- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 15 : -

فضل القرآن
 

-  ص 16 -

عجز الانسان عن وصف القرآن .
من هم أعرف الناس بمنزلته .
حديث الرسول في فضل القرآن .
صيانة القرآن من التلاعب .
عاصميته للامة من الاختلاف .
خلوده وشموله .
فضل قراءة القرآن .
الاحاديث الموضوعة في قراءته .
التدبر في القرآن .
معرفة تفسيره .
حث الكتاب ، والسنة ، وحكم العقل على التدبر في القرآن .
 

-  ص 17 -

من الخير أن يقف الانسان دون ولوج هذا الباب ، وأن يتصاغر أمام هذه لعظمة ، وقد يكون الاعتراف بالعجز خيرا من المضي في البيان .

ماذا يقول الواصف في عظمة القرآن ، وعلو كعبه ؟
وماذا يقول في بيان فضله ، وسمو مقامه ؟
وكيف يستطيع الممكن أن يدرك مدى كلام الواجب ؟
وماذا يكتب لكاتب في هذا الباب ؟
وماذا يتفؤه به الخطيب ؟
وهل يصف المحدود إلا محدودا ؟ .

وحسب القرآن عظمة ، وكفاه منزلة وفخرا أنه كلام الله العظيم ، ومعجزة نبيه الكريم ، وأن آياته هي المتكفلة بهداية البشر في جميع شؤونهم وأطوارهم في أجيالهم وأدوارهم ، وهي الضمينة لهم بنيل الغاية القصوى والسعادة الكبرى في العاجل والآجل :

" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم 17 : 9 .
كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد 14 : 1 .
هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 3 : 138 " . ( * ) ( البيان - 2 )
 

-  ص 18 -

وقد ورد في الاثر عن النبي صلى الله عليه واله وسلم : " فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " ( 1 ) .


نعم من الخير أن يقف الانسان دون ولوج هذا الباب ، وأن يكل بيان فضل القرآن إلى نظراء القرآن ، فإنهم أعرف الناس بمنزلته ، وأدلهم على سمو قدره ، وهم قرناؤه في الفضل ، وشركاؤه في الهداية ، أما جدهم الاعظم فهو الصادع بالقرآن ، والهادي إلى أحكامه ، والناشر لتعاليمه .


وقد قال صلى الله عليه واله وسلم : " إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " ( 2 ) .


فالعترة هم الادلاء على القرآن ، والعالمون بفضله . فمن الواجب أن نقتصر على أقوالهم ، ونستضئ بإرشاداتهم . ولهم في فضل القرآن أحاديث كثيرة جمعها شيخنا المجلسي في ( البحار ) الجزء التاسع عشر منه .


ونحن نكتفي بذكر بعض ما ورد : روى الحارث الهمداني ( 3 ) قال : " دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث فدخلت على علي فقلت : ألا ترى أن أناسا يخوضون في الاحاديث في المسجد ؟ فقال : قد فعلوها ؟ قلت : نعم ، قال : أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول :
 

 

( 1 ) بحار الانوار ج 19 ص 6 ، صحيح الترمذي بشرح ابن العربي ج 11 ص 47 ، أبواب فضائل القرآن .
( 2 ) رواه الترمذي ج 13 ص 200 ، 201 مناقب أهل البيت . راجع بقية المصادر في قسم التعليقات رقم ( 1 ) .
( 3 ) انظر ترجمة الحارث وافتراء الشعبي عليه في قسم التعليقات رقم ( 2 ) . ( * )

 

 

-  ص 19 -

ستكون فتن ، قلت : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله ، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم . هو الفصل ليس بالهزل ، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، فهو حبل الله المتين ،

وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الاهواء ، ولا تلتبس به الالسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه . وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ،

هو الذي من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به اجر ، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم ، خذها اليك يا أعور " ( 1 ) .


وفي الحديث مغاز جليلة يحسن أن نتعرض لبيان أهمها . يقول صلى الله عليه واله وسلم : " فيه نبأ ما كان قبلكم . وخبر ما بعدكم " والذي يحتمل في هذه الجملة وجوه :

الاول : أن تكون إشارة إلى اخبار النشأة الاخرى من عالمي البرزخ والحساب والجزاء على الاعمال . ولعل هذا الاحتمال هو الاقرب ، ويدل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته : " فيه نبأ من كان قبلكم والحكم فيما بينكم وخبر معادكم " ( 2 ) .
 

الثاني : أن تكون إشارة إلى المغيبات التي أنبأ عنها القرآن ، مما يقع في الاجيال المقبلة .

 

( 1 ) هكذا في سنن الدارمي ج 2 ص 435 ، كتاب فضائل القرآن ومع اختلاف يسير في ألفاظه في صحيح الترمذي ج 11 ص 30 أبواب فضائل القرآن . وفي بحار الانوار ج 9 ص 7 عن تفسير العياشي .
( 2 ) بحار الانوار ج 19 ص 6 . ( * )

 

 

-  ص 20 -

الثالث : أن يكون معناها أن حوادث الامم السابقة تجري بعينها في هذه الامة ، فهي بمعنى قوله تعالى : * ( لتركبن طبقا عن طبق 84 : 19 ) * ، وبمعنى الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه وآله " لتركبن سنن من قبلكم " ( 1 ) .


أما قوله صلى الله عليه وآله وسلم : " من تركه من جبار قصمه الله " فلعل فيه ضمانا بحفظ القرآن عن تلاعب الجبارين ، بحيث يؤدي ذلك إلى ترك تلاوته وترك العمل به ، والى جمعه من أيدي الناس كما صنع بالكتب الالهية السابقة ( 2 ) فتكون إشارة إلى حفظ القرآن من التحريف . وسنبحث عنه مفصلا .


وهذا أيضا هو معنى قوله في الحديث : " لا تزيغ به الاهواء " بمعنى لا تغيره عما هو عليه ، لان معاني القرآن قد زاغت بها الاهواء فغيرتها . وسنبين ذلك مفصلا عند تفسير الآيات إن شاء الله تعالى .


وأشار الحديث إلى أن الامة لو رجعوا إلى القرآن في خصوماتهم ، وما يلتبس عليهم في عقائدهم وأعمالهم لاوضح لهم السبيل . ولوجدوه الحكم العدل ، والفاصل بين الحق والباطل .


نعم ، لو أقامت الامة حدود القرآن ، واتبعت مواقع إشاراته وإرشاداته ، لعرفت لحق وأهله ، وعرفت حق العترة الطاهرة الذين جعلهم النبي صلى الله عليه واله وسلم قرناء الكتاب ، وأنهم الخليفة الثانية على الامة من بعده ( 3 ) ولو استضاءت

الامة بأنوار معارف القرآن ، لامنت العذاب الواصب ، ولما تردت في العمى ، ولا غشيتهم حنادس الضلال ، ولا عال سهم من فرائض الله ، ولا زلت قدم عن الصراط السوي ، ولكنها أبت إلا الانقلاب على الاعقاب ، واتباع الاهواء ، والانضواء
 

 

( 1 ) ورد هذا اللفظ في كنز العمال ج 6 ص 40 ، من حديث سهل بن سعد . انظر بقية المصادر في قسم التعليقات رقم ( 3 ) .
( 2 ) راجع الهدى إلى دين المصطفى ج 1 ص 34 ، لآية الله الحجة الشيخ محمد جواد البلاغي .
( 3 ) تقدم مصادر حديث الثقلين في ص 26 رقم ( 2 ) ، وفي بعض نصوصه تصريح بأن القرآن والعترة خليفتا الرسول " ص " .( * )

 

 

-  ص 21 -

إلى راية الباطل حق آل الامر إلى أن يكفر بعض المسلمين بعضا ، ويتقرب إلى الله بقتله ، وهتك حرمته ، وإباحة ماله ، وأي دليل على إهمال الامة للقرآن أكبر من هذا التشتت العظيم ؟ ! !


وقال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة القرآن : " ثم أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توقده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضل نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوءه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا ( 1 ) لا تهدم

أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزا لا تهزم أنصاره ، وحقا لا تخذل أعوانه ، فهومعدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافي الاسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغيطانه ، وبحر لا ينزفه المنتزفون ، وعيون

لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون ، جعله الله ريا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاج لطرق الصلحاء ، ودواء ليس

بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزا لمن تولاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتم به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلم به ، وشاهدا لمن خاصم به ، وفلجا لمن حاج به ، وحاملا لمن حمله ، ومطية لمن أعمله ، وآية لمن توسم ،
 

  ( 1 ) في بحار الانوار " بنيانا " بدل " تبيانا " . ( * )  

 

-  ص 22 -

وجنة لمن استلام ، وعلما لمن وعى ، وحديث لمن روى وحكما لمن قضى " ( 1 ) .


وقد استعرضت هذه الخطبة الشريفة كثيرا من الامور المهمة التي يجب الوقوف عليها ، والتدبر في معانيها .

فقوله : " لا يخبو توقده " ( 2 ) يريد بقوله هذا وبكثير من جمل هذه الخطبة أن القرآن لا تنتهي معانيه ، وأنه غض جديد إلى يوم القيامة . فقد تنزل الآية في مورد أو في شخص أو في قوم ، ولكنها لا تختص بذلك المورد أو ذلك الشخص أو أولئك القوم ، فهي عامة المعنى .


وقد روى العياشي بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى ، * ( ولكل قوم هاد 12 : 8 ) * . أنه قال : " علي : الهادي ، ومنا الهادي ، فقلت : فأنت جعلت فداك الهادي . قال : صدقت إن القرآن حي لا يموت ، والآية حية لا تموت ، فلو كانت الآية إذا نزلت في الاقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين " .


وعن أبي عبد الله عليه السلام : " إن القرآن حي لم يمت ، وإنه يجري كما يجري الليل والنهار ، وكما تجري الشمس والقمر ، ويجري على آخرنا كما يجري على أولنا " .
 

 

( 1 ) نهج البلاغة من خطبة أولها : " يعلم عجيج الوحوش " .

( 2 ) خبت النار : خمد لهبها . ( * )

 

 

-  ص 23 -

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قال لعمر بن يزيد لما سأله عن قوله تعالى : " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل 13 : 21 " : " هذه نزلت في رحم آل محمد صلى الله عليه واله وسلم وقد تكون في قرابتك ، فلا تكونن ممن يقول للشئ : إنه في شئ واحد " .


وفي تفسير الفرات : " ولو أن الآية إذا نزلت في قوم ثم مات اولئك ماتت الآية لما بقي من القرآن شئ ، ولكن القرآن يجري أوله على آخره مادامت السماوات والارض ، ولكل قوم آية يتلوها هم منها من خير أو شر " . إلى غير هذه من الروايات الواردة في المقام ( 1 ) .


" ومنها جالا يضل نهجه " يريد به : أن القرآن طريق لا يضل سالكه ، فقد أنزله الله تعالى هداية لخلقه ، فهو حافظ لمن اتبعه عن الضلال .


" وتبيانا لا تهدم أركانه " المحتمل في المراد من هذه الجملة أحد وجهين :

( الاول ) أن أركان القرآن في معارفه وتعاليمه ، وجميع ما فيه من الحقائق محكمة لا تقبل التضعضع والانهدام .

( الثاني ) أن القرآن بألفاظه لا يتسرب إليه الخلل والنقصان ، فيكون فيها إيماء إلى حفظ القرآن عن التحريف . " ورياض العدل وغدرانه " ( 2 ) معنى هذه الجملة : أن العدل بجميع نواحيه
 

  ( 1 ) مرآة الانوار ص 3 ، 4 .
( 2 ) الرياض جمع روضة ، وهي الارض الخضرة بحسن النبات . والغدران جمع غدير وهو الماء الذي تغدره السيول . والعدل الاستقامة
 

 

-  ص 24 -

من الاستقامة في العقيدة والعمل والاخلاق قد اجتمع في الكتاب العزيز ، فهو مجمع العدالة وملتقى متفرقاتها .


" وأثافي الاسلام " ( 1 ) ومعنى ذلك : أن استقامة الاسلام وثباته بالقرآن كما أن استقامة القدر على وضعه الخاص تكون بسبب الاثافي .


" وأودية الحق وغيطانه " يريد بذلك : أن القرآن منابت الحق ، وفى الجملة تشبيه القرآن بالارض الواسعة المطمئنة ، وتشبيه الحق بالنبات النابت فيها . وفي ذلك دلالة على أن المتمسك بغير القرآن لا يمكن أن يصيب الحق ، لان القرآن هو منبت الحق ، ولا حق في غيره .


" وبحر لا ينزفه المنتزفون " ( 2 ) ومعنى هذه الجملة والجمل التي بعدها : أن المتصدين لفهم معاني القرآن لا يصلون إلى منتهاه ، لانه غير متناهي المعاني ، بل وفيها دلالة على أن معاني القرآن لا تنقص أصلا ، كما لا تنضب العيون الجارية بالسقاية منها .


" وآكام لا يجوز عنها القاصدون " ( 3 ) والمراد أن القاصدين لا يصلون إلى أعالي الكتاب ليتجاوزوها . وفي هذا القول إشارة إلى أن للقرآن بواطن لا تصل إليها أفهام اولي الافهام .


وسنبين هذا في ما سيأتي إن شاء الله تعالى . وقد يكون المراد أن القاصدين إذا وصلوا إلى أعاليه وقفوا عندها ولم يطلبوا غيرها ، لانهم يجدون مقاصدهم عندها على الوجه الاتم .

 

 

( 1 ) الاثافي كأماني جمع اثفية - بالضم والكسر - وهي الحجارة التي يوضع عليها القدر .
( 2 ) نزف ماء البئر : نزح كله .
( 3 ) والآكام جمع اكم ، كقصب ، وهو جمع أكمة ، كقصبة ، وهي التل . ( * )

 

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب