- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 220 : -

شبهات القائلين بالتحريف :


وهنا شبهات يتشبث بها القائلون بالتحريف لا بد لنا من التعرض لها ودفعها واحدة واحدة :

الشبهة الاولى : أن التحريف قد وقع في التوراة والانجيل ، وقد ورد في الروايات المتواترة من طريقي الشيعة والسنة : أن كل ما وقع في الامم السابقة لا بد وأن يقع مثله في هذه الامة، فمنها ما رواه الصدوق في " الاكمال " عن غياث بن ابراهيم ،

عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال : " قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : كل ما كان في الامم السالفة ، فإنه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة " ( 1 ) .


ونتيجة ذلك : أن التحريف لا بد من وقوعه في القرآن ، وإلا لم يصح معنى هذه الاحاديث .

 

( 1 ) البحار باب افتراق الامة بعد النبي - ص - على ثلاث وسبعين فرقة ج 8 ص 4 . وقد تقدم بعض مصادر هذا الحديث من طرق أهل السنة في ما تقدم من هذا الكتاب . ( * )

 

 

-  ص 1 -

والجواب عن ذلك :

أولا : أن الروايات المشار إليها أخبار آحاد لا تفيد علما ولا عملا ، ودعوى التواتر فيها جزافية لا دليل عليها ، ولم يذكر من هذه الروايات شئ في الكتب الاربعة ، ولذلك فلا ملازمة بين وقوع التحريف في التوراة ووقوعه في القرآن .


ثانيا : أن هذا الدليل لو تم لكان دالا على وقوع الزيادة في القرآن أيضا ، كما وقعت في التوراة والانجيل ، ومن الواضح بطلان ذلك .


ثالثا : أن كثيرا من الوقائع التي حدثت في الامم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الامة ، كعبادة العجل ، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة ، وغرق فرعون وأصحابه ، وملك سليمان للانس والجن ، ورفع عيسى إلى السماء وموت هارون وهو وصي

موسى قبل موت موسى نفسه ، وإتيان موسى بتسع آيات بينات ، وولادة عيسى من غير أب ، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير ، وغير ذلك مما لا يسعنا إحصاؤه ، وهذا أدل دليل على عدم إرادة الظاهر من تلك الروايات ، فلا بد من إرادة المشابهة في بعض الوجوه .


وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الامة عدم اتباعهم لحدود القرآن ، وإن أقاموا حروفه كما في الرواية التي تقدمت في صدر البحث ، ويؤكد ذلك ما رواه أبو واقد الليثي : " أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما خرج إلى خيبر

مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط ، يعلقون عليها أسلحتهم . فقالوا : يا رسول الله إجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم سبحان الله هذا كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، والذي نفسي

بيده لتركبن سنة من كان قبلكم " ( 1 ) فإن هذه الرواية صريحة في أن الذي يقع في هذه الامة ، شبيه بما وقع في تلك الامم من بعض الوجوه .
 

 

( 1 ) صحيح الترمذي ، باب ما جاء لتركبن سنن من قبلكم ج 9 ص 26 . ( * )

 

 

-  ص 222 -

رابعا : لو سلم تواتر هذه الروايات في السند ، وصحتها في الدلالة ، لما ثبت بها أن التحريف قد وقع فيما مضى من الزمن ، فلعله يقع في المستقبل زيادة ونقيصة ، والذي يظهر من رواية البخاري تحديده بقيام الساعة ، فكيف يستدل بذلك على وقوع التحريف في صدر الاسلام ، وفي زمان الخلفاء .


 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب