- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي  ص 505 : -

التعليقة ( 5 ) ص 44 ترجمة : القرآن وشروطها


لقد بعث الله نبيه لهداية الناس فعززه بالقرآن ، وفيه كل ما يسعدهم ويرقى بهم إلى مراتب الكمال ، وهذا لطف من الله لا يختص بقوم دون آخر بل يعم البشر عامة ، وقد شاءت حكمته البالغة أن ينزل قرآنه العظيم على نبيه بلسان قومه ، مع أن تعاليمه عامة ، وهدايته شاملة ، ولذلك فمن الواجب أن يفهم القرآن كل أحد ليهتدي به .


ولا شك أن ترجمته مما يعين على ذلك ، ولكنه لا بد وأن تتوفر في الترجمة براعة وإحاطة كاملة باللغة التي ينقل منها القرآن إلى غيرها ، لان الترجمة مهما كانت متقنة لا تفي بمزايا البلاغة التي امتاز بها القرآن ، بل ويجري ذلك في كل كلام إذ لا يؤمن أن تنتهي الترجمة إلى عكس ما يريد الاصل .


ولا بد - إذن - في ترجمة القرآن من فهمه ، وينحصر فهمه في أمور ثلاثة :

 1 - الظهور اللفظي الذي تفهمه العرب الفصحى .

 2 - حكم العقل الفطري السليم .

 3 - ما جاء من المعصوم في تفسيره . 

-  ص 506 -

وعلى هذا تتطلب إحاطة المترجم بكل ذلك لينقل منها معنى القرآن إلى لغة اخرى . وأما الآراء الشخصية التي يطلقها بعض المفسرين في تفاسيرهم ، لم تكن على ضوء تلك الموازين فهي من التفسير بالرأي ، وساقطة عن الاعتبار، وليس للمترجم أن

يتكل عليها في ترجمته . وإذا روعي في الترجمة كل ذلك فمن الراجح أن تنقل حقائق القرآن ومفاهيمه إلى كل قوم بلغتهم ، لانها نزلت للناس كافة ، ولا ينبغي أن تحجب ذلك عنهم لغة القرآن ما دامت تعاليمه وحقائقه لهم جميعا * * *


التعليقة ( 6 ) ص 112 قصة : قريش في محاولتهم لتعجيز النبي

ويرشد إلى ما أوضحناه في معنى الآيات الكريمة المتقدمة : الروايات التي وردت في شأن نزولها . ففي " تفسير البرهان " عند تفسيره هذه الآيات : " أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة ، إذاجتمع جماعة

عن رؤساء قريش ، منهم الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبو البختري بن هشام ، وأبو جهل بن هشام ، والعاص بن وائل السهمي ، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي ، وجمع ممن يليهم كثير ، ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ، يذكرهم عن الله أمره ونهيه .


فقال المشركون بعض لبعض : قد استفحل أمر محمد وأعظم خطبه . تعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه ، والاحتجاج عليه ، وإبطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، فلعله أن ينزع عما هو فيه ، ومن غيه وباطله ، وتمرده وطغيانه ، فإن 

-  ص 507 -

انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر .

فقال أبو جهل : فمن ذا الذي يلي كلامه ومحاورته ؟

قال عبد الله بن أبي أمية المخزومي : أنا إلى ذلك ، أما ترضاني له قرنا حسيبا ومحاورا كفيا ؟

قال أبو جهل : بلى .

فأتوه جميعا فابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي فقال : يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة ، وقلت مقالا هائلا . زعمت أنك رسول الله رب العالمين ، وما ينبغي لرب العالمين ، وخالق الخلق أن يكون مثلك رسولا له بشرا مثلنا ، تأكل كما نأكل ،

وتشرب كما نشرب ، وتمشي في الاسواق كما نمشي . فهذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال ، عظيم حال له قصور ودور وفساطيط وخيام ، وعبيد وخدم . ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم وهو عبيده . . لو أراد الله أن يبعث

الينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا ، وأحسن حالا . فهلا انزل هذا القرآن - الذي تزعم أن الله أنزله اليك وبعثك رسولا - على رجل من القريتين عظيم ، إما الوليد بن مغيرة بمكة ، وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف .


فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : فهل بقي من كلامك شئ يا عبد الله ؟

قال : بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة هذه ، فإنها ذات أحجار وعرة وجبال ، تكسح أرضها وتحفرها، وتجري فيها العيون فإنا إلى ذلك محتاجون ، أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمها ، وتفجر الانهار خلالها

تفجيرا ، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، فإنك قلت لنا : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ، فلعلنا نقول ذلك . ثم قال : ولن نؤمن لك أو تأتي بالله والملائكة قبيلا تأتي بهم وهم لنا مقابلون أو يكون لك بيت من زخرف

تعطينا منه وتغنينا فلعلنا نطغى فإنك قلت لنا : كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى . ثم قال : أوترقى في السماء ولن نؤمن لصعودك حتى تنزل علينا كتابا من الله العزيز الحكيم ، إلى عبد الله بن أبي أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد ابن عبد الله بن عبد المطلب ، فإنه رسولي ، وصدقوه في مقاله فإنه من عندي . 
 

-  ص 508 -

ثم لامري يا محمد إذا فعلت هذا كله اؤمن بك أو لا اؤمن بك ، لو رفعتنا إلى السماء ، وفتحت أبوابها ، ودخلناها لقلنا إنما سكرت أبصارنا وسحرتنا . .


فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اللهم أنت السامع لكل صوت ، والعالم بكل شئ ، تعلم ما قاله عبادك . .

وأما قولك : إن هذا ملك الروم ، وملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال . . فإن الله له التدبير والحكم ، لا يفعل على ظنك وحسابك واقتراحك ، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . . فلو كان النبي صاحب قصور يحتجب فيها ، أو عبيد وخدام يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والامور تتباطأ ؟


وأما قولك لي : ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده فالملك لا تشاهده حواسكم ، لانه من جنس هذا الهواء لاعيان منه ، ولو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم : ليس هذا ملك بل هذا بشر لانه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقاله . .


وأما قولك : ما أنت إلا رجلا مسحورا فكيف أكون كذلك وأنتم تعلمون أني في التمييز والعقل فوقكم ، فهل جربتم علي مذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة أو كذبة أوخنى ، أو خطأ من القول أو سفها من الرأي ؟ أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه بحول نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته . . ؟ .


وأما قولك : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . . فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ، ولا خطر له عنده كماله عندك . . وليس هو عز وجل مما يخاف أحدا كما تخافه لما له وحاله .


وأما قولك : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا ، إلى آخر ما قلته ، فإنك اقترحت على محمد رسول الله أشياء : منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ، ورسول الله يرتفع أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه .

ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك ، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الايمان ، لئلا يهلكوابها ، فإنما اقترحت هلاكك ، ورب العالمين أرحم بعباده ، وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون ، ومنها المحال الذي لا يصح ولا 

-  ص 509 -

يجوز كونه . .

ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة ، ولا تصغي لبرهان . . !


فأما قولك : يا عبد الله لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله ، أرأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا ؟ . . فما هو إلا كقولك لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الارض . . أو ليس لك ولاصحابك جنان من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها ، وتفجرون خلالها تفجيرا ، أفصرتم أنبياء بهذا ؟ . .


وأما قولك : أو تسقط السماء كما زعمت كسفا . . فإن في سقوط السماء عليكم موتكم وهلاككم ، فإنما تريد بهذا من رسول الله أن يهلكك ورسول رب العالمين أرحم بك من ذلك ولا يهلكك ، لكنه يقيم عليك حجج الله ، وليس حجج الله لنبيه وحده على

حسب الاقتراح من عباده ، لان العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز من الفساد . . وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم ؟ . . فمتى رأيت يا عبد الله مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه . . !


وأما قولك : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعاينهم ، فإن هذا من المحال الذي لا خفاء به إن ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجئ ويذهب ويقابل ويتحرك ، ويقابل شيئا حتى يؤتى به ، فقد سألتم بهذا المحال . .


وأما قولك : يا عبد الله أو يكون لك بيت من زخرف - وهو الذهب - أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف ؟

قال : بلى .

قال : أفصار بذلك نبيا ؟

قال : لا .

قال صلى الله عليه واله وسلم فكذلك لا يوجب ذلك لمحمد لو كان له نبوة ، ومحمد لا يغتنم جهلك لحجج الله . . !


وأما قولك : يا عبد الله : أو ترقى في السماء ، ثم قلت : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، يا عبد الله الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها ، فإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم نزولي ، ثم قلت :
 

-  ص 510 -

حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، من بعد ذلك لا أدري اؤمن بك ؟ . فأنت يا عبد الله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك . . وقد أنزل الله تعالى علي كلمة جامعة لبطلان ما اقترحته

فقال : قل يا محمد سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا . . وليس لي أن آمر ربي ولا أنهى ولا أشير . . " .


والحديث يشتمل على فوائد كثيرة فليراجعه المتتبع ، وفي شأن نزول هذه الآيات روايات عديدة ذكرها " الطبري " عند تفسير الآيات المباركة .
 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب