إن هذه الروايات مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبة من أن القرآن لا طريق
لاثباته إلا التواتر ، فإنها تقول : إن إثبات آيات القرآن حين الجمع كان منحصرا
بشهادة شاهدين ، أو بشهادة رجل واحد إذا كانت تعدل شهادتين ، وعلى هذا فاللازم
أن
يثبت القرآن بالخبر الواحد أيضا ، وهل يمكن لمسلم أن يلتزم
بذلك ؟ ولست أدري كيف يجتمع القول بصحة هذه الروايات التي تدل على ثبوت القرآن
بالبينة ، مع القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ، أفلا يكون القطع بلزوم
كون القرآن متواترا سببا للقطع بكذب هذه الروايات أجمع ؟ ومن الغريب أن بعضهم
كابن حجر فسر الشاهدين في الروايات بالكتابة والحفظ ( 1 ) .
وفي ظني أن الذي حمله على ارتكاب هذا التفسير هو ما ذكرناه من لزوم التواتر في
القرآن . وعلى كل حال فهذا التفسير واضح الفساد من جهات :
أما ، أولا : فلمخالفته صريح
تلك الروايات في جمع القرآن ، وقد سمعتها .
وأما ، ثانيا : فلان هذا
التفسير يلزمه أنهم لم يكتبوا ما ثبت أنه من القرآن بالتواتر ، إذا لم يكن
مكتوبا عند أحد ، ومعنى ذلك أنهم أسقطوا من القرآن ما ثبت بالتواتر أنه من
القران .
وأما ، ثالثا : فلان الكتابة
والحفظ لا يحتاج اليهما إذا كان ما تراد كتابته متواترا ، وهما لا يثبتان كونه
من القرآن ، إذا لم يكن متواترا .
وعلى كل حال فلا فائدة في جعلهما شرطا في جمع القرآن . وعلى الجملة لا بد من
طرح هذه الروايات ، لانها تدل على ثبوت القرآن بغير التواتر ، وقد ثبت بطلان
ذلك بإجماع المسلمين .
| |
( 1 ) الاتقان - النوع 18 ص 100 . ( * )
|
|
|
إن هذه الروايات لو صحت ، وأمكن الاستدلال بها على التحريف من جهة النقص ، لكان
اللازم على المستدل أن يقول بالتحريف من جهة الزيادة في القرآن أيضا ، لان
كيفية الجمع المذكورة تستلزم ذلك ، ولا يمكن له أن يعتذر عن ذلك بأن
حدالاعجاز في بلاغة القرآن يمنع من الزيادة عليه ، فلا تقاس
الزيادة على النقيصة، وذلك لان الاعجاز في بلاغة القرآن وإن كان يمنع عن
الاتيان بمثل سورة من سوره ، ولكنه لا يمنع من الزيادة عليه بكلمة أو بكلمتين ،
بل ولا بآية كاملة ، ولا سيما
إذ اكانت قصيرة ، ولولا هذا الاحتمال لم تكن حاجة إلى شهادة
شاهدين ، كما في روايا ت الجمع المتقدمة ، فإن الآية التي يأتي بها الرجل تثبت
نفسها أنها من القرآن أو من غيره .
وإذن فلا مناص للقائل بالتحريف من القول بالزيادة
أيضا وهو خلاف إجماع المسلمين .
وخلاصة ما تقدم ، أن إسناد جمع
القرآن إلى الخلفاء أمر موهوم ، مخالف للكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والعقل ،
فلا يمكن القائل بالتحريف أن يستدل به على دعواه ، ولو سلمنا أن جامع القرآن هو
أبو بكر في أيام خلافته ، فلا ينبغي الشك في أن
كيفية الجمع المذكورة في الروايات المتقدمة مكذوبة ، وأن جمع
القرآن كان مستندا إلى التواتر بين المسلمين ، غاية الامر أن الجامع قد دون في
المصحف ما كان محفوظا في الصدور على نحو التواتر .
نعم لا شك أن عثمان قد جمع القرآن في زمانه ، لا بمعنى أنه جمع الآيات والسور
في مصحف ، بل بمعنى أنه جمع المسلمين على قراءة إمام واحد ، وأحرق ( البيان -
17 )
المصاحف الاخرى التي تخالف ذلك المصحف ، وكتب إلى البلدان أن
يحرقوا ما عندهم منها ، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة ، وقد صرح بهذا
كثير من أعلام أهل السنة .
قال الحارث المحاسبي : " المشهور عند الناس أن
جامع القران عثمان ، وليس كذلك ، إنما حمل عثمان الناس على القراءة ، بوجه واحد
، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والانصار ، لما خشي الفتنة
عند اختلاف أهل العراق
والشام في حروف القراءات ، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف
بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن . . . " (
1 ) .
أقول : أما أن عثمان جمع المسلمين على قراءة
واحدة ، وهي القراءة التي كانت متعارفة بين المسلمين ، والتي تلقوها بالتواتر
عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه منع عن القراءات الاخرى المبتنية على أحاديث
نزول القرآن على سبعة أحرف ، التي
تقدم توضيح بطلانها ، أما هذا العمل من عثمان فلم ينتقده عليه
أحد من المسلمين ، وذلك لان الاختلاف في القراءة كان يؤدي إلى الاختلاف بين
المسلمين ، وتمزيق صفوفهم ، وتفريق وحدتهم ، بل كان يؤدي إلى تكفير بعضهم بعضا
.
وقد مر - فيما تقدم - بعض الروايات الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله منع
عن الاختلاف في القرآن ، ولكن الامر الذي انتقد عليه هو إحراقه لبقية المصاحف ،
وأمره أهالي الامصار بإحراق ما عندهم من المصاحف ، وقد اعترض على عثمان في ذلك
جماعة من المسلمين ، حتى سموه بحراق المصاحف .
| |
( 1 ) الاتقان - النوع 18 ج 1 ص 103 . (
* )
|
|
|