- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 201 : -

 3 - نسخ التلاوة :


ذكر أكثر علماء أهل السنة : أن بعض القرآن قد نسخت تلاوته ، وحملوا على ذلك ما ورد في الروايات أنه كان قرآنا على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيحسن بنا أن نذكر جملة من هذه الروايات ، ليتبين أن الالتزام بصحة هذه الروايات التزام بوقوع التحريف في القرآن :

 

-  ص 202 -

 1 - روى ابن عباس أن عمر قال فيما قال ، وهو على المنبر : " إن الله بعث محمدا - ص - بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها ، وعقلناها ، ووعيناها . فلذا رجم رسول الله - ص - ورجمنا بعده فأخشى إن طال

بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال . . . ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ ، من كتاب الله : أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، أو : إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم . . . " ( 1 ) .


وذكر السيوطي : أخرج ابن اشته في المصاحف عن الليث بن سعد . قال : " أول من جمع القرآن أبو بكر ، وكتبه زيد . . . وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها ، لانه كان وحده " ( 2 ) .


أقول : وآية الرجم التي ادعى عمر أنها من القرآن ، ولم تقبل منه رويت بوجوه :

منها : " إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ، نكالا من الله ، والله عزيز حكيم "

ومنها : " الشيخ والشيخة فارجموهما البتة ، بما قضيا من اللذة "

ومنها " إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة " وكيف كان فليس في القرآن الموجود ما يستفاد منه حكم الرجم .

فلو صحت الرواية فقد سقطت آية من القرآن لا محالة .


 2 - وأخرج الطبراني بسند موثق عن عمر بن الخطاب مرفوعا : " القرآن ألف ألف وسبعة وعشرون ألف حرف " ( 3 ) بينما القرآن الذي

  ( 1 ) صحيح البخاري ج 8 ص 26 وصحيح مسلم ج 5 ص 116 بلا زيادة ثم إنا .
( 2 ) الاتقان ج 1 ص 101
( 3 ) الاتقان ج 1 ص 121 . ( * )
 

 

-  ص 203 -

بين أيدينا لا يبلغ ثلث هذا المقدار ، وعليه فقد سقط من القرآن أكثر من ثلثيه .


 3 - وروى ابن عباس عن عمر أنه قال : " إن الله عز وجل بعث محمدا بالحق ، وأنزل معه الكتاب ، فكان مما أنزل إليه آية الرجم ، فرجم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ورجمنا بعده ، ثم قال : كنا نقرأ : " ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم " ، أو : " إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم " ( 1 ) .


 4 - وروى نافع أن ابن عمر قال : " ليقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه ما كله ؟ قد ذهب منه قرآن كثير ، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر " ( 2 ) .


 5 - وروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت : " كانت سورة الاحزاب تقرأ في زمن النبي صلى الله عليه واله وسلم مئتي آية ، فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الان " ( 3 ) .


 6 - وروت حميدة بنت أبي يونس . قالت : " قرأ علي أبي - وهو ابن ثمانين سنة - في مصحف عائشة : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ، وعلى الذين يصلون الصفوف الاول . قالت : قبل أن يغير عثمان المصاحف " ( 4 ) .


 7 - وروى أو حرب ابن أبي الاسود عن أبيه . قال :

  ( 1 ) مسند أحمد ج 1 ص 47 .
( 2 ) الاتقان ج 2 ص 40 - 41
( 3 ) نفس المصدر ج 2 ص 40 - 41
( 4 ) الاتقان ج 2 ص 40 - 41 .
 

 

-  ص 204 -

" بعث أبو موسى الاشعري إلا قراء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل . قد قرأوا القرآن . فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب العرب من كان قبلكم ، وإنا كنا نقرأ سورة كنا

نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها ، غير أني قد حفظت منها : لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملا جوف ابن آدم إلا التراب . وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فانسيتها ، غير أني حفظت منها : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم ، فتسألون عنها يوم القيامة " ( 1 ) .


 8 - وروى زر . قال : قال أبي بن كعب يا زر : " كأين تقرأ سورة الاحزاب قلت : ثلاث وسبعين آية . قال : إن كانت لتضاهي سورة البقرة ، أو هي أطول من سورة البقرة . . . " ( 2 ) .


 9 - وروى ابن أبي داود وابن الانباري عن ابن شهاب . قال : " بلغنا أنه كان أنزل قرآن كثير ، فقتل علماؤه يوم اليمامة ، الذين كانوا قد وعوه ، ولم يعلم بعدهم ولم يكتب . . . " ( 3 )


 10 - وروى عمرة عن عائشة أنها قالت : " كان فيما انزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحر من ثم نسخن ب‍ : خمس معلومات ، فتوفي رسول الله - ص - وهو فيما يقرأ من القرآن " ( 4 ) .


 11 - وروى المسور بن مخرمة . قال :

  ( 1 ) صحيح مسلم ج 3 ص 100 .
( 2 ) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 43 .
( 3 ) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 2 ص 50 .
( 4 ) صحيح مسلم ج 4 ص 167 . ( * )
 

 

-  ص 205 -

" قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : ألم تجد فيما انزل علينا . أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة . فإنا لا تجدها . قال : اسقطت فيما اسقط من القرآن " ( 1 ) .


 12 - وروى أبو سفيان الكلاعي : أن مسلمة بن مخلد الانصاري قال لهم ذات يوم : " أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف ، فلم يخبروه ، وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك ، فقال ابن مسلمة ، إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل

الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون . والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " ( 2 ) .


وقد نقل بطرق عديدة عن ثبوت سورتي الخقع والحفد في مصحف ابن عباس وأبي بن كعب " اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك ، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك بالكافرين ملحق " . وغير ذلك مما لا يهمنا استقصاؤه ( 3 ) .


وغير خفي أن القول بنسخ التلاوة بعينه القول بالتحريف والاسقاط . وبيان ذلك : أن نسخ التلاوة هذا إما أن يكون قد وقع من رسول الله - ص - وإما أن يكون ممن تصدى للزعامة من بعده ، فإن أراد القائلون
 

 

( 1 ) الاتقان ج ص 42 .           ( 2 ) نفس المصدر السابق .           ( 3 ) الاتقان ج 1 ص 122 - 213 . ( * )

 

 

-  ص 206 -

بالنسخ وقوعه من رسول الله - ص - فهو أمر يحتاج إلى الاثبات .


وقد اتفق العلماء أجمع على عدم جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد ، وقد صرح بذلك جماعة في كتب الاصول وغيرها ( 1 ) بل قطع الشافعي وأكثر أصحباه ، وأكثر أهل الظاهر بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في

إحدى الروايتين عنه ، بل إن جماعة ممن قال بإمكان نسخ الكتاب بالسنة المتواترة منع وقوعه ( 2 ) وعلى ذلك فكيف تصح نسبة النسخ إلى النبي - ص - بأخبار هؤلاء الرواة ؟ مع أن نسبة النسخ إلى النبي - ص - تنافي جملة من الروايات التي

تضمنت أن الاسقاط قد وقع بعده . وإن أرادوا أن النسخ قد وقع من الذين تصدوا للزعامة بعد النبي - ص - فهو عين القول بالتحريف . وعلى ذلك فيمكن أن يدعى أن القول بالتحريف هو مذهب أكثر علماء أهل السنة ، لانهم يقولون بجواز نسخ

التلاوة . سواء أنسخ الحكم أم لم ينسخ ، بل تردد الاصوليون منهم في جواز تلاوة الجنب ما نسخت تلاوته ، وفي جواز أن يمسه المحدث . واختار بعضهم عدم الجواز . نعم ذهبت طائفة من المعتزلة إلى عدم جواز نسخ التلاوة ( 3 ) .


ومن العجيب أن جماعة من علماء أهل السنة أنكروا نسبة القول بالتحريف إلى أحد من علمائهم حتى أن الالوسي كذب الطبرسي في نسبة القول بالتحريف إلى الحشوية ، وقال : " إن أحدا من علماء أهل السنة لم يذهب إلى ذلك " ، واعجب من

ذلك أنه ذكر أن قول البرسي بعدم التحريك نشأ من ظهور فساد قول أصحابه بالتحريف ، فالتجأ هو إلى إنكاره ( 4 ) مع انك ققد عرفت أن القول بعدم التحريك هو المشهور .

بل المتسالم عليه بين علماء الشيعة ومحققيهم ، حتى

 

( 1 ) الموافقات لابي اسحاق الشاطبي ج 3 ص 106 طبعة المطبعة الرحمانية بمصر .
( 2 ) الاحكام في اصول الاحكام للامدي ج 3 ص 217 .
( 3 ) نفس المصدر ج 3 ص 201 - 203 .
( 4 ) روح المعاني ج 1 ص 24 .

 

 

-  ص 207 -

أن الطبرسي قد نقل كلام المرتضى بطوله ، واستدلاله على بطلان القول بالتحريف بأتم بيان وأقوى حجة ( 1 ) .

 

 

 

( 1 ) مجمع البيان ج 1 مقدمة الكتاب ص 15 . ( * )

 

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب