التمهيد جرى بعض الباحثين على دراسة التشيع بوصفه ظاهرة طارثة
في المجتمع الاسلامي ، والنظر إلى القطاع الشيعي من
جسم الامة الاسلامية بصفته قطاعا تكون على مر الزمن ، نتيجة لاحداث وتطورات
اجتماعية معينة ، أدت إلى تكوين فكري
ومذهبي خاص لجزء من ذلك الجسم الكبير ، ثم اتسع ذلك الجزء
بالتدريج ( 1 ) . إن هؤلاء الباحثين ، بعد أن
يفترضوا ذلك ، يختلفون في تلك الاحداث والتطورات التي أدت إلى نشوء تلك الظاهرة
وولادة ذلك
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع :
الصلة بين التصوف والتشيع / الدكتور كامل مصطفى الشيبي / ج / ص 11 -
14 ، فقد عرض آراء كثير من الباحثين قدماء ومعاصرين حول نشأة التشيع ، وتطوره ،
وذكر أيضا أن بعضهم يفرقون بين التشيع السياسي والتشيع الروحي ( المذهبي ) .
وراجع أيضا : إسلام بلا مذاهب / الدكتور
مصطفى الشكعة / ص 153 .
وأيضا : النظريات السياسية الاسلامية /
الدكتور ضياء الدين الريس / ص 69 . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 14 : - |
الجزء .
فمنهم من يفترض أن عبد الله بن سبأ ( 1 )
ونشاطه السياسي المزعوم كان هو الاساس لقيام ذلك التكتل الشيعي .
ومنهم من يرد ظاهرة التشيع إلى
عهد خلافة الامام علي ( عليه السلام ) ، وما هيأه ذلك العهد من مقام سياسي
واجتماعي على مسرح الاحداث .
ومنهم من يزعم أن ظهور الشيعة يكمن في أحداث
متأخرة عن ذلك في التسلسل التاريخي للمجتمع الاسلامي ( 2
) . والذي دعا - فيما أظن - كثيرا من هؤلاء الباحثين إلى هذا
| |
* ( هامش ) *
( 1 ) راجع :
حركات الشيعة المتطرفين وأثرهم في الحياة الاجتماعية للدكتور محمد
جابر عبد العال : ص 19 ، فقد نسب هذا القول إلى بعض المؤرخين المسلمين .
ولكنه أورد أن برناردلويس وهو مستشرق معروف قد رفض ذلك . ونقل عن فلهاوزن
وفريد لندر وهما من كبار الباحثين قولهما : " إن ابن سبأ هذا هو من اختلاف
المتأخرين . . . " .
وقد ذكر الدكتور طه حسين في الفتند الكبرى "
2 / 327 : " إن ابن سبأ هذا هو من اختلاف المتأخرين . . . " . وقد ذكر الدكتور
طه حسين في الفتنة الكبرى : 2 / 327
: " أن خصوم الشيعة بالغوا في أمر ابن سبأ هذا
ليشغوا على علي وشيعته . . . "
وقال : " نحن لانجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة
. . . فلم يذكر في أنساب الاشراف للبلاذري ،
وقد ذكره الطبري في تأريخه عن سيف بن عمر
التميمي . . . " . ( وسيف هذا قال عنه ابن حباس : يروي الموضوعات ، وقالوا انه
يضع الحديث ،
وقال الحاكم عنه انه اتهم بالزندقة وهو في الروايد ساقط ) .
راجع تهذيب التهذيب لابن حجر : 4 / 260 ،
وراجع حول اسطورة ابن سبأ للعلامة مرتضى العسكري في كتابه :
عبد الله بن سبأ .
( 2 ) راجع الصلة بين
التصوف والتشيع / السابق .
راجع أيضا تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة للدكتور عبد الله فياض .
وكذلك إسلام بلا مذاهب للدكتور مصطفى الشكعة : ص
152 ، وما بعدها .
وراجع : النظريات السياسية الاسلامية للدكتور
ضياء الدين الريس : ص 72 وما بعدها . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 15 : - |
الافتراض والاعتقاد ، بأن " التشيع "
ظاهرة طارثة في المجتمع الاسلامي ، هو أن الشيعة لم يكونوا يمثلون في صدر
الاسلام إلا جزءا ضيئيلا من مجموع الامة الاسلامية .
فقد أوحت هذه الحقيقة شعورا بأن اللاتشيع كان هو القاعدة في
المجمتع الاسلامي ، وأن التشيع هو الاستثناء والظاهرة الطارثة التي يجب اكتشاف
أسبابها من خلال تطورات المعارضة للوضع السائد .
ولكن اتخاذ الكثرة العددية والضالة النسبية أساسا لتمييز
القاعدة والاستثناء أو الاصل والانشقاق ، ليس شيئا منطقيا ، فمن الخطأ إعطاء
الاسلام اللاشيعي صفة الاصالة على أساس الكثرة العددية ، وأعطاء الاسلام الشيعي
صفة الظاهرة الطارئة
ومفهوم الانشقاق ، على أساس القلة العددية ، فإن هذا لا يتفق
مع طبيعة الانقسامات العقائدية ، إذ كثيرا ما نلاحظ انقساما عقائديا في إطار
رسالة واحدة ، يقوم على أساس الاختلاف في تجديد بعض معالم تلك الرسالة ، وقد لا
يكون القسمان
العقائديان متكافئين من الناحية العددية ولكنهما في أصلهما
معبران بدرجة واحدة عن الرسالة المختلف بشأنها ، ولا يجوز
بحال من الاحوال أن نبني تصوراتنا عن الانقسام العقائدي داخل إطار الرسالة
الاسلامية إلى شيعة وغيرهم ، على الناحية العددية ( 1 )
، كما لا يجوز أيضا أن نقرن ولادة الاطروحة
| |
* ( هامش ) *
( 1 )
نعم ليس متسقا مع المنطق ، وليس متسقا مع منطق القرآن الكريم أيضا ،
فالقرآن نجده = ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 16 : - |
الشيعة ، في إطار الرسالة الاسلامية ، بولادة كلمة
" الشيعة " أو " التشيع "
كمصطلح واسم خاص لفرقة محددة من المسلمين ، لان ولادة الاسماء والمصطلحات شئ
ونشوء المحتوى وواقع الاتجاء والاطروحة شئ آخر ، فإذا كنا لا نجد
كلمة " الشيعة "
( 5 ) في اللغة السائدة في حياة الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم ، أو بعد وفاته ، فلا يعني هذا أن الاطروحة والاتجاء الشيعي لم
يكن موجودا .
| |
* ( هامش ) *
= ( 1 ) غالبا - إن لم يكن دائما - يذم
الكثرة في موارد كثيرة جدا ، كما نجده يمدح القلة في موارد مثلها ،
فقد جاء مثلا قوله تعالى : ( . . .
ولكن أكثرهم لا يشكرون
) النمل / 73 ،
وجاء قوله تعالى : (
وقليل من عبادي الشكور ) سبأ / 13 ،
وجاء قوله تعالى : ( . . .
وإن كثيرا من الناس لفاسقون
) المائدة / 49 ،
وجاء قوله تعالى : (
اولئك المقربون *
في جنات النعيم *
ثلة من الاولين
* وقليل من الاخرين
) الواقعة / 11 - 14 .
هذا من وجه ، ومن وجه آخر نجد القرآن الكريم ينبه في موارد كثيرة إلى إن
الذين يتبعون الحق ويتبعون الرسل ، وينقادون للتعاليم الالهية قليلون دائما
بالقياس إلى الكثرة من المعاندين للحق ، قال تعالى :
( . . . وأكثرهم للحق كارهون
) المؤمنون / 70 ،
وقال تعالى : ( وما
أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) يوسف / 103
، وفي كل ذلك إشارة إلى بطلان اعتماد معيار الكثرة لتقييم صحة الاتجاه وصحة
الرأي في مثل هذه الامور . وراجع : المعجم لمفهرس الالفاظ القرآن / محمد فؤاد
عبد الباقي / ص 597 وما بعدها .
( 5 ) الظاهر أن الشهيد الصدر ( رضوان الله
عليه ) يذكر هذا من باب التنزل والتسامح ، وإلا فإن
هناك نصوصا نبوية تصرح بلفظ الشيعة مقرونة بعلي ، جاء في
مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور / ج 17 / ص
384 : عن علي ( عليه السلام ) قال : " قال لي رسول الله ( صلى الله عليه
وآله ) : " أنت وشيعتك في الجنة " . وفي ج 18
/ ص 14 منه رواية اخرى عن جابر .
وراجع : النهاية / لابن الاثير / مادة قمح :
ج 4 / ص 106 ، " ستقدم أنت وشيعتك راضين مرضين . . . "
الخطاب لعلي ( عليه السلام ) . ( * ) |
|
|
- نشأة التشيع والشيعة - السيد محمد باقر الصدر ص 17 : - |
فبهذه الروح يجب أن نعالج قضية "
التشيع " و " الشيعة " ، ونجيب عن
السؤالين الا تبين :
كيف ولد التشيع ؟
وكيف وجدت الشيعة ؟