بسم الله الرحمن الرحيم 1
الحمد الله رب العالمين 2
الرحمن الرحيم 3 ملك يوم الدين 4
إياك نعبد وإياك نستعين 5
اهدنا الصرط المستقيم 6 صراط الذين أنعمت عليهم
غير المغضوب عليهم ولا الضالين 7 مكية
وآياتها سباع ( البيان - 27 )
محل نزولها : المعروف : أن
هذه السورة مكية، وعن بعض أنها مدنية، والصحيح هو القول الاول ، ويدل على ذلك
أمران :
الاول : أن فاتحة الكتاب
هي السبع المثاني ( 1 ) وقد ذكر في سورة الحجر أن السبع المثاني نزلت قبل ذلك ،
فقال تعالى : " ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن
العظيم 15 : 87 " . وسورة الحجر مكية بلا خلاف : فلا بد وأن تكون فاتحة
الكتاب مكية أيضا .
الثاني : أن الصلاة شرعت في
مكة ، وهذا ضروري لدى جميع المسلمين ولم تعهد في الاسلام صلاة بغير فاتحة
الكتاب ، وقد صرح النبي صلى الله عليه واله وسلم بذلك بقوله : " لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب " وهذا الحديث منقول عن طريق الامامية وغيرهم .
وذهب بعض : إلى أنها نزلت
مرتين ، مرة في مكة ، واخرى في المدينة تعظيما لشأنها ، وهذا القول محتمل في
نفسه وإن لم يثبت بدليل ، ولا يبعد أن يكون هو الوجه في تسميتها بالسبع المثاني
، ويحتمل أن يكون الوجه هو وجوب الاتيان بها مرتين في كل صلاة : مرة في الركعة
الاولى ومرة في الركعة الثانية .
| |
( 1 ) صرح بذلك في عدة من الروايات : منها رواية
الصدوق والبخاري وسنذكرهما بعد هذا . ( * )
|
|
|
فضلها : كفى في فضلها : أن
الله تعالى قد جعلها عدلا للقرآن العظيم في آية الحجر المتقدمة ، وأنه لا بد من
قراءتها في الصلاة بحيث لا تغني عنها سائر السور ، وأن الصلاة هي عماد الدين ،
وبها يمتاز المسلم عن الكافر . " وسنبين - إن شاء الله تعالى - ما اشتملت عليه
هذه السورة من المعارف الالهية على اختصارها " .
روى الصدوق باسناده عن الحسن
بن علي - العسكري - عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام . أنه قال : بسم
الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب وهي سبع آيات تمامها : بسم الله الرحمن
الرحيم سمعت رسول الله صلى الله عليه واله
وسلم يقول : إن الله تعالى قال لي يا محمد : "
ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم 15 :
87 " . فأفرد الامتنان علي بفاتحة الكتاب ، وجعلها بإزاء القرآن العظيم وإن
فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش . . " ( 1 ) .
وروى البخاري عن أبي سعيد بن
المعلى ، قال : " كنت أصلي فدعاني النبي صلى الله عليه واله وسلم فلم أجبه .
قلت : يا رسول الله إني كنت اصلي . قال : ألم يقل الله : "
استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم 24 : 8 " .
ثم قال : ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من
المسجد ؟ فأخذ بيدي فلما أردنا أن نخرج ، قلت : يا رسول الله إنك قلت ألا اعلمك
أعظم
| |
( 1 ) تفسير البرهان
ج 1 ص 26 . ( * )
|
|
|
سورة من القرآن ؟ قال : الحمد لله رب العالمين هي السبع
المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " ( 1 ) .
آياتها : المعروف بين
المسلمين : أن عدد آياتها سبع ، بل لا خلاف في ذلك وروي عن حسين الجعفي : أنها
ست ، وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان ، وكلا القولين شاذ مخالف لما اتفقت عليه
روايات الطريقين من أنها سبع آيات .
وقد مر أنها المراد من السبع المثاني في الاية المتقدمة ،
فمن عد البسملة آية ذهب إلى أن قوله تعالى : " صراط
الذين أنعمت عليهم " إلى آخر السورة آية واحدة . ومن لم يعدها آية ذهب
إلى أن قوله تعالى : " غير المغضوب عليهم ولا الضالين
" آية مستقلة .
غاياتها : الغاية من السورة
المباركة بيان حصر العبادة في الله سبحانه ، والايمان بالمعاد والحشر . وهذه هي
الغاية القصوى من إرسال الرسول الاكرم وإنزال القرآن ، فإن دين الاسلام قد دعا
جميع البشر إلى الايمان بالله وإلى توحيده : " قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء
بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا
من دون الله 3 : 64 " . وأنه لا يستحق غيره لان يعبد ، فالشر - وكل
موجود مدرك - يجب أن يكون خضوعه وتوجهه لله وحده . وبرهان ذلك - في هذه السورة
الكريمة -
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) البخاري ج 6 ص
103 باب فاتحة الكتاب . ( * )
|
|
|
هو أن العاقل إنما يخضع لمن سواه ويعبده ، ويتوجه إليه
بحوائجه ، إما لكمال في ذلك المعبود المستعان - والناقص مجبول على الخضوع
للكامل - وإما لاحسانه وإنعامه عليه ، وإما لاحتياج الناقص في جلب منفعة أو دفع
مضرة ، وإما لقهر الكامل وسلطانه فيخضع له خوفا من مخالفته وعصيانه .
هذه هي الاسباب الموجبة للعبادة والخضوع . وأيها ينظر فيه
العاقل يراه منحصرا في الله سبحانه .
فالله هو المستحق للحمد ، فانه المستجمع لجميع صفات
الكمال ، بحيث لا يتطرق إلى ساحة قدسه شائبة نقص .
والله هو المنعم على جميع العوالم الظاهرية والباطنية
المجتمعة والمتدرجة ، وهو مربيها تكوينا وتشريعا .
والله هو المتصف بالرحمة الواسعة غير القابلة للزوال .
والله هو المالك المطلق ، والسلطان على الخلق بلا شريك
ولا منازع .
فهو المعبود بالحق لكماله وإنعامه ورحمته وسلطانه ، فلا
يتوجه الانسان العاقل إلا إليه ، ولا يعبد إلا إياه ، ولا يستعين إلا به ، ولا
يتوكل إلا عليه ، لان ما سوى الله ممكن ، والممكن محتاج في ذاته .
والاستعانة والعبادة لا تكونان إلا للغني : "
يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني
الحميد 35 : 15 " .
وبعد أن أثبت تبارك وتعالى أنه هو المستحق للحمد والثناء
بقوله : " الحمد لله رب العالمين .
الرحمن الرحيم . مالك يوم
الدين " لقن عباده أن يقولوا بألسنتهم وقلوبهم : "
إياك نعبد وإياك نستعين " .
ثم أشار تعالى إلى أحوال
البشر بعد إرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وإتمام الحجة عليهم، وأنهم قد انقسموا
إلى ثلاثة أقسام :
الاول : من شملته العناية
الالهية والنعم القدسية ، فاهتدى إلى الصراط المستقيم ، فسلكه إلى مقصده
المطلوب وغايته القصوى ، ولم ينحرف عنه يمينا ولا شمالا .
الثاني : من ضل الطريق
فانحرف يمنة ويسرة إلا أنه لم يعاند الحق ، وإن ضل عنه لتقصيره ، وزعم أن ما
اتبعه هو الدين ، وما سلكه هو الصراط السوي .
الثالث : من دعاه حب المال
والجاه إلى العناد فعاند الحق ونابذه ، سواء أعرف الحق ثم جحده أم لم يعرفه .
ومثل هذا - في الحقيقة - قد عبده هواه ، كما أشار سبحانه إليه بقوله : "
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه 45 : 22 " . وهذا
الفريق أشد كفرا من سابقه ، فهو يستحق الغضب الالهي بعناده زائدا على ما يستحقه
بضلاله .
وبما أن البشر لا يخلو من حب الجاه والمال ، ولا يؤمن عليه
من الوقوع في الضلال ، وغلبة الهوى ما لم تشمله الهداية الربانية ، كما أشير
إلى هذا في قوله تعالى : " ولو لا فضل الله عليكم ورحمته
ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم 24 :
21 " .
لقن الله عبيده أن يطلبوا منه
الهداية ، وأن يقولوا : " إهدنا الصراط المستقيم ، صراط
الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " فالعبد يطلب من ربه
الهداية المختصة بالمؤمنين ، وقد قال تعالى : " والله
يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم 2 : 213 " .
ويسأله أن يدخله في زمرة من أنعم عليهم وفي السالكين
طريقتهم ، كما أشير إليه بقوله تعالى : " أولئك الذين
أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية
آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية
إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا
وبكيا 19 : 85 " .
وأن لا يسلك طريق الطائفتين الزائغتين عن الهدى : "
المغضوب عليهم والضالين " .
خلاصة السورة : إنه تعالى مجد
نفسه بما يرجع إلى كمال ذاته ، ومجدها بما يرجع إلى أفعاله من تربيته العوالم
كلها ، ورحمته العامة غير المنفكة عنه ، وسلطانه يوم الحشر وهو يوم الجزاء ،
وهذا هو هدف السورة الاولى .
ثم حصر به العبادة والاستعانة ، فلا يستحق غيره أن يعبد أو
يستعان ، وهذا هو هدفها الثاني .
ثم لقن عبيده أن يطلبوا منه الهداية إلى الصراط المستقيم
الذي يوصلهم إلى الحياة الدائمة ، والنعيم الذي لا زوال له ، والنور الذي لا
ظلمة بعده ، وهذا هو هدفها الثالث .
ثم بين أن هذا الصراط خاص بمن أنعم الله عليهم برحمته وفضله
، وهو يغاير صراط من غضب عليهم وصراط الآخرين الذين ضلوا الهدى ، وهذا هو هدفها
الرابع .