جواز التبرك بقبور
الأولياء الصالحين
وبعد ؛ فنسأل الله سبحانه وتعالى لكم الموفقية في التعرّف على مذهب أهل
البيت (ع) أكثر فأكثر والتعمق فيه ومعرفة مبانيه وأدلته ، ليكون اختياركم
لمذهب أهل البيت (ع) عن دليل وقناعة كافية .
وأما بالنسبة إلى ما ذكرت ، فانه لا يوجد ولا شيعي واحد يعبد القبور ،
وانما هو زيارة وتبرّك وعبادة لله سبحانه وتعالى في أماكن يستجاب فيها
الدعاء ، لأنها أماكن تضم قبور الأنبياء والأئمة والصالحين ، وان كان مرادك ان مطلق التبرك هو عبادة للقبر فنجيبك بما يلي :
أنّه لم نجد قولاً بالحرمة لأحد من أعلام المذاهب الأربعة ممّن لهم
ولآرائهم قيمة في المجتمع ، وإنما القائل بالنهي عنه من أولئك يراه تنزيها
لا تحريما ، ويقول بالكراهة مستنداً إلى زعم أنّ الدنوّ من القبر الشريف
يخالف حسن الأدب ، ويحسب أنّ البعد منه أليق به ، وليس من شأن الفقيه ان
يفتي في دين الله بمثل هذه الاعتبارات التي لا تبنى على أساس ، وتختلف
باختلاف الأنظار والآراء .
نعم ، هناك أناس شذّت عن شرعة الحق وحكموا بالحرمة ، قولاً بلا دليل ،
وتحكّما بلا برهان ، ورأياً بلا بيّنة ، وهم معروفون في الملأ بالشذوذ ،
لا يعبأ بهم وبآرائهم .
ونحن نذكر لكم بعض الصحابة الذين تبرّكوا بقبر رسول الله (ص) لتقفوا
على الحقيقة .
1 ـ عن علي (ع) قال : لما رمس رسول الله (ص) جاءت فاطمة ـ رضي الله
تعالى عنها ـ فوقفت على قبره (ص) وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعت على عينها
، وبكت وأنشات تقول :
ماذا على من شمّ تربة أحمد ان لا يشمّ مدى الزمان غوالياصبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الايام عدن لياليـا
اخرجه : ابن الجوزي في الوفا في فضائل المصطفى : ص819 ح1538 .
العسقلاني في المواهب اللدنيّة : 4 / 563 .
القاري في شرح الشمائل : 2 / 210 ، وغيرهم .
2 ـ عن أبي الدرداء قال : إنّ بلالاً ـ مؤذّن النبي (ص) ـ رأى في
منامه رسول الله (ص) وهو يقول : ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما آن لك أن تزورني
يا بلال ؟ فانتبه حزينا وجلاً خائفاً ، فركب راحلته وقصد المدينة ، فأتى
قبر النبي (ص) فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين (رضي
الله عنهما) فجعل يضمّهما ويقبّلهما .
أخرجه : ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : 7 / 137 رقم 493 .
ابن الأثير في أسد الغابة : 1 / 244 رقم 493 .
المقدسي في تهذيب الكمال : 4 / 289 رقم 782 ، وغيرهم .
3 ـ عن علي (ع) قال : قدم علينا اعرابي بعدما دفنّا رسول الله (ص)
بثلاثة أيّام ، فرمى بنفسه على قبر النبي (ص) وحثا من ترابه على رأسه وقال :
يا رسول الله قلتَ فسمعنا قولك ، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك ، وكان
فيما أنزل عليك : ( ولو أنّهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤوك )
الآية . وقد ظلمت
نفسي وجئتك تستغفر لي . فنودي من القبر : قد غفر لك .
اخرجه : العسقلاني في المواهب اللدنيّة : 4 / 583 .
الحمزاوي المالكي في مشارق الأنوار : 1 / 121 .
السمهودي في وفاء الوفا : 4 / 1399 ، وغيرهم .
واما بالنسبة إلى طلب الحوائج منهم (عليهم السلام)
فإنما هي في
الحقيقة أن الشيعة تطلب الحوائج من الله سبحانه وتعالى ليقضيها لهم بحق صاحب
القبر ومنزلته من الله ، أو طلب الحاجة من صاحب القبر ليطلبها هو من الله
سبحانه وتعالى ، فان عقيدتنا ان النبي والأئمة كما كانوا يدعون لشيعتهم في
حياتهم ويحيطون بهم علماً ، فكذلك بعد وفاتهم .