- الشيعة في مصر - صالح الورداني  ص 96 :

الأفضل بن بدر الجمالي :

لما أقعد المرض الوزير بدر الجمالي عمل على تسليم الوزارة لولده الأفضل وذلك في عهد المستنصر . فكان جديرا بها وأهلا لها . . وكان الأفضل كوالده على مذهب الشيعة الإمامية

وليس على مذهب الشيعة الإسماعيليين مذهب الدولة ورجال الحكم آنذاك . . وبعد وفاة المستنصر الأفضل بتولية المستعلى مكانه وكان صغيرا . مما أغضب نزار أكبر أولاد المستنصر الذي اعتبر نفسه أحق بالخلافة من أخيه الأصغر .


ونشبت حروب بين الأفضل ونزار انتهت بهزيمة نزار والقبض عليه وحبسه حتى الموت عام 488 ه‍ .

وللأفضل مواقف جهادية ضد الصليبيين وقد تمكن من انتزع عدة مدن شامية من أيديهم . وكان يدعم بصورة مستمرة مدن الشام المهددة من الصليبيين بالمؤن والذخائر وتسيير الأسطول المصري إليها كما اقتضت الحاجة . . ( 28 )


والأفضل هذا هو الذي قام بإعمار مشهد رأس الحسين في عسقلان بالشام قبل أن يتم إحضاره إلى مصر عام 548 ه‍ . .
 

- ص 97 -

يقول ابن خلكان : وكان الأفضل حسن التدبير فحل الرأي . وهو الذي أقام الآمر بأحكام الله مكان المستعلى بعد وفاته ودبر دولته وحجر عليه ومنعه من ارتكاب الشهوات . فإنه كان كثير

اللعب . فحمله هذا - أي الآمر - على أن يعمل على قتله . فأوثب عليه جماعة . وكان يسكن بمصر في داره المذكور وتقدم إلى ساحل البحر الليل وهي اليوم دار الوكالة . فلما ركب من

داره المذكور وتقدم إلى ساحل البحر وثبوا عليه فقتلوه وذلك في سلخ رمضان سنة خمس عشرة وخمسمائة . رحمة الله تعالى . . ( 29 )


ويقول ابن الأثير . وكان الأفضل حسن السيرة عادلا . وكان الإسماعيلية يكرهونه لا سباب منها تضييقه على إمامهم . وتركه ما يجب عندهم سلوكه معهم . ومنها ترك معارضة أهل

ألسنة واعتقادهم والنهي عن معارضتهم وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم والمناظرة عليها فكثر الغرباء ببلاد مصر . . ( 30 )


طلائع بن زريك :

قدم طلائع في أول أمر مع جماعة من الفقراء لزيارة مشهد علي بن في النجف وكان على مذهب الشيعة الإمامة . . وقد التقى في رحلة هذه بأحد وجهاء العراق وهو السيد ابن معصوم إمام مشهد علي بن آنذاك . .


وروى أن ابن معصوم رأى في منامه علي بن يقول له ورد عليك أربعين فقيرا من جملتهم رجل يقال له طلائع بن زريك من أكبر محبينا . قل له اذهب فقد وليناك مصر . فلما أصبح

أمر أن ينادي من فيكم طلائع بن زريك . فجاء طلائع وسلم . فقص عليه ما رأى . فسار حينئذ إلى مصر وترقى في الخدم حتى وصل إلى ولاية قوص بصعيد مصر في زمن خلافة

الظافر الفاطمي . . ( 31 ) ولما قتل الظافر وكثرت الفتن وتهدد القصر الفاطمي بعثن له نسوة القصر يستغثن به في الأخذ بثأر الظافر وجعلن في طي الكتب شعور النساء . . فجمع طلائع

الناس وسار يريد القاهرة لمحاربة الوزير نصر بن عباس قاتل

- ص 98 -

الظافر والذي فر من إمامه ليدخل طلائع القاهرة ويتسلم الوزارة ونعت منذ ذلك الحين بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين . واستبد بالأمر لصغر سن الخليفة الفائز بنصر الله إلى

أن مات الفائز فأقام مكانه العاضد لدين الله وكان صغيرا أيضا مما زاد من تمكن طلائع وتقوية شوكته . . ( 32 ) وقد أثقل طلائع على رجال القصر وضيق عليهم مما أدى في النهاية إلى تدبير مؤامرة لقتله فمات سنة 556 ه‍ . . ( 33 )


وكان طلائع كريما شجاعا جوادا فاضلا محبا لأهل الأدب جيد الشعر . . رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا . وكان مهابا في شكله عظيما في سطوته محافظة على الصلوات فرائضها ونوافلها شديد المغالاة في التشيع . . ( 34 )


وقد بنى طلائع الجامع الذي خارج باب زويلة وهو يحمل اسمه حتى اليوم وكان يريد أن يدفن فيه رأس الحسين لولا استنثار القصر به . . ( 35 )


ومن تصانيفه كتابا سماه " الاعتماد في الرد على أهل العناد " جمع له الفقهاء وناظر هم عليه وهو يتضمن إمامة علي والكلام على الأحاديث الواردة في ذلك وله شعر كثير يشتمل على مجلدين في كل فن . .


ومن شعره :

يا أمة سلكت ضلالا بينا * حتى استوى إقرارها وجحودها
ملتم إلى أن المعاصي لم يكن * إلا بتقدير الإله وجودها

لو صح ذا كان الإله بزعمكم * منع الشريعة أن تقام حدودها
حاشا وكلا أن يكون إلهنا * ينهي عن الفحشاء ثم يريدها
 

- ص 99 -

وله قصيدة سماها ، الجوهرية في الرد على القدرية . . ولم يترك في مدة حكمه جهاد الصليبيين وتسيير الجيوش لقتالهم في البر والبحر وكان يخرج البعوث في كل سنة مرارا . . ( 36 )
 

وأصبح أهل العالم يفدون إليه من سائر البلاد فلا يخيب أمل قاصد منهم . كما كان يحمل في كل عام إلى أهل الحرمين من الأشراف سائر ما يحتاجون إليه من الكسرة وغيرها . . ويعود

الفضل في نشر مذهب الشيعة الإمامية بصعيد مصر وفي بقاع أخرى من أنحاء البلاد إلى طلائع بن زريك . وقد أظهر المذهب الإمامي حين وصل إلى الحكم مخالفا بذلك مذهب الدولة الإسماعيلي . . ( 37 )


يقول صاحب النجوم الزاهرة : وساس - طلائع - الأمور ولقب بالملك الصالح وسار في الناس أحسن سيرة . وكان أديبا كاتبا مائلا لمذهب الإمامية وقد تسلم الأمر من بعده ولده فسار على سيرته . . ( 38 )


وكانت هناك حارة تسمى حارة الصالحيين منسوبة إلى الصالح طلائع لأن غلمانه كانوا يسكنونها والمكان المعروف بخوخة صالح ينسب إليه . وموضع هذه الحارة كان بين المشهد

الحسيني ورحبة الايدمري وبين البرقية وكانت من الحارات العظمية في مصر وقد خربت فيما بعد على أيدي الأيوبيين الذين سعوا إلى محو كل آثار الشيعة في مصر . . ( 39 )


ويقع قبر الصالح طلائع إلى الجهة الغربية من جامع الأولياء في القرافة الكبرى وهو ملاصق للجامع من الجهة المذكورة . وقد حل محل مسجد الأولياء فيما بعد حوش أبي يعلي . . وقد

حزن الناس لوفاته حزنا عظيما لحسن سيرته فقد كان جوادا فاضلا شاكر كثير الصدقات حسن الآثار . . ( 40 )

 

 

من هم الشيعة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب