|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 247 : - |
1 - تناقض أحاديث جمع القرآن
!
إنها متناقضة في أنفسها فلا يمكن الاعتماد على شئ منها ، ومن الجدير بنا أن
نشير إلى جملة من مناقضاتها ، في ضمن أسئلة وأجوبة :
* - متجمع القرآن في المصحف ؟ ظاهر الرواية الثانية أن الجمع
كان في زمن عثمان ، وصريح الروايات الاولى ، والثالثة ، والرابعة ، وظاهر البعض
الآخر أنه كان في زمان أبي بكر ، وصريح الروايتين السابعة ، والثانية عشرة أنه
كان في زمان عمر .
* - من تصدى لجمع القرآن زمن أبي بكر ؟ تقول الروايتان الاولى
، والثانية والعشرون أن المتصدي لذلك هو زيد بن ثابت ، وتقول الرواية الرابعة
أنه أبو بكر نفسه ، وإنما طلب من زيد أن ينظر فيما جمعه من الكتب ، وتقول
الرواية الخامسة - ويظهر من غيرها أيضا - أن المتصدي هو زيد وعمر .
* - هل فوض لزيد جمع القرآن ؟ يظهر من الرواية الاولى أن أبا
بكر قد فوض إليه ذلك ، بل هو صريحها ، فإن قوله لزيد : " إنك رجل شاب عاقل لا
نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - ص - فتتبع القرآن واجمعه " صريح في ذلك
، وتقول الرواية الخامسة وغيرها : إن الكتابة إنما كانت بشهادة شاهدين ، حتى ان
عمر جاء بآية الرجم فلم تقبل منه .
* - هل بقي من الآيات ما لم يدون إلى زمان عثمان ؟
ظاهر كثير من الروايات ، بل صريحها أنه لم يبق شئ من ذلك ،
وصريح الرواية الثانية ، بقاء شئ من الآيات لم يدون إلى زمان عثمان .
* - هل نقص عثمان شيئا مما كان مدونا قبله ؟ ظاهر
كثير من الروايات بل صريحها أيضا أن عثمان لم ينقص مما كان مدونا قبله ، وصريح
الرواية الرابعة عشرة أنه محا شيئا مما دون قبله ، وأمر المسلمين بمحو ما محاه
.
* - من أي مصدر جمع عثمان المصحف ؟ صريح
الروايتين الثانية والرابعة : أن الذي اعتمد عليه في جمعه هي الصحف التي جمعها
أبو بكر ، وصريح الروايات الثامنة ، والرابعة عشرة ، والخامسة عشرة ، أن عثمان
جمعه بشهادة شاهدين ، وبأخبار من سمع الآية من رسول الله صلى الله عليه واله
وسلم .
* - من الذي طلب من أبي بكر جمع القرآن ؟ تقول
الرواية الاولى أن الذي طلب ذلك منه هو عمر ، وأن أبا بكر إنما أجابه بعد
الامتناع ، فأرسل إلى زيد وطلب منه ذلك ، فأجابه بعد الامتناع ، وتقول الرواية
العاشرة أن زيدا وعمر طلبا ذلك من أبي بكر ، فأجابهما بعد مشاورة المسلمين .
* - من جمع المصحف الامام وأرسل منه نسخا إلى البلاد ؟
صريح الرواية الثانية أنه كان عثمان ، وصريح الرواية الثانية عشرة أنه كان عمر
.
* - متى ألحقت الآيتان بآخر سورة براءة ؟ صريح
الروايات الاولى ، والحادية عشرة ، والثانية والعشرين أن إلحاقهما كان
في زمان أبي بكر ، وصريح الرواية الثامنة ، وظاهر غيرها أنه
كان في عهد عمر .
* - من اتى بهاتين الآيتين ؟ صريح الروايتين
الاولى ، والثانية والعشرين أنه كان أبا خزيمة ، وصريح الروايتين الثامنة ،
والحادية عشرة أنه كان خزيمة بن ثابت ، وهما رجلان ليس بينهما نسبة أصلا ، على
ما ذكره ابن عبد البر ( 1 ) .
* - بماذا ثبت أنهما من القرآن ؟ بشهادة الواحد ،
على ما هو ظاهر الرواية الاولى ، وصريح الروايتين التاسعة ، والثانية والعشرين
، وبشهادة عثمان معه ، على ما هو صريح الرواية الثامنة ، وبشهادة عمر معه ، على
ما هو صريح الرواية الحادية عشر .
* - من عينه عثمان لكتابة القرآن وإملائه ؟ صريح
الرواية الثانية أن عثمان عين للكتابة زيدا ، وابن الزبير ، وسعيد ، وعبد
الرحمن ، وصريح الرواية الخامسة عشرة أنه عين زيدا للكتابة وسعيدا للاملاء ،
وصريح الرواية السادسة عشرة أنه عين
ثقيفا للكتابة ، وهذيلا للاملاء وصريح الرواية الثامنة عشرة
أن الكاتب لم يكن من ثقيف وأن المملي لم يكن من هذيل ، وصريح الرواية التاسعة
عشرة أن المملي كان أبي بن كعب ، وأن سعيدا كان يعرب ما كتبه زيد ، وهذا أيضا
صريح الرواية العشرين بزيادة عبد الرحمن بن الحرث للاعراب .
2 - تعارض روايات الجمع :
إن هذه الروايات معارضة بما دل على أن القرآن كان قد جمع ، وكتب على
| |
( 1 ) تفسير القرطبي ج 1 ص 56 . ( * )
|
|
|
عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقد روى جماعة ، منهم
ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل ، والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان ، والحاكم ،
والبيهقي ، والضياء المقدسي عن ابن عباس . قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم
على أن عمدتم
إلى الانفال وهي من المثاني ، وإلى براءة ، وهي من المئين
فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر : " بسم الله الرحمن الرحيم " ؟
ووضعتموهما في السبع الطوال ، ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان : إن رسول الله
صلى الله عليه واله وسلم كان مما
يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات العدد ، وكان إذا نزل
عليه الشئ يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها
كذا وكذا ، وتنزل عليه الآيات فيقول : ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا
وكذا ، وكانت
الانفال من أول ما أنزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن
نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنها منها ، وقبض رسول الله صلى الله
عليه واله وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ، ولم أكتب
بينهما سطر : " بسم الله الرحمن الرحيم " ووضعتهما في السبع الطوال ( 1 ) .
وروى الطبراني ، وابن عساكر عن الشعبي ، قال : "
جمع القرآن على عهد رسول الله - ص - ستة من الانصار : أبي بن كعب ، وزيد بن
ثابت ، ومعاذ بن جبل ، وأبو الدرداء ، وسعد بن عبيد ، وأبو زيد وكان مجمع بن
جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاث " ( 2 ) .
وروى قتادة ، قال : " سألت أنس بن مالك : من جمع
القرآن على عهد النبي ؟ قال : أربعة كلهم من الانصار : أبي بن كعب ، ومعاذ بن
جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد " ( 3 ) .
| |
( 1 ) منتخب كنز العمال ج 2 ص 48 .
( 2 ) نفس المصدر ج 2 ص 52 .
( 3 ) صحيح البخاري باب القراء من أصحاب
النبي - ص - ج 6 ص 202 . ( * )
|
|
|
وروى مسروق : ذكر عبد الله بن
عمرو عبد الله بن مسعود ، فقال : " لا أزال أحبه ، سمعت النبي - ص - يقول :
خذوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ ، وأبي بن كعب "
( 1 ) .
وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ،
قال : " جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة ، فبلغ النبي - ص - فقال : اقرأة في شهر
. . . " ( 2 ) .
وستجئ رواية ابن سعد في جمع أم ورقة القرآن .
ولعل قائلا يقول وإن المراد من الجمع في هذه الروايات هو الجمع في الصدور لا
التدوين ، وهذا القول دعوى لا شاهد عليها ، أضف إلى ذلك أنك ستعرف أن حفاظ
القرآن على عهد رسول الله - ص - كانوا أكثر من أن تحصى أسماؤهم ، فكيف
يمكن حصرهم في أربعة أو ستة ؟ ! ! وإن المتصفح لاحوال الصحابة
، وأحوال النبي - ص - يحصل له العلم اليقين بأن القرآن كان مجموعا على عهد رسول
الله - ص - وأن عدد الجامعين له لا يستهان به .
وأما ما رواه البخاري بإسناده عن أنس ، قال : مات
النبي - ص - ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن
ثابت ، وأبو زيد ، فهو مردود مطروح ، لانه معارض للروايات المتقدمة ، حتى لما
رواه البخاري بنفسه .
ويضاف إلى ذلك أنه غير قابل للتصديق به . وكيف
يمكن أن يحيط الراوي بجميع أفراد المسلمين حين وفاة النبي - ص - على كثرتهم ،
وتفرقهم في البلاد ، ويستعلم أحوالهم ليمكنه أن يحصر الجامعين للقرآن في أربعة
، وهذه الدعوى تخرص بالغيب ، وقول بغير علم .
وصفوة القول : أنه مع هذه الروايات كيف يمكن أن
يصدق أن أبا بكر
| |
* هامش * |
|
| |
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) الاتقان النوع 20 ج 1 ص 124 . ( *
)
|
|
|
كان أول من جمع القرآن بعد خلافته ؟
وإذا سلمنا ذلك فلماذا أمر زيدا وعمر بجمعه من اللخاف ، والعسب ، وصدور
الرجال ، ولم يأخذه من عبد الله ومعاذ وأبي ، وقد كانوا عند الجمع أحياء ، وقد
أمروا بأخذ القرآن منهم ، ومن سالم ؟
نعم إن سالما قد قتل في حرب اليمامة ، فلم يمكن الاخذ منه . على أن زيدا نفسه
كان أحد الجامعين للقرآن على ما يظهر من هذه الرواية ، فلا حاجة إلى التفحص
والسؤال من غيره ، بعد أن كان شابا عاقلا غير متهم كما يقول أبو بكر ، أضف إلى
جميع ذلك أن أخبار الثقلين المتظافرة تدلنا على أن القرآن كان مجموعا على عهد
رسول الله - ص - على ما سنشير إليه .
|