- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 86 : -

الثاني : إن القرآن قد يسند الفعل إلى العبد واختياره . فيقول : " فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر 18 : 29 " . والايات بهذا المعنى كثيرة ، فيدل على أن العبد مختار في عمله .

وقد يسند الاختيار في الافعال إلى الله تعالى . فيقول : " وما تشآؤن إلا أن يشآء الله 76 : 30 " . فزعموا أنه يدل على أن العبد مجبور في فعله . وقالوا : هذا تناقض واضح ، والتأويل في الايات خلاف الظاهر ، وقول بغير دليل .


الجواب : إن كل أنسان يدرك بفطرته أنه قادر على جملة من الافعال ، فيمكنه أن يفعلها وأن يتركها ، وهذا الحكم فطري لا يشك فيه أحد إلا أن تعتريه شبهة من خارج . وقد أطبق العقلاء كافة على ذم فاعل القبيح ، ومدح فاعل الحسن ، وهذا برهان
 

-  ص 87 -

على أن الانسان مختار في فعله ، غير مجبور عليه عند إصداره . وكل عاقل يرى أن حركته على الارض عند مشيه عليها تغاير حركته عند سقوطه من شاهق إلى الارض ، فيرى أنه مختار في الحركة الاولى ، وأنه مجبور على الحركة الثانية .

وكل إنسان عاقل يدرك بفطرته أنه وإن كان مختارا في بعض الافعال حين يصدرها وحين يتركها إلا أن أكثر مبادئ ذلك الفعل خارجة عن دائرة اختياره ، فإن من جملة مبادئ صدور الفعل نفس وجود الانسان وحياته ، وإدراكه للفعل ، وشوقه إليه

، وملاءمة ذلك الفعل لقوة من قواه ، وقدرته على إيجاده ، ومن البين أن هذا النوع من المبادئ خارج عن دائرة اختيار الانسان ، وأن موجد هذه الاشياء في الانسان هو موجد الانسان نفسه .


وقد ثبت في محله أن خالق هذه الاشياء في الانسان لم ينعزل عن خلقه بعد الايجاد ، وأن بقاء الاشياء واستمرارها في الوجود محتاج إلى المؤثر في كل آن ، وليس مثل خالق الاشياء معها كالبناء يقيم الجدار بصنعه، ثم يستغني الجدار عن بانيه ، ويستمر وجوده وإن فني صانعه ، أو كمثل الكاتب يحتاج إليه الكتاب في حدوثه ، ثم يستغني عنه في مرحلة بقائه واستمراره .


بل مثل خالق الاشياء معها " ولله المثل الاعلى " كتأثير القوة الكهربائية في الضوء . فإن الضوء لا يوجد إلا حين تمده القوة بتيارها ، ولا يزال يفتقر في بقاء وجوده إلى مدد هذه القوة في كل حين ، فإذا انفصل سلكه عن مصدر القوة في حين ، انعدم الضوء في ذلك الحين كأن لم يكن .


وهكذا تستمد الاشياء وجميع الكائنات وجودها من مبدعها الاول في كل وقت من أوقات حدوثها وبقائها ، وهي مفتقرة إلى مدده في كل حين ، ومتصلة برحمته الواسعة التي وسعت كل شئ .


وعلى ذلك ففعل العبد وسط بين الجبر والتفويض ، وله حظ من كل منهما . فإن إعمال قدرته في الفعل أو الترك وإن كان باختياره . إلا أن هذه القدرة وسائر المبادئ حين الفعل تفاض من الله ، فالفعل مستند إلى العبد من جهة والى الله من جهة اخرى والايات

-  ص 88 -

القرآنية المباركة ناظرة إلى هذا المعنى ، وأن اختيار العبد في فعله لا يمنع من نفوذ قدرة الله وسلطانه .


ولنذكر مثلا تقريبيا يتضح به للقارئ حقيقة الامر بين الامرين الذي قالت به الشيعة الامامية ، وصرحت به أئمتها ، وأشار إليه الكتاب العزيز . لنفرض إنسانا كانت يده شلاء لا يستطيع تحريكها بنفسه ، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادية

وقتية بواسطة قوة الكهرباء ، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوة لم يمكنه تحريكها أصلا ، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلا ، وابتدأ ذلك الرجل

المريض بتحريك يده ، ومباشرة الاعمال بها - والطبيب يمده بالقوة في كل آن - فلا شبهة في أن تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الامر بين الامرين ، فلا يستند إلى الرجل مستقلا ، لانه موقوف على إيصال القوة إلى يده ، وقد فرضنا أنها بفعل

الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلا ، لان التحريك قد أصدره الرجل بإرادته ، فالفاعل لم يجبر على فعله لانه مريد ، ولم يفوض إليه الفعل بجميع مبادئه ، لان المدد من غيره ، والافعال الصادرة من الفاعلين المختارين كلها من هذا النوع . فالفعل صادر بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئا إلا بمشيئة الله .


والايات القرآنية كلها تشير إلى هذا الغرض ، فهي تبطل الجبر - الذي يقول به أكثر العامة - لانها تثبت الاختيار ، وتبطل التفويض المحض - الذي يقول به بعضهم - لانها تسند الفعل إلى الله . وسنتعرض إن شاء الله تعالى للبحث تفصيلا ، ولابطال هذين القولين حين تتعرض الايات لذلك .


وهذا الذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيت - ع - وعلومهم وهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . واليك بعض ما ورد منهم : سأل رجل الصادق عليه السلام فقال :

-  ص 89 -

" قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : لا . قلت : ففوض إليهم الامر ؟ قال : قال : لا . قال : قلت : فماذا ؟ قال : لطف من ربك بين ذلك " ( 1 ) .

وفي رواية اخرى عنه : " لا جبر ولا قدر ، ولكن منزلة بينهما " ( 2 ) .

وفي كتب الحديث للامامية جملة من هذه الروايات .


وقالوا : 6 - لو كان الاتيان بكتاب ما معجزا " لعجز البشر عن الاتيان بمثله " لكان كتاب اقليدس وكتاب المجسطي معجزا ، وهذا باطل فيكون المقدم باطلا أيضا .


الجواب :

أولا : إن الكتابين المذكورين لا يعجز البشر عن الاتيان بمثلهما ، ولا يصح فيهما هذا التوهم ، كيف وكتب المتأخرين التي وضعت في هذين العلمين أرقي بيانا منهما ، وأيسر تحصيلا ، وهذه الكتب المتأخرة تفضل عليهما في نواح اخرى ، منها وجود اضافات كثيرة لا أثر لها فيهما .
 

ثانيا : إنا قد ذكرنا للمعجز شروطا ، ومن هذه الشروط أن يكون الاتيان به في مقام التحدي . والاستشهاد به على صدق دعوى منصب إلهي . ومنها أن يكون خارجا عن نواميس الطبيعة ، وكلا هذين الشرطين مفقود في الكتابين المذكورين . وقد أوضحنا ذلك أتم إيضاح في أول بحثنا عن الاعجاز .


وقالوا : 7 - إن العرب لم تعارض القرآن ، لا لكونه معجزا يعجز البشر عن الاتيان

  ( 1 ) الكافي : كتاب التوحيد . باب الجبر والقدر والامر بين الامرين . ( 2 ) نفس المصدر . ( * )  

 

-  ص 90 -

بمثله ، ولكنهم لم يعارضوه لجهات اخرى لا تعود إلى الاعجاز .

أما العرب الذين عاصروا الدعوة، أو تأخروا عنها قليلا، فقد كانت سيطرة المسلمين تمنعهم عن التصدي لذلك ، فلم يعارضوا القرآن خوفا على أنفسهم وأموالهم من هؤلاء المسيطرين ، ولما انقرضت سلطة الخلفاء الاربعة وآل الامر إلى الامويين الذين

لم تقم خلافتهم على محور الدعوة الاسلامية ، صار القرآن مأنوسا لجميع الاذهان بسبب رشاقة ألفاظه ، ومتانة معانيه ، وأصبح من المرتكزات الموروثة خلفا عن سلف ، فانصرفوا عن معارضته لذلك .


الجواب :

أولا : إن التحدي بالقرآن ، وطلب المعارضة بسورة من مثله ، قد كان من النبي - ص - في مكة قبل أن تظهر شوكة الاسلام ، وتقوى سلطة المسلمين ، ومع ذلك لم يستطع أحد من بلغاء العرب أن يقوم بهذه المعارضة .


ثانيا : إن الخوف في زمان الخلفاء ، وسيطرة المسلمين ، لم يمنع الكافر من أن يظهره كفره ، وإنكاره لدين الاسلام . وقد كان أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها بأهنأ عيش وأكرم نعمة ، وكان لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما

عليهم . ولا سيما في عصر خلافة أمير المؤمنين - عليه السلام - الذي اعترف بعدله ووفور علمه المسلمون وغيرهم . فلو كان أحد هؤلاء الكتابيين ، أو غيرهم قادرا على الاتيان بمثل القرآن ، لاظهره في مقام الاحتجاج .


ثالثا : إن الخوف لو سلم وجوده فهو إنما يمنع عن إظهار المعارضة والمجاهرة بها ، فما الذي منع الكتابيين ، أو غيرهم من معارضته سرا في بيوتهم ومجامعهم ؟ ولو ثبتت هذه المعارضة لتحفظ بها الكتابيون ليظهروها بعد زوال الخوف عنهم ، كما تحفظوا على قصص العهدين الخرافية ، وسائر ما يرتبط بدينهم .


رابعا : إن الكلام - وإن ارتفع مقامه من حيث البلاغة - إلا أن المعهود

-  ص 91 -

من الطباع البشرية أنه إذا كرر على الاسماع هبط عن مقامه الاول ، ولذلك نرى أن القصيدة البليغة إذا أعيدت على الانسان مرارا ملها ، واشمأزت نفسه منها ، فإذا سمع قصيدة اخرى فق يتراءى له في أول نظرة أنها أبلغ من القصيدة الاولى ، فإذا كررت الثانية أيضا ظهر الفرق الحقيقي بين القصيدتين .


وهذا جار في جميع ما يلتذ به الانسان ، ويدرك حسنه من مأكول ، وملبوس ومسموع وغيرها . والقران لو لم يكن معجزا لكان اللازم أن يجري على هذا المقياس ، وينحط في نفوس السامعين عن مقامه الاول ، مهما طال به الزمان وطرأ عليه

التكرار ، وبذلك تسهل معارضته ، ولكنا نرى القرآن على كثرة تكراره وترديده ، لا يزداد إلا حسنا وبهجة ، ولا يثمر إلا عرفانا ويقينا ، ولا ينتج إلا إيمانا وتصديقا ، فهو في هذه المزية على عكس الكلام مألوف . وإذن فهذا الوجه يؤكد إعجازه لا أنه ينافيه كما يتوهمه هذا الخصم .


خامسا : إن التكرار لو فرض أنه يوجب انس النفوس به ، وانصرافها عن معارضته ، فهو إنما يتم عند المسلمين الذين يصدقون به ، ويستمعون إليه برغبة واشتياق كلما تكررت تلاوته ، فلما ذا لا يعارضه غيره المسلمين من العرب الفصحاء ؟ لتقع هذه المعارضة موقع القبول ولو من غير المسلمين .

 

 

قسم القرآن الكريم

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب