان أبو بكر لم يشأ أن يترك الساحة دون أن يتدخل تدخلا
ايجابيا في ضمان مستقبل الحكم بحجة الاحتياط
| |
* ( هامش ) *
= قول ابن سلول - رأس المنافقين - ولا حظ ما أثاروه وروجوه مثلا في حادثة
الافك ، وفي إشاعة الا راجيف كما حصل في معركة احد ، وفي معركة الاحزاب . وقد
انزل الله تعالى في القرآن سورة المنافقين سلط
فيها الاضواء على هذا القطاع الخبيث ، وعرف الرسول بنواياهم وما يخبئون .
راجع مثلا تفسير الفخر الرازي / ج 8 / ص 157
ط 1 / الخيرية 1308 ه مصر ، وراجع الكشاف /
الزمخشري / 4 : ص 811 .
(13) لا حظ توقع حدوث ظاهرد خروج أعداد كبيرة
من الدين بالنسبة لمن أسلم بعد الفتح ، حديث جابر بن عبد الله الانصاري قال
: " سمعت رسول الله يقول :
دخل الناس افواجا وسيخرجون أفواجا . . . "
ولا حظ أيضا حركة الارتدا التي حصلت بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله )
مع تحذيراته الكثيرة من تلك الحالة .
الكشاف / ج 4 / ص 811 ، وراجع
تاريخ الطبري / ج 2 ص 245 .
وراجع حديث الحوض المشهور في قوله ( صلى الله عليه وآله ) :
" أنا فرطكم على الحوض فيوتي برجال أعرفهم فيمنعون
مني فأقول أصحابي فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول سحقا لمن بدل بعدي
" راجع صحيح البخاري / ج 8 / ص 86 كتاب
الفتن .
(14) المصدر السابق . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 27 : - |
للامر (15) .
وإذا كان الناس قد هرعوا الى عمر حين ضرب قاتلين : " يا أمير المؤمنين لو عهدت
عهدا " (16) ، وكل ذلك كان خوفا من الفراغ الذي
سوف يخلفه الخليفة ، بالرغم من التركز السياسي والاجتماعي الذي كانت الدعوة قد
بلغته بعد عقد من وفاة
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإذا كان عمر قد أوصى الى
سته (17) تجاوبا مع شعور الاخرين بالخطر ، وإذا
كان عمر يدرك بعمق خطورة الموقف في يوم السقيفة ، وما كان بالامكان أن تؤدي
إليه خلافة أبي بكر بشكلها المرتجل من
مضاعفات ، إذ يقول : " إن بيعد أبي بكر
بشكلها المرتجل من شرها . . . " (18) ،
وإذا كان أبو بكر نفسه يعتذر عن تسرعه إلى قبول الحكم ، وتحمل المسؤوليات
الكبيرة ، بأنه شعر بخطورة الموقف ، وضرورة الاقدام السريع على حل ما ،
إذ يقول - وقد عوتب على قبول السلطة - :
" إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قبض ، والناس
حديثو عهده بالجاهلية ، فخشيت أن يفتتنوا ، وأن أصحابي حملونيها "
(19) إذا
| |
* ( هامش ) *
(15) راجع قصة استخلاف أبي بكر لعمر بن
الخطاب ، وقوله : " إنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر
الا تختلفوا بعدي . . . " مختصر تاريخ ابن عساكر
/ ج 18 / ص 308 / 309 ، وراجع
تاريخ الطبري / ج 2 / ص 245 ، ص 280 .
(16) راجع تاريخ
الطبري / ج 2 / ص 580 ( الشهيد ) ، مختصر تاريخ
ابن عساكر / لابن منظور ج 18 / ص 312 .
(17) تاريخ الطبري
/ ج 2 / ص 581 ( الشهيد ) .
(18) تاريخ الطبري
/ ج 2 / ص 205 تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ، السابق ج 2 / ص 581 .
(19) شرح نهج البلاغه
/ ابن أبي الحديد / تحقيق أبو الفضل إبراهيم / ج 2 ص 42 ( الشهيد ) ،
وراجع
تاريخ الطبري / ج 2 ص 353 . قال أبو بكر :
" وودت لو لم أقبلها . . . " . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 28 : - |
كان كل ذلك صحيحا (20) ، فمن
البد يهي إذن أن يكون رائد الدعوة ونبيها اكثر شعورا بخطر السلبية
(21) ، وأكبر ادراكا ، وأعمق فهما لطبيعة الموقف
ومتطلبات العمل التغييري الذي يمارسه في امة حديثة عهد بالجاهلية على حد تعبير
أبي بكر .
| |
* ( هامش ) *
(20) راجع :
الفاروق عمر للدكتور محمد حسين هكيل / ج 2 /
ص 313 / 314 : " كان عمر يود لو يتم التشاور ، ويختاروا خليفة ، قبل أن يقبض
ليموت مطمئنا الى مصير الاسلام من بعده . . . " .
(21) إن حرص النبي محمد ( صلى الله عليه وآله
) على دعوته المباركة وعلى وحدة الامة ومصير الاسلام ، لابد أن يكون بالضرورة
أكثر من حرص أصحابه وأشد ، قال تعالى : ( .
. . عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين
رؤوف رحيم ) التوبة / 128 .
والاهم فإن توعيته للامة وتربيته لاصحابه في ضرورة تجنب الاختلاف ،
وممارساته العملية بهذا الشأن لا تحتاج الى دليل ، فضلا عن كون القرآن قد طفح
بعشرات الآيات التي تدعو الى نبذ الخلاف ، والتنفير من أسبابه ودواعيه ، فكيف
يمكن تصور أن يترك النبي الرحيم
أهم سبب يدعو الى التنازع وهو الرئاسة دون أن يضع ما من شأنه أن يعطله
ويغلق الباب دون تفاعلاته ، مع أن هذا الادراك كما يقولون دفع الخليفتين الاول
والثاني الى الاستخلاف كما صرحوا به هم انفسهم / تاريخ
الطبري / ج 2 / ص 580 . |
|