فالإسبال عندنا في الصلاة واجبٌ لورود مجموعة من الروايات عن
أهل البيت «عليهم السلام» وأمّا بالنسبة إلى التكتّف في الصلاة ـ أو ما
يسمّى التكفير ـ فالظاهر إن عمر بن خطّاب هو الذي أحدثه كما جاء في جواهر
الكلام : «حكي عن عمر لمّا جيء بأُسارى العجم كفّروا أمامه فسأل عن ذلك
فأجابوه بأنا نستعمله خضوعاً وتواضعاً لملوكنا ، فاستحسن هو فعله مع الله تعالى
في الصلاة وغفل عن قبح التشبيه بالمجوس في الشرع» ( الجواهر الكلام 11/19 ) .
ولابد لهذه الحكاية المنقولة مع النظر إلى إنكار المالكيّة وجوبه بل
وترى كراهيّته في الفرائض ( المدونة الكبرى 1/76 ـ بداية المجتهد لابن رشد
1/136 ـ البيان والتحصيل 1/394 ـ مرقاة المفاتيح للقاري 3/508 ـ المجموع
شرح المهذب للنووي 3/313 ـ نيل الاوطار 2/186 ـ المغني 1/549 ـ المبسوط
للسرخسي 1/23 ـ الفقه على المذاهب الأربعة 1/251 ) .
خصوصاً إنّ الشافعي وأبا
حنيفة وسفيان وأحمد بن حنبل و أبا ثور وداود يذهبون إلى استحبابه لا وجوبه
، وحتّى أنّ الليث بن سعد كان يرى استحباب الإسبال ( فتح الباري شرح صحيح
البخاري1/266 ) .
وعلى الأخص ذكر ابن أبي شيبة إنّ الحسن و المغيرة وابن الزبير وابن سيرين وابن المسيّب وسعيد بن جبير والنخعي كانوا
يرسلون أيديهم في الصلاة ولايضعون إحداهما على الأخرى بل كان بعضهم يمنع وينكر
على فاعله ( المصنّف 1/343 ـ المجموع 3/311 ـ المغني 1/549 ـ الشرح الكبير 1/549 ـ عمدة القارئ 5/279 )
.
ومع هذا الاختلاف الواسع ، هل يعقل أن يكون
من السنّة ؟!!! ؛ فالإنصاف أن نحكم بأنّه بدعة ابتدع في زمن ما خصوصاً بالنظر إلى الروايات المذكورة في كتب الشيعة بانّ هذا كان من فعل المجوس وأهل
الكتاب ( الكافي 3/299 ـ الوسائل 7/266 ـ دعائم الإسلام 1/159 ـ المستدرك
5/421)
ولا يخفى على المتّتبع أنّ دخول الفرس المجوس كاُسارى إلى المدينة
واختلاطهم بالمسلمين كان على عهد عمر ، فلا يبعد أن تكون هذه البدعة قد
حدثت في خلافته ولم يردعهم هو عن ذلك بل وعمل بها فأصبحت سنّة متخذّة عندهم :
الأولى: الذبح للقبور، وهذا لا يجوز ولم يجوزه أحد.
الثانية: الذبح لله تعالى عند القبور لوفاء نذر و شبهه، وهذا ليس فيه
محذور، لأن الذبح حصل لله تعالى. فلا يحصل الخلط بين المسألتين.
وكذلك يأتي الفرق بين من تقرب للقبر ونحوه، وبين من تقرب لله عز وجل في
مسجد أو عند قبر نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء، فهو تقرب لله عز وجل
في أماكن يحب الله أن يتقرب له فيها.
وأما البناء على قبور الأنبياء والأولياء، فليس فيه محذور أو نهي صحيح
يمنع منه، وقد حكم أئمة المسلمين من كل المذاهب بجواز البناء على القبور، إلا
الشاذ النادر لرأي ارتآه.
فهذه سيرة السلف خير شاهد على ذلك، وهذه قبور الأنبياء والأولياء وأعلام
أئمة المسلمين من كل المذاهب تنطق بالشهادة عليه في الحجاز والعراق وإيران
والشام والمغرب ومصر و...
وهذا قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بني عليه منذ مئات السنين ،
وكان يجدد البناء عليه بين الحين والآخر حتى وصل إلى ما وصل به الآن.
وأما ما استدل على المنع من البناء على القبور، فهي استدلالات ضعيفة ردها
علماء المسلمين، والروايات التي استدل بها المانع إما ضعيفة سندا أو لا
تنهض من حيث الدلالة على المطلوب.
وأما ما ذكرت من أن الشرك كانت بدايته من تعظيم القبور على عهد نوح، فهذا
أول الكلام ويحتاج في إثباته إلى دليل، وعلى كل حال، إذا تجاوزت زيارة
القبور عن حدها الشرعي وأصبح يغالى فيها ويكون التقرب للقبر لا لله سبحانه
وتعالى عند القبر... فهذا غير صحيح ولا يرتضيه أحد.