- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 91 : -

وقالوا : 8 - ذكر التاريخ أن أبا بكر لما أراد جمع القرآن ، أمر عمر وزيد بن ثابت أن يقعدا على باب المسجد ، وأن يكتبا ما شهد شاهدان على أنه من كتاب الله ، وفي هذا شهادة على أن القرآن ليس خارقا للعادة ، لانه لو كان خارقا للعادة بنفسه لم يحتج إلى الشهادة عليه ، ولكان بنفسه شاهدا على نفسه .


الجواب :

أولا : إن القرآن معجزة في بلاغته واسلوبه ، لا في كل كلمة من كلماته ، وإذن فقد يقع الشك في تحريف بعض الكلمات المفردة ، أو في زيادتها ونقصانها .

-  ص 92 -

وشهادة الشاهدين - إذا صحت أخبارها - إنما هي لرفع هذه الاحتمالات التي تعرض من سهو القارئ أو من عمده ، على أن عجز البشر عن الاتيان بسورة من مثل القرآن لا ينافي قدرتهم على الاتيان بآية ، أو ما يشبه الاية ، فإن ذلك أمر ممكن ، ولم يدع المسلمون استحالة ذلك ، ولم يذكره القرآن عند التحدي بالمعارضة .


ثانيا : إن هذه الاخبار التي دلت على جمع القرآن في عهد أبى بكر بشهادة شاهدين من الصحابة ، كلها أخبار آحاد : لا تصلح أن تكون دليلا في أمثال ذلك .


ثالثا : إنها معارضة بأخبار كثيرة دلت على أن القرآن قد جمع في عهد النبي - ص - وكان كثير من الصحابة يحفظ جميع القرآن . وأما الحافظون منهم لبعض سوره وأجزائه فلا يعلم عددهم إلا الله تعالى . على أن النظرة العقلية البسيطة تشهد بكذب تلك الاخبار التي استدل بها الخصم .


فإن القرآن هو السبب الاعظم في هداية المسلمين ، وفي خروجهم من ظلمات الشقاء والجهل إلى نور السعادة والعلم ، وقد بلغ المسلمون في العناية بالقرآن الدرجة القصوى ، فقد كانوا يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار ، وكانوا يتفاخرون في حفظه واتقانه ويتبركون بسوره وآياته ، والنبي يحثهم على ذلك .


فهل يحتمل عاقل بعد هذا كله أن يقع الشك فيه عندهم حتى يحتاج إثباته إلى شاهدين ؟ . وسنثبت - إن شاء الله تعالى - فيما يأتي ان القرآن كان مجموعا في عهد النبي صلى الله عليه واله وسلم


وقالوا : 9 - إن للقرآن اسلوبا يباين أساليب البلغاء المعروفة ، فقد خلط بين المواضيع المتعددة ، فبينا هو يتكلم في التاريخ إذا به ينتقل إلى الوعد والوعيد ، إلى الحكم والامثال ، إلى جهات اخرى . ولو كان القرآن مبوبا يجمع في كل موضوع ما يتصل به من الايات ، لكانت فائدته أعظم ، وكانت الاستفادة منه أسهل .
 

-  ص 93 -

الجواب : إن القرآن أنزل لهداية البشر ، وسوقهم إلى سعادتهم في الاولى والاخرى ، وليس هو بكتاب تاريخ ، أو فقه ، أو أخلاق . أو ما يشبه ذلك ليعقد لكل من هذه الجهات بابا مستقلا .


ولا ريب في أن اسلوبه هذا أقرب الاساليب إلى حصول النتيجة المقصودة ، فإن القارئ لبعض سور القرآن يمكنه أن يحيط بكثير من أغراضه ، وأهدافه في أقرب وقت وأقل كلفة ، فيتوجه نظره إلى المبدأ والمعاد ، ويطلع على أحوال الماضين

فيعتبر بهم . ويستفيد من الاخلاق الفاضلة ، والمعارف العالية ، ويتعلم جانبا من أحكامه في عباداته ومعاملاته . كل ذلك مع حفظ نظام الكلام ، وتوفية حقوق البيان ، ورعاية مقتضى الحال .


وهذه الفوائد لا يمكن حصولها من القرآن إذا كان مبوبا ، لان القارئ لا يحيط بأغراض القرآن إلا حين يتم تلاوة القرآن جميعه ، وقد يعوقه عائق عن الاتمام فلا يستفيد إلا من باب أو بابين .


ولعمري أن هذه إحدى الجهات المحسنة لاسلوب القرآن ، الذي حاز به الجمال والبهاء ، فإنه مع انتقاله من موضوع إلى موضوع يتحفظ على كمال الربط بينهما ، كأن كل جملة منه درة في عقد منتظم ، ولكن بغض الاسلام أعمى بصر هذا المستشكل وأصم سمعه ، حتى توهم الجمال قبحا ، والمحاسن مساوئ .


على أن القرآن قد كرر بعض القصص مرارا بعبارات مختلفة ، حسب المناسبات المقتضية للتكرار ، فلو جمعت تلك العبارات كلها في باب واحد لا نتفت تلك الفائدة الملحوظة ، وكان التكرار لغير فائدة ملموسة للقارئ .

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب