- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي  ص 466 : -

العبادة والطاعة :


لا شك أيضا في وجوب طاعة الله سبحانه ، وفي استحقاق العقاب عقلا على مخالفته ، وقد تكرر في القرآن وعد الله تعالى لمن أطاعه بالثواب ووعيده لمن عصاه بالعقاب .


وأما إطاعة غير الله تعالى فهي على أقسام :

الاول : أن تكون إطاعته بأمر من الله سبحانه وبإذنه كما في إطاعة الرسول 

-  ص 467 -

الاكرم صلى الله عليه واله وسلم وأوصيائه الطاهرين عليهم السلام وهذا في الحقيقة إطاعة الله سبحانه ، فهو واجب أيضا بحكم العقل : " من يطع الرسول فقد أطاع الله 4 : 80 . وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله 4 : 64 " .
 

ومن أجل ذلك قرن الله طاعة رسوله بطاعته في كل مورد أمر فيه بطاعته : " ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما 33 : 71 . يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم 4 : 59 " .


الثاني : أن تكون إطاعة غير الله منهيا عنها ، كإطاعة الشيطان وإطاعة كل من أمير بمعصية الله ، ولا شك في حرمة هذا القسم شرعا ، وقبحه عقلا ، بل قد تكون كفرا أو شركا ، كما إذا امر بالشرك أو الكفر : " يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين 33 : 1 .

فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا 76 : 24 .

وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما 31 : 15 " .


الثالث : أن تكون إطاعة غير الله مجردة لا أمر بها من الله ولا نهى ، وهي حينئذ تكون جائزة لا واجبة ولا محرمة . 
 

-  ص 468 -

العبادة والخضوع :


لا ينبغي الريب في أنه لا بد للمخلوق من أن يخضع ويتذلل لخالقه ، فإن ذلك مما حكم به العقل ، وندب إليه الشرع . وأما الخضوع والتذلل للمخلوق فهو على أقسام :

أحدها : الخضوع لمخلوق من دون إضافة ذلك المخلوق إلى الله بإضافة خاصة وذلك : كخضوع الولد لوالده ، والخادم لسيده والمتعلم لمعلمه ، وغير ذلك من الخضوع المتداول بين الناس ، ولا ينبغي الشك في جواز هذا القسم ما لم يرد فيه نهى

كالسجود لغير الله ، بل جواز هذا القسم مقتضى الضرورة ، وليس فيه أدنى شائبة للشرك ، وقد قال عز من قائل : " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا 17 : 24 " .


أفترى أنه سبحانه أمر بعبادة الوالدين ، حيث أمر بالتذلل لهما ؟ مع أنه قد نهى عن عبادة من سواه قبل ذلك : " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا 17 : 23 " .


أم ترى أن خفض الجناح من الذل - كما تفعله صغار الطير - هو من الاحسان الذي أمرت به الاية الكريمة ، وجعلته مقابلا للعبادة ، وإذا فلا يكون كل خضوع وتذلل لغير الله شركا بالله تعالى .


ثانيها : الخضوع للمخلوق باعتقاد أن له إضافة خاصة إلى الله يستحق من أجلها أن يخضع له ، مع أن العقيدة باطلة ، وأن هذا الخضوع بغير إذن من الله كما في خضوع أهل الاديان والمذاهب الفاسدة لرؤسائهم .

ولا ريب في أنه 

-  ص 469 -

إدخال في الدين لما لم يكن منه ، فهو تشريع محرم بالادلة الاربعة ، وافتراء على الله تعالى . " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا 18 : 15 " .
 

ثالثها : الخضوع للمخلوق والتذلل له بأمر من الله وإرشاده ، كما في الخضوع للنبي صلى الله عليه واله وسلم ولاوصيائه الطاهرين عليهم السلام بل الخضوع لكل مؤمن ، أو كل ما له إضافة إلى الله توجب له المنزلة والحرمة ، كالمسجد والقرآن والحجر الاسود وما سواها من الشعائر الالهية .


وهذا القسم من الخضوع محبوب لله فقد قال تعالى : " فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين 5 : 45 " .


بل هو لدى الحقيقة خضوع لله ، وإظهار للعبودية له فمن اعتقد بالواحدانية الخالصة لله ، واعتقد أن الاحياء والاماتة والخلق والرزق والقبض والبسط والمغفرة والعقوبة كلها بيده ، ثم اعتقد بأن النبي صلى الله عليه واله وسلم وأوصياءه الكرام عليهم السلام : " عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون 21 : 27 " .

وتوسل بهم إلى الله ، وجعلهم شفعاء إليه بإذنه ، تجليلا لشأنهم وتعظيما لمقامهم ، لم يخرج بذلك عن حد الايمان ، ولم يعبد غير الله .


ولقد علم كل مسلم أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان يقبل الحجر الاسود ، ويستلمه بيده إجلالا لشأنه وتعظيما لامره . وكان صلى الله عليه واله وسلم يزور قبور المؤمنين والشهداء والصالحين ، ويسلم عليهم ، ويدعو لهم . 

-  ص 470 -

وعلى هذا جرت الصحابة والتابعون خلفا عن سلف ، فكانوا يزورون قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم ويتبركون به ويقبلونه ، ويستشفعون برسول الله ، كما كانوا يستشفعون به في حياته .


وهكذا كانوا يفعلون مع قبور أئمة الدين وأولياء الله الصالحين ، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة ، ولا أحد من التابعين أو الاعلام ، إلى أن ظهر أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني فحرم شد الرحال إلى زيارة القبور ،

وتقبيلها ، ومسها ، والاستشفاع بمن دفن فيها ، حتى أنه شدد النكير على من زار قبر النبي صلى الله عليه واله وسلم أن تبرك به بتقبيل أو لمس ، وجعل ذلك من الشرك الاصغر تارة ومن الشرك الاكبر أخرى .


ولما رأى علماء عصره عامة أنه قد خالف في رأيه هذا ما ثبت من الدين ، وضرورة المسلمين ، لانهم قد رووا عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حثه على زيارة المؤمنين عامة وعلى زيارته خاصة بقوله صلى الله عليه واله وسلم : " من

زارني بعد مماتي كان كمن زارني في حياتي " وما يؤدي هذا المعنى بألفاظ أخر ( 1 ) تبرأوا منه ، وحكموا بضلاله ، وأوجبوا عليه التوبة ، فأمروا بحبسه إما مطلقا أو على تقدير أن لا يتوب .


والذي أوقع ابن تيمية في الغلط - إن لم يكن عامدا لتفريق كلمة المسلمين - وهو تخيله أن الامور المذكورة شرك بالله ، وعبادة لغيره .

ولم يدرك أن هؤلاء الذين يأتون بهذه الاعمال يعتقدون توحيد الله ، وأنه لا خالق ولا رازق سواه ، وأن له الخلق والامر ، وإنما يقصدون بأفعالهم هذه تعظيم شعائر الله ، وقد علمت أنها راجعة إلى تعظيم الله والخضوع له والتقرب إليه سبحانه ، والخلوص لوجهه الكريم ، وأنه ليس في ذلك أدنى شائبة للشرك ، لان الشرك - كما عرفت - أن يعبد الانسان غير الله .


والعبادة إنما تتحقق بالخضوع لشئ على أنه رب يعبد ، وأين هذا من تعظيم النبي الاكرم وأوصيائه الطاهرين - ع - بما

 

  * هامش *  
 

( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 17 ) للوقوف على الروايات التي استفاضت في جواز زيارة القبور ، وقد ذكر جملة منها عبد السلام بن تيمية - في قسم التعليقات . ( * ) 

 

 

-  ص 471 -

هو نبي وهم أوصياء ، وبما أنهم عباد مكرمون ، ولا ريب في أن المسلم لا يعبد النبي أو الوصي فضلا عن أن يعبد قبورهم .


وصفوة القول : أن التقبيل والزيارة وما يضاهيهما من وجوه التعظيم لا تكون شركا بأي وجه من الوجوه ، وبأي داع من الدواعي ، ولو كان كذلك لكان تعظيم الحي من الشرك أيضا، إذ لا فرق بينه وبين الميت من هذه الجهة - ولا يلتزم ابن تيمية

وأتباعه بهذا - وللزم نسبة الشرك إلى الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم وحاشاه فقد كان يزور القبور ، ويسلم على أهلها ، ويقبل الحجر الاسود كما سبق وعلى هذا فيدور الامر بين الحكم بأن بعض الشرك جائز لا محذور فيه ، وبين أن

يكون التقبيل والتعظيم - لا بعنوان العبودية - خارجا عن الشرك وحدوده ، وحيث أنه لا مجال للاول لظهور بطلانه فلا بد وأن يكون الحق هو الثاني ، فإذا تكون الامور المذكورة داخلة في عبادة الله وتعظيمه : " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقول القلوب 22 : 32 " .

وقد مرت الروايات الدالة على استحباب زيارة قبر النبي وأولياء الله الصالحين .

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب