|
|
|
|
المبحث الثالث : التشيع الروحي والتشيع السياسي أود أن أشير هنا الى نقطة أعتبر توضيحها على درجة كبيرة من الاهمية ، وهي أن بعض الباحثين يحاول التمييز بين نحوين من التشيع ، أحدهما ( التشيع الروحي ) ، والاخر ( التشيع السياسي ) ويعتقد أن التشيع الروحي أقدم عهدا من التشيع السياسي ( 146 ) ، وأن أئمة الشيعة الامامية - من أبناء الحسين ( عليه السلام ) قد اعتزلوا بعد مذبحة كربلاء السياسة ، وانصرفوا الى الارشاد والعبادة ، والانقطاع عن الدنيا .
بوصفه إطروحة مواصلة الامام علي ( عليه السلام ) للقيادة بعد النبي فكريا واجتماعيا وسياسيا على السواء كما اوضحنا سابقا عند استعراض الظروف التي ادت الى ولادة التشيع ولم يكن بالامكان بحكم هذه الظروف التي استعرضناها - أن يفصل الجانب الروحي عن الجانب السياسي في اطروحة التشيع تبعا لعدم انفصال احدهما عن الاخر في الاسلام نفسه .
تشيعا روحيا ولا سياسيا ، لان التشيع
يؤمن بعلي كبديل عن الخلفاء الثلاثة وخليفة مباشر للرسول ( صلى الله عليه وآله
) فالولاء الواسع للامام في صفوف المسلمين اوسع نطاقا من التشيع الحقيقي
الكامل ، وإن نما التشيع الروحي والسياسي داخل إطار هذا الولاء فلا يمكن أن
نعتبره مثالا على التشيع المجزأ . كما أن الامام علي ( عليه السلام ) يتمتع
بولاء
روحي وفكري من عدد من كبار الصحابة في عهد أبي بكر وعمر من قبيل سلمان وأبي ذر وعمار وغيرهم ، ولكن هذا لا يعني أيضا تشيعا روحيا منفصلا عن الجانب السياسي بل إنه تعبير عن إيمان اولئك الصحابة بقيادة الامام علي للدعوة بعد وفاة النبي فكريا وسياسيا وقد انعكس إيمانهم بالجانب الفكري من هذه القيادة بالولاء الروحي المتقدم وانعكس إيمانهم بالجانب السياسي منها بمعارضتهم لخلافة أبي بكر ( 148 ) وللاتجاه الذي ادى الى صرف السلطة عن الامام الى غيره .
الامة ، وإنجاز عملية التغيير الكبيرة التي بداها الرسول الكبير ، وتحولت الى مجرد عقيدة يطوي الانسان عليها قلبه ، ويستمد منها سلوته وأمله .
التغيير التي بدأها الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله )
بناء الامة على أساس الاسلام ، فليس من الممكن أن نتصور تنازل الائمة عن الجانب
السياسي إلا إذا تنازلوا عن التشيع . غير أن الذي ساعد على تصور اعتزال الائمة وتخليهم من الجانب
السياسي من قيادتهم ، ما بدا من عدم إقدامهم على عمل مسلح ضد الوضع الحاكم مع
إعطاء الجانب السياسي من القيادة معن ضيقا لا ينطبق إلا على عمل مسلح من هذا
القبيل . ولدينا نصوص عديدة عن الائمة ( عليهم السلام ) توضح أن إمام الوقت دائما كان مستعدا لخوض عمل مسلح إذا وجدت لديه القناعة بوجود الانصار والقدرة على تحقيق الاهداف الاسلامية من وراء ذلك العلم المسلح ( 149 ) .
تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم ، وتعمل في سبيل حمايتها
، وتفسير مواقفها للجماهير ، وتصمد في وجه الاعاصير : وفي نصف القرن الاولى بعد
وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) كانت القيادة الشيعية بعد إقصائها عن الحكم
، تحاول باستمرار استعادة الحكم بالطرق التي تؤمن بها ، لانها كانت تؤمن بوجود
قواعد
شعبيه واعية ، أو في طريق التوعية من المهاجرين والانصار والتابعين باحسان ولكن بعد نصف قرن وبعد أن لم يبق من هذه القواعد الشعبية شيء مذكور ونشأت أجبال مائعة ( 150 ) في ظل الانحراف ، لم يعد تسلم الحركة الشيعية للسلطة محققا للهدف الكبير لعدم وجود القواعد الشعبية المساندة بوعي وتضحية وأمام هذا الواقع كان لابد من عملين : أحدهما : العمل من أجل بناء هذه القواعد الشعبية الواعية التي تهئ ارضية صالحة لتسلم السلطة . وثانيهما : تحريك ضمير الامة الاسلامية وإرادتها والاحتفاظ للضمير الاسلامي والارادة الاسلامية بدرجة من الحياة والصلابة تحصن الامة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين .
بتضحياتهم الباسلة أن يحافظوا على الضمير الاسلامي والارادة الاسلامية وكان الائمة ( عليهم السلام ) يسندون المخلصين منهم . قال الامام علي بن موسى الرضا للمأمون وهو يحدثه عن زيد ابن علي الشهيد : ( أنه كان من علماء آل محمد ، غضب لله تعالى فجاهد أعداءه ، حتى قتل في سبيله ، ولقد حدثني ابي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول : رحم الله عمي زيدا ، إنه دعا الى الرضا من آل محمد ، ولو ظفر لو في بما دعا إليه . . . إن زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق ، وإنه كان أتقى لله من ذلك ، انه قال : ادعوكم الى الرضا من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ( 151 ) .
وانصرفهم الى العبادة ، وإنما يعبر عن اختلاف صيغة العمل الاجتماعي التي تحددها الظروف الموضوعية ، وعن إدراك معمق لطبيعة العمل التغييري وأسلوب تحقيقه . تم بحمد الله تعالى وعونه وتوفيقه تحقيق الكتاب والتعليق
عليه
|
|