- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي  ص 453 : -

اللغة

الحمد : ضد اللوم ، وهو لا يكون إلا على الفعل الاختياري الحسن ، سواء أكان إحسانا للحامد أم لم يكن ، والشكر مقابل الكفران ، وهو لا يكون إلا للانعام والاحسان ، والمدح يقابل الذم ، ولا يعتبر أن يكون على الفعل الاختياري فضلا عن كونه إحسانا ، والالف واللام في كلمة الحمد للجنس إذ لا عهد ، وتقدم معنى كلمات : " الله . الرحمن . الرحيم " .


الرب : مأخوذ من ربب ، وهو المالك المصلح والمربي ، ومنه الربيبة ، وهو لا يطلق على غيره تعالى إلا مضافا إلي شئ ، فيقال : رب السفينة ، رب الدار .


العالم : جمع لا مفرد له كرهط وقوم ، وهو قد يطلق على مجموعة من الخلق متماثلة ، كما يقال : عالم الجماد، عالم النبات ، عالم الحيوان . وقد يطلق على مجموعة يؤلف بين أجزائها اجتماعها في زمان أو مكان، فيقال : عالم الصبا ، عالم الذر، عالم

الدنيا ، عالم الاخرة . وقد يطلق ويراد به الخلق كله على اختلاف حقائق وحداته ، ويجمع بالواو والنون ، فيقال : عالمون ويجمع على فواعل ، فيقال : عوالم ، ولم يوجد في لغة العرب ما هو على زنة فاعل ، ويجمع بالواو والنون غير هذه الكلمة.


الملك : الاحاطة والسلطة ، وهذه قد تكون خارجية حقيقية كما في إحاطته تعالى بالموجودات ، فإن كل موجود إنما يتقوم في ذاته بخالقه وموجده ، وليس له 

-  ص 454 -

واقع مستقل سوى التدلي والارتباط بعلته الموجدة ، والممكن فقير محتاج إلى المؤثر في حدوثه وفي بقائه ، فهو لا ينفك عن الحاجة أبدا : " والله الغني وأنتم الفقراء 47 : 38 " .


وقد تكون اعتبارية ، كما في ملكية الناس للاشياء ، فإن ملكية زيد لما بيده مثلا ليست إلا اعتبار كونه مالكا لذلك الشئ ، وأن زمان أمره بيده ، وذلك عند حدوث سبب يقتضيه من عقد أو إيقاع أو حيازة أو إرث أو غير ذلك ، حسب ما توجبه المصلحة في نظر الشارع أو العقلاء .


والملكية عند الفلاسفة هيئة حاصلة من إحاطة شئ بشئ ، وهي أحد الاعراض التسعة ، ويعبر عنها بمقولة الجدة ، كالهيئة الحاصلة من إحاطة العمامة بالرأس أو الخاتم بالاصبع .


الدين : بمعنى الجزاء والحساب ، وكلاهما مناسب للمقام ، فان الحساب مقدمة للجزاء ويوم الحساب هو يوم الجزاء بعينه . التفسير بين سبحانه أن طبيعة الحمد وجنسه تختص به تعالى ، وذلك لامور :


الامر الاول : إن حسن الفعل وكماله ينشأ من حسن الفاعل وكماله ، والله سبحانه هو الكامل المطلق الذي لا نقص فيه من جهة أبدا ، ففعله هو الفعل الكامل الذي لا نقص فيه أبدا : " قل كل يعمل على شاكلته 17 : 84 " . 
 

-  ص 455 -

وأما غيره فلا يخلو عن نقيصة ذاتية بل نقائص ، فأفعاله لا محالة تكون كذلك . والفعل الحسن المحض يختص به سبحانه ، ويمتنع صدوره من سواه ، فهو المختص بالحمد ويمتنع أن يستحقه أحد سواه .


وقد أشير إلى هذا بقوله : " الحمد لله " فقد عرفت أن كلمة " الله " علم للذات المقدسة المستجمعة لجميع صفات الكمال .


وقد ورد عن الصادق عليه السلام أنه قال : " فقد لابي بغلة فقال : لئن ردها الله علي لاحمدنه بمحامد يرضاها ، فما لبث أن جئ بها بسرجها ولجامها ، ولما استوى وضم إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء فقال : الحمد لله ، ولم يزد ، ثم قال : ما تركت ولا أبقيت شيئا جعلت جميع أنواع المحامد لله عز وجل فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت " ( 1 ) .


وعنه - سلام الله عليه - : " ما أنعم الله على عبد بنعمة صغرت أو كبرت فقال : الحمد لله ، إلا أدى شكرها " ( 2 ) .


الامر الثاني : إن الكمال الاول لكل ممكن من العقول والنفوس والارواح والاشباح إنما هو وجوده ولا ريب في أنه فعل الله سبحانه وهو مبدعه وموجده .

وأما الكمال الثاني وهى الامور التي توجب الفضل والميز ، فما كان منه خارجا عن اختيار المخلوق فهو أيضا من أفعال الله تعالى بلا ريب .


وذلك كما في نمو النبات وإدراك الحيوان منافعه ومضاره ، وقدرة الانسان على بيان مقاصده . وما كان منه صادرا عن المخلوقين باختيارهم ، فهي وإن كانت الختيارية إلا أنها منتهية إلى الله سبحانه ، فانه الموفق للصواب ، والهادي إلى الرشاد.

وقد ورد : " إن الله أولى بحسنات العبد منه " ( 3 ) وقد أشير إلى ذلك بجملة " رب العالمين " .


الامر الثالث : إن الفعل الحسن الصادر من الله تعالى لا يرجع نفعه إليه ، لانه الكامل المطلق

 

( 1 ) تفسير البرهان ج 1 ص 29 وقريب منه في اصول الكافي باب الشكر ص 356 .
( 2 ) اصول الكافي باب الشكر ص 356 .
( 3 ) الوافي باب الخير والقدر ج 1 ص 119 . ( * ) 

 

 

-  ص 456 -

الذي يستحيل عليه الاستكمال . وفعله إنما هو إحسان محض يرجع نفعه إلى المخلوقين .

وأما الفعل الحسن الصادر من غيره فهو وإن كان إحسانا إلى أحد في بعض الاحيان ، إلا أنه إحسان إلى نفسه أولا وبالذات ، وبه يدرك كماله : " إن أحسنتم أحسنت لانفسكم 17 : 7 " . فالاحسان المحض إنما هو فعل الله تعالى لا غير فهو المستحق للحمد دون غيره وإلى ذلك أشير بجملة : " الرحمن الرحيم " .


ثم إن الثناء على الفعل الجميل قد يكون ناشئا عن إدراك الحامد حسن ذات الفاعل وصفاته من دون نظر إلى إنعامه ، أو الرغبة فيه ، أو الرهبة منه .


وقد يكون ناشئا عن النظر إلى أحد هذه الامور الثلاثة ، فقد أشير إلى المنشأ الاول بجملة : " الحمد لله " فالحامد يحمده تعالى بما أنه مستحق للحمد في ذاته ، وبما أنه مستجمع لجميع صفات الكمال منزه عن جميع جهات النقص .


وأشير إلى المنشأ الثاني بجملة : " رب العالمين " فانه المنعم على عباده بالخلق والايجاد ، ثم بالتربية والتكميل .

وأشير إلى المنشأ الثالث بجملة : " الرحمن الرحيم " . فان صفة الرحمة تستدعي الرغبة في نعمائه تعالى وطلب الخير منه .

وأشير إلى المنشأ الرابع بقوله : " مالك يوم الدين " ، فان من تنتهي إليه الامور ويكون إليه المنقلب جدير بأن ترهب سطوته ، وتحذر مخالفته .


وقد يكون الوجه هو بيان أن يوم الدين هو يوم ظهور العدل والفضل الالهيين ، وكلاهما جميل لا بد من حمده تعالى لاجله ، فكما أن أفعاله في الدنيا من الخلق والتربية والاحسان كلها أفعال جميلة يستحق عليها الحمد فكذلك أفعاله في الاخرة من العفو والغفران وإثابة المطيعين ، وعقاب العاصين كلها أفعال جميلة يستوجب الحمد بها .


ومما بيناه يتضح أن جملة : " الرحمن الرحيم " ليس تكرارا أتي بها للتأكيد - كما زعمه بعض المفسرين - بل هي لبيان منشأ اختصاص الحمد به تعالى فلا يغني عنه ذكرها أولا في مقام التيمن والتبرك ، وهو ظاهر . 

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب