4 ركائز أساسية في نجاح المقاومة
 

      
إدراج صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 23/08/2006
واصف عواضة
لعله من البديهي القول ان المعاهد العسكرية وخبراءها واجهزتها، يعكفون على دراسة الحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله" في جنوب لبنان، سعيا وراء استخلاص العبر والدروس من وراء هذه الحرب، اذ كيف استطاعت "عصابة مسلحة" (بالمفهوم العسكري)، ان تمنع عن احد اكبر وأهم الجيوش في العالم، عدة وعددا وقسوة وعنفا، ان يهزمها ويحقق انتصارا عليها.

ومثلما تجهد اجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (وربما غيرها) في البحث عن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بهدف القضاء عليه، فإن الاجهزة الاستخبارية لهذه المعاهد، تنشط من اجل معرفة اسرار هذه الحرب: كيف خاضتها المقاومة؟ كيف قاتلت وناورت؟ اي استراتيجية عسكرية اتبعتها؟ اي تحصينات اعتمدت عليها امام اطنان القذائف التي اسقطت فوق رؤوس المقاتلين، والتي قدرت بمعدل قنبلة ذرية؟

بالطبع، ليست المرة الأولى التي تنتصر فيها حرب العصابات على جيوش كلاسيكية. ولعل حرب فيتنام والثورة الكوبية اكبر مثال على ذلك. فعندما يتسلح الانسان بالارادة والعقل والادارة الواعية، تصبح الهزيمة عصية عليه، مهما كانت قوة الخصم.

بالتأكيد، سيكشف الزمن يوما اسرار هذه الحرب. وليست الحقيقة كلها، بل هو جزء يسير منها، ذلك الذي عرضته قناة "الجزيرة" الاسبوع الماضي من بلدة عيتا الشعب، عندما دارت الكاميرا مع احد المقاتلين في احياء البلدة وزواريبها، شارحا الكيفية التي قاتل بها المقاومون، بين منازل البلدة وسراديبها التي لم يقتنع احد بأن مثل هذه المخابئ يمكن ان تصمد امام القصف الجوي والمدفعي العنيف الذي شاهدناه على الهواء عبر شاشات التلفزة.

ولأن الناس مفطورون على نهم المعرفة وسبر الأغوار وملاحقة "ما خفي كان اعظم"... ولأن الاسرار تعذب عقول العامة والخاصة، راحت المخيلات تبني اشكالا متنوعة من التقديرات والخلاصات التي قد تكون صحيحة، وقد لا تكون، حتى ضربت المبالغات في احاديث الناس ومجالسهم صورا تفوق الخيال.

من هذه التقديرات ان المقاومة ربطت قرى الجنوب ومدنه واحياء الضاحية الجنوبية، بشبكة معقدة من الانفاق الضاربة في العمق، شكلت مخابئ تفوق الوصف للمقاتلين والصواريخ والتموين وكل ما يلزم من عدة القتال. ومن خلال هذه الانفاق تمكنت المقاومة من تأمين حصانة عصمتها عن الهزيمة التي تنبأ بها الكثيرون (وتمناها البعض) مع بداية الحرب، وبنوا عليها مستقبل لبنان وبعض دول المنطقة.

بالتأكيد من حق الناس ان يشغلوا مخيلاتهم على طريقة الافلام "الهوليودية" في غياب المعلومات الحقيقية. ومن حق إسرائيل ان تدرس بعناية كيف عجز جيشها بعدته وعديده عن تحقيق الاهداف التي خاض الحرب على اساسها. ومن حق المعاهد العسكرية والخبراء ان يلاحقوا ويفتشوا ويمحّصوا في خفايا احدى اهم حروب العصابات في تاريخ العالم. ويوما ما ستكون الحقيقة ملك الجميع، ولو بعد حين.

لكن ما يمكن الركون اليه، ان الاسباب الأكيدة لحصانة المقاومة وتفادي الهزيمة، اعتمدت على سلسلة من الركائز الاساسية التي يمكن الحديث عنها بثقة تامة:
1 - اولى هذه الركائز هي السرية. فواضح ان هذا المنهج لعب دورا اساسيا في تحصين المقاومة، مستفيدة من تجارب عديدة مرت بها "المقاومات المسلحة"، خصوصا في لبنان، والتي لم يكن لها "سر مخفي"، فكانت عراضات سهّلت للعدو ضربها والقضاء عليها او شل حركتها وذوبانها. وليس سرا ان المقاومة الإسلامية وضعت هامشا بينها وبين عالمها، حتى داخل "حزب الله" نفسه. ويكاد المرء يجزم ان قلة قليلة من قيادة الحزب وكوادره الظاهرين للعيان، تعرف اسرار المقاومة. وهذا ليس عيبا، ولا ضربا من ضروب التقية والباطنية، بل هو مظهر من مظاهر الحيطة التي صنعت انتصارات المقاومة على مدى ربع قرن من الزمن.

2 - ثانية هذه الركائز، كانت في اعتماد البدائل. فواضح ان المقاومة ومن خلفها الحزب، اعتمدا هذا الاسلوب في كل المجالات العسكرية والسياسية والاعلامية والحياتية. وتؤكد الوقائع منذ الثاني عشر من تموز الماضي، ان حزب الله هيأ المسرح لكل الاحتمالات، واعتمد بديلا لكل احتمال، بدءا من قناة "المنار" وإذاعة "النور"، وانتهاء بالمخابئ السرية لأمينه العام وقيادته. هذه البدائل جعلت الحزب حاضرا في كل مكان وزمان، على الرغم من العيون الأرضية والفضائية المفتوحة عليه، من مخبرين وطائرات استطلاع واقمار صناعية، ولم تستطع المطاردات السريعة للقوة الجوية الإسرائيلية ان تنال من قيادة الحزب وكوادره الأساسيين.

3 - الركيزة الثالثة هي المصداقية التي تركت اثرها الفعلي لدى جماهير المقاومة وعدوها على السواء. فعلى الرغم من مشروعية المناورة السياسية، شكلت الرسائل المتلفزة للسيد حسن نصر الله، جزءا لا يتجزأ من المعركة، واكتسبت مصداقية لدى العدو قبل الصديق. وينطبق هذا الأمر على إعلام الحزب والبيانات العسكرية للمقاومة، التي غالبا ما كان العدو نفسه يؤكدها، ولا يستطيع ان يتهرب من وقائعها. وفي الخلاصة، فإن عامل الثقة بين المقاومة وجمهورها، أكسبها قوة ومناعة وعزيمة استمدتها من حجم الاحباطات المزمنة للأمة جمعاء من محيطها الى خليجها.

4 - وتبقى الركيزة الأساسية للمقاومة، هي إنسانها المقاوم.. مقاتلها المحصّن بإيمان لا يلين، ينظر الى الشهادة والموت نظرة المستهين لا المستهول. فهؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وقائدهم، لم تأخذهم شهوات الدنيا، فاشتروها بالآخرة. هؤلاء يستحقون الدراسة، ويستأهلون من الغرب التوقف أمامهم، أبعد من "إرهابيين" يقاتلون الحرية والديموقراطية والشرق الأوسط الجديد، وأبعد من فكرة العمالة لسوريا وإيران و"محور الشر".
انهم مجانين؟.. ربما.. لكن المجنون الحقيقي هو من يستمر في التعامل معهم على انهم مجانين، سواء انتصروا أم انهزموا.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية