- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 11 : -

مقدمة الطبعة الاولى

لماذا وضعت هذا التفسير ؟

كنت ولعا منذ أيام الصبا بتلاوة كتاب الله الاعظم ، واستكشاف غوامضه واستجلاء معانيه . وجدير بالمسلم الصحيح ، بل بكل مفكر من البشر أن يصرف عنايته إلى فهم القرآن ، واستيضاح أسراره ، واقتباس أنواره ، لانه الكتاب الذي يضمن إصلاح البشر ، ويتكفل بسعادتهم وإسعادهم .


والقرآن مرجع اللغوي ، ودليل النحوي ، وحجة الفقيه ، ومثل الاديب ، وضالة الحكيم ، ومرشد الواعظ ، وهدف الخلقي ، وعنه تؤخذ علوم الاجتماع والسياسة المدنية ، وعليه تؤسس علوم الدين ، ومن إرشاداته تكتشف أسرار الكون ، ونواميس التكوين .


والقرآن هو المعجزة الخالدة للدين الخالد ، والنظام السامي الرفيع للشريعة السامية الرفيعة . أولعت منذ صباي بتلاوته ، واستيضاح معانيه ، واستظهار مراميه ، فكان هذا الولع يشتد بي كلما استوضحت ناحية من نواحيه ، واكتشفت سرا من أسراره ، وكان هذا الولع الشديد باعثا قويا يضطرني إلى مراجعة كتب التفسير ، وإلى سبر أغوارها .


وهنا رأيت ما أدهشني وحيرني : رأيت صغارة الانسان في تفسيره وتفكيره أمام عظمة الله في قرآنه . رأيت نقص المخلوق في تناهيه وخضوعه أمام كمال الخالق في وجوبه وكبريائه .
 

-  ص 12 -

رأيت القرآن يترفع ويرتفع ، ورأيت هذه الكتب تصغر وتتصاغر . رأيت الانسان يجهد نفسه ليكتشف ناحية خاصة أوناحيتين ، فيحرر ما اكتشفه في كتاب ، ثم يسمي ذلك الكتاب تفسيرا يجلو غوامض القرآن ، ويكشف أسراره ، وكيف يصح في العقول أن يحيط الناقص بالكامل .


على أن هؤلاء العلماء مشكورون في سعيهم ، مبرورون في جهادهم . فإن كتاب الله ألقى على نفوسهم شعاعا من نوره ، ووضحا من هداه ، وليس من الانصاف أن نكلف أحدا - وإن بلغ ما بلغ من العلم والتبحر - أن يحيط بمعاني كتاب الله

الاعظم ، ولكن الشئ الذي يؤخذ على المفسرين أن يقتصروا على بعض النواحي الممكنة ، ويتركوا نواحي عظمة القرآن الاخرى ، فيفسره بعضهم من ناحية الادب أو الاعراب ، ويفسره الآخر من ناحية الفلسفة ، وثالث من ناحية العلوم الحديثة

أو نحو ذلك ، كأن القرآن لم ينزل إلا لهذه الناحية التي يختارها ذلك المفسر ، وتلك الوجهة التي يتوجه إليها .


وهناك قوم كتبوا في التفسير غير أنه لا يوجد في كتبهم من التفسير إلا الشئ اليسير ، وقوم آخرون فسروه بآرائهم ، أو اتبعوا فيه قول من لم يجعله الله حجة بينه وبين عباده .


على المفسر : أن يجري مع الآية حيث تجري ، ويكشف معناها حيث تشير ، ويوضح دلالتها حيث تدل . عليه أن يكون حكيما حين تشتمل الآية على الحكمة ، وخلقيا حين ترشد الآية إلى الاخلاق ، وفقيها حين تتعرص للفقه ، واجتماعيا حين تبحث في الاجتماع ، وشيئا آخر حين تنظر في أشياء أخر .


على المفسر : أن يوضح الفن الذي يظهر في الآية ، والادب الذي يتجلى بلفظها ، عليه أن يحرر دائرة لمعارف القرآن إذا أراد أن يكون مفسرا . والحق أني لم أجد من تكفل بجميع ذلك من المفسرين .


من أجل ذلك صمت على وضع هذا الكتاب في التفسير ، آملا من الحق تعالى أن يسعفني بما أملت ، ويعفو عني فيما قصرت . وقد التزمت في كتابي هذا أن أجمع فيه ما يسعني فهمه من علوم القرآن التي تعود إلى المعنى . أما علوم
 

-  ص 13 -

أدب القرآن فلست أتعرض لها غالبا لكثرة من كتب فيها من علماء التفسير ، كالشيخ الطوسي في ( التبيان ) والطبرسي في ( مجمع البيان ) والزمخشري في ( الكشاف ) .


نعم قد أتعرض لهذه الجهات إذا أوجب البحث علي أن أتعرض لها أو رأيت جهة مهمة أغفلها علماء التفسير وقد أتعرض لبعض الجهات المهمة وإن لم يغفلها العلماء .


وسيجد القارئ أني لا أحيد في تفسيري هذا عن ظواهر الكتاب ومحكماته وما ثبت بالتواتر أو بالطرق الصحيحة من الآثار الواردة عن أهل بيت العصمة ، من ذرية الرسول - صلى الله عليه واله وسلم - وما استقل به العقل الفطري الصحيح الذي جعله الله حجة باطنة كما جعل نبيه - صلى الله عليه واله وسلم - وأهل بيته المعصومين عليهم السلام حجة ظاهرة ( 1 ) .


وسيجد القارئ أيضا أني كثيرا ما أستعين بالآية على فهم اختها ، واسترشد القرآن إلى إدراك معاني القرآن ، ثم أجعل الاثر المروي مرشدا إلى هذه الاستفادة .


وهنا مباحث مهمة لها صلة وثقى بالمقصود تلقي أضواء على نواح شتى قدمتها لتكون : مدخل التفسير : وهو يشتمل على موضوعات علمية تتصل بالقرآن من حيث عظمته وإعجازه ومن حيث صيانته عن التحريف ، وسلامته من التناقض ،

والنسخ في تشريعاته ، وما إلى ذلك من مسائل علمية ينبغي تصفيتها كمدخل لفهم القرآن ومعرفته ، والبدء بتفسيره على أساس علمي سليم . واليه جل شأنه ابتهل أن يمدني بالتوفيق ، ويلحظ عملي بعين القبول . انه حميد مجيد . المؤلف

 

  * هامش *  
  ( 1 ) اصول الكافي " كتاب العقل والجهل " الرواية 12 . ( * )  

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب