الثاني : إن القرآن قد يسند الفعل إلى العبد واختياره . فيقول
: " فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر 18 : 29 " . والايات بهذا المعنى كثيرة ،
فيدل على أن العبد مختار في عمله .
وقد يسند الاختيار في الافعال إلى الله
تعالى . فيقول : " وما تشآؤن إلا أن يشآء الله
76 : 30 " . فزعموا أنه يدل على أن العبد مجبور في فعله . وقالوا : هذا تناقض
واضح ، والتأويل في الايات خلاف الظاهر ، وقول بغير دليل .
الجواب : إن كل أنسان يدرك بفطرته أنه قادر على
جملة من الافعال ، فيمكنه أن يفعلها وأن يتركها ، وهذا الحكم فطري لا يشك فيه
أحد إلا أن تعتريه شبهة من خارج . وقد أطبق العقلاء كافة على ذم فاعل القبيح ،
ومدح فاعل الحسن ، وهذا برهان
على أن الانسان مختار في فعله ، غير مجبور عليه عند إصداره .
وكل عاقل يرى أن حركته على الارض عند مشيه عليها تغاير حركته عند سقوطه من شاهق
إلى الارض ، فيرى أنه مختار في الحركة الاولى ، وأنه مجبور على الحركة الثانية
.
وكل إنسان عاقل يدرك بفطرته أنه وإن كان مختارا في بعض
الافعال حين يصدرها وحين يتركها إلا أن أكثر مبادئ ذلك الفعل خارجة عن دائرة
اختياره ، فإن من جملة مبادئ صدور الفعل نفس وجود الانسان وحياته ، وإدراكه
للفعل ، وشوقه إليه
، وملاءمة ذلك الفعل لقوة من قواه ، وقدرته على إيجاده ، ومن
البين أن هذا النوع من المبادئ خارج عن دائرة اختيار الانسان ، وأن موجد هذه
الاشياء في الانسان هو موجد الانسان نفسه .
وقد ثبت في محله أن خالق هذه الاشياء في الانسان لم ينعزل عن خلقه بعد الايجاد
، وأن بقاء الاشياء واستمرارها في الوجود محتاج إلى المؤثر في كل آن ، وليس مثل
خالق الاشياء معها كالبناء يقيم الجدار بصنعه، ثم يستغني الجدار عن بانيه ،
ويستمر وجوده وإن فني صانعه ، أو كمثل الكاتب يحتاج إليه الكتاب في حدوثه ، ثم
يستغني عنه في مرحلة بقائه واستمراره .
بل مثل خالق الاشياء معها " ولله المثل الاعلى " كتأثير القوة الكهربائية في
الضوء . فإن الضوء لا يوجد إلا حين تمده القوة بتيارها ، ولا يزال يفتقر في
بقاء وجوده إلى مدد هذه القوة في كل حين ، فإذا انفصل سلكه عن مصدر القوة في
حين ، انعدم الضوء في ذلك الحين كأن لم يكن .
وهكذا تستمد الاشياء وجميع الكائنات وجودها من مبدعها الاول في كل وقت من أوقات
حدوثها وبقائها ، وهي مفتقرة إلى مدده في كل حين ، ومتصلة برحمته الواسعة التي
وسعت كل شئ .
وعلى ذلك ففعل العبد وسط بين الجبر والتفويض ، وله حظ من كل منهما . فإن إعمال
قدرته في الفعل أو الترك وإن كان باختياره . إلا أن هذه القدرة وسائر المبادئ
حين الفعل تفاض من الله ، فالفعل مستند إلى العبد من جهة والى الله من جهة اخرى
والايات
القرآنية المباركة ناظرة إلى هذا المعنى ، وأن اختيار العبد
في فعله لا يمنع من نفوذ قدرة الله وسلطانه .
ولنذكر مثلا تقريبيا يتضح به للقارئ حقيقة الامر
بين الامرين الذي قالت به الشيعة الامامية ، وصرحت به أئمتها ، وأشار إليه
الكتاب العزيز . لنفرض إنسانا كانت يده شلاء لا يستطيع تحريكها بنفسه ، وقد
استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادية
وقتية بواسطة قوة الكهرباء ، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك
يده بنفسه متى وصلها الطبيب بسلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوة لم يمكنه
تحريكها أصلا ، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلا ، وابتدأ
ذلك الرجل
المريض بتحريك يده ، ومباشرة الاعمال بها - والطبيب يمده
بالقوة في كل آن - فلا شبهة في أن تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الامر بين
الامرين ، فلا يستند إلى الرجل مستقلا ، لانه موقوف على إيصال القوة إلى يده ،
وقد فرضنا أنها بفعل
الطبيب ولا يستند إلى الطبيب مستقلا ، لان التحريك قد أصدره
الرجل بإرادته ، فالفاعل لم يجبر على فعله لانه مريد ، ولم يفوض إليه الفعل
بجميع مبادئه ، لان المدد من غيره ، والافعال الصادرة من الفاعلين المختارين
كلها من هذا النوع . فالفعل صادر بمشيئة العبد ولا يشاء العبد شيئا إلا بمشيئة
الله .
والايات القرآنية كلها تشير إلى هذا الغرض ، فهي تبطل الجبر - الذي يقول به
أكثر العامة - لانها تثبت الاختيار ، وتبطل التفويض المحض - الذي يقول به بعضهم
- لانها تسند الفعل إلى الله . وسنتعرض إن شاء الله تعالى للبحث تفصيلا ،
ولابطال هذين القولين حين تتعرض الايات لذلك .
وهذا الذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيت - ع - وعلومهم وهم الذين أذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . واليك بعض ما ورد منهم : سأل رجل الصادق عليه
السلام فقال :
" قلت : أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال : لا . قلت :
ففوض إليهم الامر ؟ قال : قال : لا . قال : قلت : فماذا ؟ قال : لطف من ربك بين
ذلك " ( 1 ) .
وفي رواية اخرى عنه : " لا جبر
ولا قدر ، ولكن منزلة بينهما " ( 2 ) .
وفي كتب الحديث للامامية جملة من هذه الروايات .
وقالوا : 6 - لو كان الاتيان بكتاب ما معجزا "
لعجز البشر عن الاتيان بمثله " لكان كتاب اقليدس وكتاب المجسطي معجزا ، وهذا
باطل فيكون المقدم باطلا أيضا .
الجواب :
أولا : إن الكتابين المذكورين
لا يعجز البشر عن الاتيان بمثلهما ، ولا يصح فيهما هذا التوهم ، كيف وكتب
المتأخرين التي وضعت في هذين العلمين أرقي بيانا منهما ، وأيسر تحصيلا ، وهذه
الكتب المتأخرة تفضل عليهما في نواح اخرى ، منها وجود اضافات كثيرة لا أثر لها
فيهما .
ثانيا : إنا قد ذكرنا للمعجز
شروطا ، ومن هذه الشروط أن يكون الاتيان به في مقام التحدي . والاستشهاد به على
صدق دعوى منصب إلهي . ومنها أن يكون خارجا عن نواميس الطبيعة ، وكلا هذين
الشرطين مفقود في الكتابين المذكورين . وقد أوضحنا ذلك أتم إيضاح في أول بحثنا
عن الاعجاز .
وقالوا : 7 - إن العرب لم تعارض القرآن ، لا
لكونه معجزا يعجز البشر عن الاتيان
| |
( 1 ) الكافي : كتاب التوحيد . باب الجبر
والقدر والامر بين الامرين .
|
( 2 ) نفس المصدر . ( * )
|
|
|
بمثله ، ولكنهم لم يعارضوه لجهات اخرى لا تعود إلى الاعجاز .
أما العرب الذين عاصروا الدعوة، أو تأخروا عنها قليلا، فقد
كانت سيطرة المسلمين تمنعهم عن التصدي لذلك ، فلم يعارضوا القرآن خوفا على
أنفسهم وأموالهم من هؤلاء المسيطرين ، ولما انقرضت سلطة الخلفاء الاربعة وآل
الامر إلى الامويين الذين
لم تقم خلافتهم على محور الدعوة الاسلامية ، صار القرآن
مأنوسا لجميع الاذهان بسبب رشاقة ألفاظه ، ومتانة معانيه ، وأصبح من المرتكزات
الموروثة خلفا عن سلف ، فانصرفوا عن معارضته لذلك .
الجواب :
أولا : إن التحدي بالقرآن ،
وطلب المعارضة بسورة من مثله ، قد كان من النبي - ص - في مكة قبل أن تظهر شوكة
الاسلام ، وتقوى سلطة المسلمين ، ومع ذلك لم يستطع أحد من بلغاء العرب أن يقوم
بهذه المعارضة .
ثانيا : إن الخوف في زمان الخلفاء ، وسيطرة
المسلمين ، لم يمنع الكافر من أن يظهره كفره ، وإنكاره لدين الاسلام . وقد كان
أهل الكتاب يعيشون بين المسلمين في جزيرة العرب وغيرها بأهنأ عيش وأكرم نعمة ،
وكان لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما
عليهم . ولا سيما في عصر خلافة أمير المؤمنين - عليه السلام -
الذي اعترف بعدله ووفور علمه المسلمون وغيرهم . فلو كان أحد هؤلاء الكتابيين ،
أو غيرهم قادرا على الاتيان بمثل القرآن ، لاظهره في مقام الاحتجاج .
ثالثا : إن الخوف لو سلم وجوده فهو إنما يمنع عن
إظهار المعارضة والمجاهرة بها ، فما الذي منع الكتابيين ، أو غيرهم من معارضته
سرا في بيوتهم ومجامعهم ؟ ولو ثبتت هذه المعارضة لتحفظ بها الكتابيون ليظهروها
بعد زوال الخوف عنهم ، كما تحفظوا على قصص العهدين الخرافية ، وسائر ما يرتبط
بدينهم .
رابعا : إن الكلام - وإن ارتفع مقامه من حيث
البلاغة - إلا أن المعهود
من الطباع البشرية أنه إذا كرر على الاسماع هبط عن مقامه الاول ، ولذلك نرى
أن القصيدة البليغة إذا أعيدت على الانسان مرارا ملها ، واشمأزت نفسه منها ،
فإذا سمع قصيدة اخرى فق يتراءى له في أول نظرة أنها أبلغ من القصيدة الاولى ،
فإذا كررت الثانية أيضا ظهر الفرق الحقيقي بين القصيدتين .
وهذا جار في جميع ما يلتذ به الانسان ، ويدرك حسنه من مأكول ، وملبوس ومسموع
وغيرها . والقران لو لم يكن معجزا لكان اللازم أن يجري على هذا المقياس ، وينحط
في نفوس السامعين عن مقامه الاول ، مهما طال به الزمان وطرأ عليه
التكرار ، وبذلك تسهل معارضته ، ولكنا نرى القرآن على كثرة تكراره وترديده ،
لا يزداد إلا حسنا وبهجة ، ولا يثمر إلا عرفانا ويقينا ، ولا ينتج إلا إيمانا
وتصديقا ، فهو في هذه المزية على عكس الكلام مألوف . وإذن فهذا الوجه يؤكد
إعجازه لا أنه ينافيه كما يتوهمه هذا الخصم .
خامسا : إن التكرار لو فرض أنه يوجب انس النفوس
به ، وانصرافها عن معارضته ، فهو إنما يتم عند المسلمين الذين يصدقون به ،
ويستمعون إليه برغبة واشتياق كلما تكررت تلاوته ، فلما ذا لا يعارضه غيره
المسلمين من العرب الفصحاء ؟ لتقع هذه المعارضة موقع القبول ولو من غير
المسلمين .