- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 157 : -

أدلة تواتر القراءات :


وأما القائلون بتواتر القراءات السبع فقد استدلوا على رأيهم بوجوه :

الاول : دعوى قيام الاجماع عليه من السلف إلى الخلف . وقد وضح للقارئ فساد هذه الدعوى ، على أن الاجماع لا يتحقق باتفاق أهل مذهب واحد عند مخالفة الآخرين . وسنوضح ذلك في الموضع المناسب إن شاء الله تعالى .


الثاني : ان اهتمام الصحابة والتابعين بالقرآن يقضي بتواتر قراءته ، وإن ذلك واضح لمن أنصف نفسه وعدل . الجواب : إن هذا الدليل إنما يثبت تواتر نفس القرآن ، لا تواتر كيفية قراءته ، وخصوصا مع كون القراءة عند جمع منهم مبتنية على

الاجتهاد ، أو على السماع ولو من الواحد . وقد عرفت ذلك مما تقدم ، ولولا ذلك لكان مقتضى هذا الدليل أن تكون جميع القراءات متواترة ، ولا وجه لتخصيص الحكم بالسبع أو العشر .


وسنوضح للقارئ أن حصر القراءات في السبع إنما حدث في القرن الثالث الهجري ، ولم يكن له قبل هذا الزمان عين ولا أثر ، ولازم ذلك أن

-  ص 158 -

نلتزم إما بتواتر الجميع من غير تفرقة بين القراءات ، وإما بعدم تواتر شئ منها في مورد الاختلاف ، والاول باطل قطعا فيكون الثاني هو المتعين .


الثالث : ان القراءات السبع لو لم تكن متواترة لم يكن القرآن متواترا والتالي باطل بالضرورة فالمقدم مثله : ووجه التلازم أن القرآن إنما وصل الينا بتوسط حفاظه ، والقراء المعروفين ، فإن كانت قراءاتهم متواترة فالقرآن متواتر ، وإلا فلا . وإذن فلا محيص من القول بتواتر القراءات .

الجواب :

 1 - ان تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات ، لان الاختلاف في كيفية الكلمة لا ينافي الاتفاق على أصلها ، ولهذا نجد أن اختلاف الرواة في بعض ألفاظ قصائد المتنبي - مثلا - لا يصادم تواتر القصيدة عنه وثبوتها له ، وان اختلاف الرواة في خصوصيات هجرة النبي لا ينافي تواتر الهجرة نفسها .


 2 - ان الواصل الينا بتوسط القراء إنما هو خصوصيات قراءاتهم . وأما أصل القرآن فهو واصل الينا بالتواتر بين المسلمين ، وبنقل الخلف عن السلف . وتحفظهم على ذلك في صدورهم وفي كتاباتهم ، ولا دخل للقراء في ذلك أصلا ، ولذلك فإن

القرآن ثابت التواتر حتى لو فرضنا أن هؤلاء القراء السبعة أو العشرة لم يكونوا موجودين أصلا . وعظمة القرآن أرقي من أن تتوقف على نقل اولئك النفر المحصورين .


الرابع : ان القراءات لو لم تكن متواترة لكان بعض القرآن غير متواتر مثل " ملك " و " مالك " ونحوهما ، فإن تخصيص أحدهما تحكم باطل . وهذا الدليل ذكره ابن الحاجب وتبعه جماعة من بعده .

الجواب :

 1 - ان مقتضى هذا الدليل الحكم بتواتر جميع القراءات ، وتخصيصه بالسبع

-  ص 159 -

أيضا تحكم باطل . ولا سيما أن في غير القراء السبعة من هو أعظم منهم وأوثق ، كما اعترف به بعضهم ، وستعرف ذلك . ولو سلمنا أن القراء السبعة أو ثق من غيرهم ، وأعرف بوجوه القراءات ، فلا يكون هذا سببا لتخصيص التواتر بقراءاتهم

دون غيرهم . نعم ذلك يوجب ترجيح قراءاتهم على غيرها في مقام العمل ، وبين الامرين بعد المشرقين ، والحكم بتواتر جميع القراءات باطل بالضرورة .


 2 - ان الاختلاف في القراءة إنما يكون سببا لالتباس ما هو القرآن بغيره ، وعدم تميزه من حيث الهيئة أو من حيث الاعراب ، وهذا لا ينافي تواتر أصل القرآن ، فالمادة متواترة وإن اختلف في هيئتها أو في إعرابها ، وإحدى الكيفيتين أو الكيفيات من القرآن قطعا وإن لم تعلم بخصوصها .


تعقيب : ومن الحق إن تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات .

وقد اعترف بذلك الزرقاني حيث قال : يبالغ بعضهم في الاشادة بالقراءات السبع ، ويقول من زعم أن القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر فقوله كفر ، لانه يؤدي إلى عدم تواتر القرآن جملة ، ويعزى هذا الرأي إلى مفتي البلاد الاندلسية الاستاذ أبي سعيد فرج ابن لب ، وقد تحيس لرأيه كثيرا وألف رسالة كبيرة في تأييد مذهبه .


والرد على من رد عليه ، ولكن دليلة الذي استند إليه لا يسلم . فإن القول بعدم تواتر القراءات السبع لا يستلزم القول بعدم تواتر القرآن ، كيف وهناك فرق بين القرآن والقراءات السبع ، بحيث يصح أن يكون القرآن ، متواترا في غير القراءات

السبع ، أو في القدر الذي اتفق عليه القراء جميعا . أو في القدر الذي اتفق عليه عدد يؤمن تواطؤهم على الكذب قراء كانوا أو غير قراء ( 1 ) .
 

 

( 1 ) مناهل العرفان ص 248 . ( * )

 

 

-  ص 160 -

وذكر بعضهم : ان تواتر القرآن لا يستلزم تواتر القراءات ، وانه لم يقع لاحد من أئمة الاصوليين تصريح بتواتر القراءات وتوقف تواتر القرآن على تواترها ، كما وقع لابن الحاجب ( 1 ) .


قال الزركشي في البرهان : للقرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه واله وسلم للبيان والاعجاز ، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف ، وكيفيتها من تخفيف وتشديد غيرهما ، والقراءات السبع متواترة عند الجمهور ، وقيل بل هي مشهورة .


وقال أيضا : والتحقيق انها متواترة عن الائمة السبعة . أما تواترها عن النبي صلى الله عليه واله وسلم ففيه نظر ، فإن اسنادهم بهذه القراءات السبع موجود في كتب القراءات ، وهي نقل الواحد عن الواحد ( 2 ) .

 

 

( 1 ) التبيان ص 105 .                             ( 2 ) الاتقان النوع 22 - 27 ج 1 ص 138 . ( * )

 

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب