وهذه هي عظمة تعاليم الإسلام ، وهذا هو رمز الخلود له ... وفّقنا
الله للسير على هدى هذا الدين ، والالتزام بشريعة ربّ العالمين ، إنّه خير
مأمول ، وأكرم مسؤول . وبعد، أن القول بالشفاعة لم يختص بالشيعة وحدهم بل
اشترك في ذلك جميع المسلمين ، ودليل ذلك القرآن الكريم والسنة الشريفة .
أما من القرآن الكريم فقوله تعالى :
( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى
)
. الأنبياء
:28.
وقوله تعالى : ( فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ) . الأعراف : 53.
وقوله تعالى : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) . المدثر : 48.
وقوله تعالى : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) . غافر : 18 .
إلى غيرها من الآيات الكريمة التي تؤكد شفاعة المقربين عند الله تعالى ومن
يرتضيهم من شفعاء .
أما السنة الشريفة : فقد روي الحاكم عن جابر (رض) : أن رسول الله "صلى
الله عليه وآله وسلّم" تلا قول الله " ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى " فقال : إن
شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ـ الدر المنثور للسيوطي في تفسير قوله ولا
يشفعون .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة إن النبي "صلى الله عليه وآله
وسلّم" قال : تعلموا أن الله يشفّع المؤمنين يوم القيامة بعضهم في بعض . راجع
نفس المصدر.
وقال النبي "صلى الله عليه وآله وسلّم" : إن في أمتي رجلاً ليدخلن الله
الجنة بشفاعته أكثر من بني تميم . راجع الدر المنثور للسيوطي في تفسير الآية
.
والشيعة الإمامية تروي هذا الحديث كذلك في علي بن أبي طالب "عليه السلام"
حيث بشفاعته يدخل أكثر من بني تميم بل مثل ربيعة ومضر . كيف لا وقد روى
السيوطي أيضاً أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود قال : يعذب الله قوماً من أهل الإيمان
ثم يخرجهم بشفاعة محمّد "صلى الله عليه وآله وسلّم" حتى لا يبقى إلاّ من
ذكر الله " ما سلككم في سقر" إلى قوله " شفاعة الشافعين " .
وروى البيهقي في الاعتقاد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله "صلى الله
عليه وآله وسلّم" : أنا أول شفيعٍ يوم القيامة ، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً
يوم القيامة ، أن من الأنبياء لمن يأتي يوم القيامة ما معه مصدق غير واحد .
وروى عن جابر بن عبد الله أن النبي "صلى الله عليه وآله وسلّم" : قال :
أنا قائد المرسلين ولا فخر وأنا خاتم النبيين ولا فخر وأنا أول شافع ومشفع
ولا فخر . راجع هذه الأحاديث كتاب الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة
والجماعة للبيهقي ص 105 وما بعدها.
هذه هي الآيات والروايات الشريفة التي تثبت شفاعة أهل البيت ، فالآيات
القرآنية تؤكد أصل وجود الشفاعة ، وهي خاصة بمن ارتضاهم الله وفضّلهم وأكرمهم
، ومنها فقد أمكننا إثبات أصل الشفاعة .
أما الروايات الشريفة فتؤكد أن الله يشفّع للنبي "صلى الله عليه وآله
وسلّم" ولجميع المؤمنين وللشهداء أيضاً ، كما إنها أكدت أن رجلاً في أمة محمّد
"صلى الله عليه وآله وسلّم" يشفع لمثل ربيعة ومضر أو أكثر من بني تميم
والشيعة تروي أن هذا الرجل الذي يشفع لمثل ربيعة ومضر هو علي بن أبي طالب
"عليه السلام" ، وقد روى ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 127 ط ـ مكتبة القاهرة
: ما رواه السماك أن أبا بكر قال : سمعت رسول الله "صلى الله عليه وآله
وسلّم" يقول : لا يجوز أحد الصراط إلاّ من كتب له علي الجواز .
وإذا ضمننا إلى هذا الحديث أحاديث أن المؤمن يشفع لسبعين مؤمناً وأن
الشهيد يشفع كذلك للمؤمنين ، فان علي "عليه السلام" وأولاده يشفعون بما شاء
الله ، فانهم شهداء فضلاً عن كونهم أفضل المؤمنين وعليٌ أمير المؤمنين ، هذا
إذا أردنا الاستدلال بروايات أهل السنة على شفاعة أهل البيت "عليه السلام"
، أما روايات الشيعة فهي أكثر من أن تحصى تؤكد نفس المعنى تماماً . وبعد ؛
فقد وردت نصوص تفيد أنّ الظالمين لآل محمد (عليهم السلام) آيسون من رحمة
الله ، ومن هذا يظهر عدم شمول الشفاعة لمن ظلمهم .
وأمّا من لم يظلمهم (عليهم السلام) ولكن ظلم شيعتهم ، فتارة ظلم
شيعتهم لأنّهم شيعة لأهل البيت (عليهم السلام) فهذا بحكم الناصبي ، والناصبي لا
شفاعة له ولا نجاة .
وتارة أخرى ظلم شيعتهم بعنوان آخر غير عنوان كونهم شيعة لأهل البيت
(عليهم السلام) ولكن ظلمهم بعنوان شخصي مثلا ، فهذا يدخل ضمن مظالم العباد ،
ومظالم العباد فيما بينهم حسب مافي الروايات معلّق على أداء الحق إلى أصحابه ، فإذا
أدى هذا الإنسان الظالم الحقّ إلى أصحابه أو استبرأ ذمّتهم ،
فحينئذ يبقى الحق الخاص بالله تبارك وتعالى، لان ظلم العباد فيه حقّين : حق
الله وحق العبد ، فإذا سقط حق العبد بقي حق الله ، وهذا يمكن ان تعمّه
الشفاعة .
أمّا اذا لم يسقط حق العبد ، يعني لم يعد الحق إلى صاحبه ولم يستبرء
ذمّته ، فمقتضى الروايات الواردة ان الشفاعة موقوفة على رضا صاحب الحق ،
ولكن قد يستفاد من بعض الروايات من الممكن ان الله عز وجل لبعض الأعمال
الصالحة لهذا الإنسان الظالم ، يرضي عنه خصومه يوم القيامة ثم ينجّيه ، ويظهر
من هذا توقف النجاة على الرضا ، فهنا يمكن الشفاعة تتناول هذا القسم .
فالخلاصة : من ظلمهم (عليهم السلام) لا تشمله الشفاعة ، واما من ظلم
شيعتهم لتشيعهم فهو ناصبي فلا تشمله الشفاعة ، وان لم يكن لتشيعهم فيدخل في
مظالم العباد ، فان أدى الحق أو ابرأ الذمة فتشمله الشفاعة والا فلا
تشمله الشفاعة إلا ان يرضي الله خصومه .
أما كيف يرضي الله خصومه ؟ فيمكن ببعض الأعمال الصالحة من قبيل
الاستغفار والصدقة على الطرف المعتدى عليه ، وهذه مسألة متروكة إلى الله تعالى
.
ثم ان المتبادر من ظالميهم من ظلم مقامهم
الأكبر وظلم ولايتهم وأنكر
مودّتهم أو ما شاكل ذلك .
فمن اعتقد ان الشفاعة تشمله فهو منحرف الاعتقاد .وأمّا لو ان شخصا يحب
الإمام الحسين (عليه السلام) مثلا ويعتقد
بإمامته ولكن دخل معه في معاملة فظلمه بدينار مثلا ، فهنا يمكن للإمام (عليه
السلام) ان يعفو عنه ويصفح عنه لانها مظلمة شخصية مادية ، فهنا يمكن ان تناله
الشفاعة ، لان ظلمه هذا لم يكن ناتج عن بغض لهم (عليهم السلام) وانكار
لمقامهم الشفاعة التي وقع الخلاف فيها هي نوع من الوساطة إلى الله تعالى من
وليّ مقرب عنده ليغفر لمذنب ويسامحه.
وقد أثبتها المسلمون قاطبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلا من
شذّ منهم.
والأدلة على ثبوتها كثيرة جداً متضافرة على حصول الشفاعة في يوم القيامة
من قبل الصالحين والأولياء إلى المذنبين والعاصين.
واستجابة لطلبك فسوف نقتصر على بعض الروايات المثبتة للشفاعة عند أهل
السنة.
1ـ أخرج أبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله]
وسلم: من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه، فان رجح، وإلاّ شفعت له.
الدر المنثور 3/71.
2ـ أخرج أحمد بن حنبل: من صلّى على محمد وقال : اللهم انزله المقعد
المقرّب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي، مسند أحمد 4/108.ورواه في فردوس الأخبار 4/21/ح5555
3ـ روى البخاري / من قال حين يسمع النداء : اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة
والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي
وعدته، حلّت له شفاعتي يوم القيامة. البخاري 5/228، ورواه أيضاً 1/152.
ورواه البيهقي في سننه 1/409 ومجمع الزوائد 1/333، والنويري في نهاية الارب
3/5/308.
4ـ روى الديلمي في فردوس الأخبار 2/558/ح 3598.
أبو أمامة : صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي ولن أشفع لهما ولن يدخلا
شفاعتي : سلطان ظلوم غشوم عسوف، وغال مارق عن الدين. رواه السيوطي في الدر
المنثور 1/ 352 عن الطبراني، كنز العمال 6/21 و30 / مجمع الزوائد 5/235و236
. وهذا الحديث يدل بالمفهوم على ثبوت الشفاعة وإمكانها لطوائف آخرين في
أمة النبي (صلى الله عليه وآله).
5ـ عن أنس مرفوعاً : من أحبني فليحب علياً، ومن أبغض أحداً من أهل بيتي.
حرم شفاعتي … الحديث . لسان الميزان 3/276.
6ـ عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم:
(أعطيت خمساً لم يعطهّن أحدٌ قبلي… وأعطيت الشفاعة ولم يعط نبيٌّ قبلي…) سنن
النسائي 1/211. صحيح البخاري 1/86 ـ 113.
ولنقتصر على هذا القدر في الروايات وبعد ؛ فقد اتفق علماء الشيعة الإمامية
على.