|
- البيان في تفسير القرآن- السيد الخوئي ص 43 : - |
القرآن معجزة خالدة :
قد عرفت أن طريق التصديق بالنبوة والايمان بها، ينحصر
بالمعجز الذي يقيمه النبي شاهدا لدعواه، ولما كانت نبوءات الانبياء السابقين
مختصة بأزمانهم وأجيالهم ، كان مقتضى الحكمة أن تكون معاجزهم مقصورة الامد ،
ومحدودة ، لانها شواهد على
نبوءات محدودة ، فكان البعض من أهل تلك الازمنة يشاهد
تلك المعجزات فتقوم عليه الحجة ، والبعض الاخر تنقل إليه أخبارها من المشاهدين
على وجه التواتر ، فتقوم عليه الحجة أيضا .
أما الشريعة الخالدة ، فيجب
أن تكون المعجزة التي تشهد بصدقها خالدة أيضا ، لان المعجزة إذا كانت محدودة
قصيرة الامد لم يشاهدها البعيد ، وقد تنقطع أخبارها المتواترة ، فلا يمكن لهذا
البعيد أن يحصل له العلم بصدق تلك النبوة ، فإذا كلفه الله
بالايمان بها كان من التكليف بالممتنع ، والتكليف
بالممتنع مستحيل على الله تعالى ، فلا بد للنبوة الدائمة المستمرة من معجزة
دائمة .
وهكذا أنزل الله القرآن معجزة خالدة ليكون برهانا على
صدق الرسالة الخالدة ، وليكون حجة على الخلف كما كان حجة على السلف .
وقد نتج لنا عما قدمناه أمران :
الاول : تفوق القرآن على
جميع المعجزات التي ثبتت للانبياء السابقين ، وعلى المعجزات الاخرى التي ثبتت
لنبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم لكون القرآن باقيا خالدا ، وكون إعجازه
مستمرا يسمع الاجيال ويحتج على القرون .
الثاني : إن الشرائع السابقة
منتهية منقطعة ، والدليل على انتهائها هو انتهاء أمد حجتها وبرهانها ، لانقطاع
زمان المعجزة التى شهدت بصدقها ( 1 ) .
| |
( 1 ) انظر في قسم التعليقات محادثة علمية جرت بين
المؤلف وبين حبر يهودي يتصل بهذا الموضوع برقم ( 4 ) . ( * )
|
|
|
ثم ان القرآن يختص بخاصة اخرى ، وبها يتفوق على جميع
المعجزات التي جاء بها الانبياء السابقون ، وهذه الخاصة هي تكفله بهداية البشر
( 1 ) ، وسوقهم إلى غاية كمالهم .
فإن القرآن هو المرشد الذي
أرشد العرب الجفاة الطغاة ، المعتنقين أقبح العادات والعاكفين على الاصنام ،
والمشتغلين - عن تحصيل المعارف وتهذيب النفوس - بالحروب الداخلية ، والمفاخرات
الجاهلية فتكونت منهم - في مدة يسيرة - أمة ذات خطر في معارفها ، وذات عظمة في
تاريخها ، وذات سمو في عاداتها .
ومن نظر في تاريخ الاسلام
وسبر تراجم أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم المستشهدين بين يديه ، ظهرت له
عظمة القرآن في بليغ هدايته ، وكبير أثره ، فإنه هو الذي أخرجهم من حضيض
الجاهلية إلى أعلى مراتب العلم والكمال ، وجعلهم يتفانون في سبيل الدين وإحياء
الشريعة ، ولا يعبأون بما تركوا من مال وولد وأزواج .
وإن كلمة المقداد لرسول الله
صلى الله عليه واله وسلم حين شاور المسلمين في الخروج إلى بدر شاهد عدل على ما
قلنا : " يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت
بنو إسرائيل لموسى : إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا
قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ،
فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا
معك من دونه حتى تبلغه . فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خيرا ،
ودعا له بخير " ( 2 ) .
| |
( 1 ) انظر قسم التعليقات لمعرفة الحاجة إلى ترجمة
القرآن وشروطها برقم ( 5 ) .
( 2 ) تاريخ الطبري غزوة بدر ج 2 ص 140
الطبعة الثاينة . ( * )
|
|
|
هذا واحد من المسلمين ، يعرب عن عقيدته وعزمه ، وتفانيه
في إحياء الحق ، وإماتة الشرك . وكان الكثير منهم على هذه العقيدة ، متذرعين
بالاخلاص .
إن القرآن هو الذي نور قلوب أولئك العاكفين على الاصنام ،
المشتغلين بالحروب الداخلية والمفاخرات الجاهلية ، فجعلهم أشداء على الكفار
رحماء بينهم . يؤثر أحدهم حياة صاحبه على نفسه ، فحصل للمسلمين بفضل الاسلام من
فتوح البلدان في ثمانين سنة ما لم يحصل لغيرهم في ثمانمائة سنة .
ومن قارن بين سيرة أصحاب النبي وسيرة أصحاب الانبياء
السابقين علم أن في ذلك سرا إلهيا ، وأن مبدأ هذا السر هو كتاب الله الذي أشرق
على النفوس ، وطهر القلوب والارواح بسمو العقيدة ، وثبات المبدأ .
انظر إلى تاريخ الحواريين ، والى تاريخ غيرهم من أصحاب
الانبياء تعلم كيف كانوا . كانوا يخذلون أنبياءهم عند الشدائد ، ويسلمونهم عند
خشية الهلاك ! ! ولذلك لم يكن لاولئك الانبياء تقدم على طواغيت زمانهم بل كانوا
يتسترون عنهم بالكهوف والاودية . وهذه هي الخاصة الثانية التي تفضل القرآن على
سائر المعجزات .
وإذ قد عرفت أن القرآن معجزة إلهية ، في بلاغته وأسلوبه
فاعلم أن اعجازه لا ينحصر في ذلك ، بل هو معجزة ربانية ، وبرهان صدق على نبوة
من انزل إليه من جهات شتى ، فيحسن بنا أن نتعرض إلى جملة منها على نحو الاختصار
:
1 - القرآن والمعارف :
=> اضغط على الصفحة التالية
أدناه
|