في رد النيران "الصديقة"
 

 
إدراج صحيفة السفير بتاريخ 22/08/2006الساعة 11:28.
كتب فهمي هويدي(*)
بعدما سكتت مؤقتاً نيران العدو الصهيوني في لبنان، اسمحوا لنا أن نتحول إلى النيران الصديقة التي ما زالت جبهتها مفتوحة فيما تعبر عنه وسائل الأعلام، بما يستصحبه ذلك من قصف مستمر، بالعناوين المفخخة والدعاوى الملغومة والأفكار العنقودية.

أسجل ابتداء بأن استخدامي لمصطلح "النيران الصديقة" لا يخلو من مجاملة، لأنني لا أرى دليلاً على الصداقة في مسلك من يقصفك وأنت في قلب المعركة، لكي يدمر معنوياتك وينقل إليك شعوره باليأس والهزيمة. صحيح أن أولئك "الأصدقاء" يعيشون بيننا ويتساكنون معنا، ولكنهم يقفون عملياً في مربع العدو، وفي أحسن الفروض فإنهم يحققون له أهدافه شاؤوا ذلك أم أبوا، الأمر الذي يفرغ الصداقة من مضمونها، ويجعل من المصطلح في هذا السياق نموذجاً لاغتيال المعنى.

ولا مفر من الاعتراف بأن عقلية الهزيمة تمكنت من عدد قليل من النخب العربية، التي صارت نماذجها تطل علينا من فوق مختلف المنابر. ولم نعد نراهم إلا وهم منبطحون ورافعون لرايات الاستسلام البيضاء. يزعجهم الحديث عن الصمود، وتروعهم فكرة المقاومة، ولا يخفون استياءهم من أي دعوة لاستنهاض الهمة والدفاع عن الكبرياء والكرامة.

حتى التضامن بالكلمات الذي يعبر عن الحد الأدنى من المروءة وجدناهم يتوجسون منه، ويعتبرونه استدراجاً لكمين يوقعهم في محظور حرب لم يدعهم أحد إليها. مع ذلك فإنهم لم يعودوا يرون فيها سوى أنها فصل جديد في كتاب الهزيمة المقرر على العرب، منذ استقر في يقينهم أن الهزيمة قدر مكتوب على الجبين، لا مهرب منه ولا فكاك.

أكثر من ذلك، فإن عقلية الهزيمة لا تحجب عن الإنسان أدراك عناصر قوته فحسب، ومن ثم تفقده الثقة في نفسه، ولكنها أيضاً تفقده الثقة فيمن حوله، بحيث لا يخطر على باله أن بوسع غيره أن يقوم بما يعجز هو عنه. وقد يذهب في ذلك إلى أبعد، فيعتبر الأقدام تهوراً ومغامرة، ويبرر القعود والإحجام بحسبانه تعقلاً وحكمة وروية.

في كل قضية هناك المعلومات، وهناك الاستنتاجات. ورغم أن اللعب في المعلومات وارد وله فنونه، إلا أنه يظل بكثير دون اللعب في الاستنتاجات، التي يتسع المجال فيها لإطلاق الادعاءات والترويج للأوهام والأكاذيب. وحين تتواتر المعلومات ويتوافق عليها أكثر من مصدر، فإن ذلك يرجح صحتها، ويتيح للباحث فرصة الوقوف على الحقيقة والزيف فيها. وفي مشهد الحرب الذي مررنا به ثمن معلومات ثبتت صحتها، يحسن الانتباه إليها أو التسلح بها، في التعامل مع حملة النيران الصديقة.

من تلك المعلومات على سبيل المثال: أن توجيه ضربة موجعة للبنان، بهدف تدمير بنية حزب الله والخلاص منه، لم يكن صدى لعملية أسر الجنديين الإسرائيليين في 12يوليو الماضي، ولكنه تنفيذ لخطة أميركية إسرائيلية أعدت سلفاً، وكان يفترض أن تدخل حيث التنفيذ في الخريف القادم، والهدف النهائي للخطة هو إلحاق لبنان بقطار التطبع مع إسرائيل، وإزالة أي تهديد يمثله حزب الله لإسرائيل، في حالة الهجوم الأميركي على إيران لإجهاض مشروعها النووي. هذه المعلومة أكدتها ثلاثة مصادر مهمة، أولها الصحافي الأميركي الشهير سيمور هيرش الذي أورد القصة كاملة في تقرير مفصل نشرته مجلة "نيويوركر" في 12/.8

أما المصدر الثاني فهو الكاتب الأميركي وين مادسون المتخصص في شؤون الأمن القومي، الذي كتب مقالاً ذاع صيته نشرته صحف أميركية عدة، وبثه مناهضو الحرب في إسرائيل على موقعهم الإلكتروني، وفيه حدد الكاتب بشكل شبه حاسم تواريخ اللقاءات الأميركية الإسرائيلية (17 18/6) ومكانها (ولاية كلورادو) وأسماء المشاركين فيها (على رأسهم ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي وبنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق). وتحدث صاحبنا عن أن حرب لبنان تعد جزءاً من حملة "تنظيف الشرق الأوسط" التي بدأت باحتلال العراق ومورست بمقتضاها بعض الأنشطة التخريبية في لبنان، تمهيداً لضرب سوريا وإغلاق الملف الفلسطيني، بحيث ينتهي الأمر بقصف إيران والخلاص من "الصداع" الذي تسببه، لكي تمهد الساحة تماماً أمام الهيمنة الأميركية والإسرائيلية.

المصدر الثالث هو الكاتب البريطاني جورج مونبيوت الذي نشرت له صحيفة "الغارديان" مقالة في 8/8 قرر فيها أن خطة غزو لبنان الأصلية خططت لها إسرائيل في عام ,2004 واطلعت عليها حكومة الولايات المتحدة وبريطانيا، وأجريت عليها عدة تعديلات ومناورات، إلى أن أصبحت جاهزة للتنفيذ في بداية الصيف الحالي.

المعلومة الثانية هي أن إسرائيل هي التي أرادت الحرب وسعت إليها، تنفيذاً للخطة الموضوعة سلفاً بالمشاركة الأميركية. أما حزب الله فإنه أرادها عملية مقاومة محددة، استهدفت تحرير الأسرى، كما حدث في مرات سابقة، آخرها ما جرى في عام ألفين، حين نصب الحزب كميناً وأسر ثلاثة جنود إسرائيليين، واختطف ضابطا إسرائيلياً متقاعدا كان قد أغري بالذهاب إلى بيروت، وقام الألمان بمفاوضات الوساطة التي استمرت ثلاث سنوات، وأسفرت عن إطلاق سراح 400 أسير لبناني وعربي، مقابل تسليم الأسرى الإسرائيليين.

في بريد الأسابيع الثلاثة الأخيرة، وقعت على أربعة خطابات يسألني أصحابها عن مدلول مصطلح "الرافضة"، وهل مسلمون حقاً أم لا. ولم أكن بحاجة إلى بذل جهد لكي أعرف أن استعادة المصطلح وإثارة اللغط حوله، هو إحدى القذائف الموجهة التي أطلقت في سياق حملة "النيران الصديقة"، التي استهدفت طعن حزب الله من الظهر، من خلال تلغيم العلاقات السنية الشيعية. واذ نجح بعض كبار علماء أهل السنّة، في مقدمتهم الشيخ يوسف القرضاوي، في إحباط المحاولة ووأد الفتنة في مهدها، إلا أن ذلك لم يوقف الحملة. فقد استمر القصف مستهدفاً تفجير العديد من الملفات، من غمز في علاقة حزب الله بطهران، إلى الادعاء بأن إيران وراء إشعال فتيل الحرب لصرف الانتباه عن أزمة مشروعها النووي. إلى التركيز على علاقة الحزب بالدولة اللبنانية، مع الإلحاح على تحميله مسؤولية تدمير لبنان وخرابه... الخ.

هذه الادعاءات غيبت مجموعة من الحقائق هي: أن القراءة المذهبية لحزب الله مدخل مغلوط يظلمه ويبخسه حقه. ذلك أن الحزب في مسيرته التي قاربت ربع قرن ظل جزءاً من الحركة الوطنية اللبنانية. إذ حين قاوم الاحتلال الإسرائيلي حتى أجبره على الانسحاب في السابق، وحين ضحى بشهدائه الذين كان من بينهم "هادي" ابن السيد حسن نصر الله (قتله الإسرائيليون وأخذوا جثته معهم في سنة 1997) فإن ذلك كان من أجل لبنان، لا من أجل إيران.

ليس مفهوماً لماذا يعد الدعم الإيراني لحزب الله مطعوناً فيه، ليس فقط لأنه ما من قوة سياسية لها وجود في الساحة اللبنانية، إلا وهي تستند إلى دعم خارجي ما. وليس فقط لأن رعاية الولايات المتحدة لإسرائيل تتجاوز بكثير الدعم الإيراني لحزب الله، ولكن أيضاً لأنه بالمعيار الوطني الصرف، فإن أية جهة تساعد العرب على التصدي للاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأميركية حتى وإن كانت فنزويلا، ينبغي أن يرحب بها، وأن تستقبل بالحفاوة والثناء وليس بالقرح والهجاء.

بعدما تبين أن إسرائيل هي التي سارعت إلى إعلان الحرب، وأن خطة اجتياح لبنان لإلحاقه بقطار التطبع مع إسرائيل معدة سلفاً بالتفاهم بين تل أبيب وواشنطن، لم يعد هناك محل لقبول الأدعاء بأن إيران هي التي عملت على تفجير الموقف في لبنان.

أسوأ ما في حملة "النيران الصديقة" أنها مستمرة في صرف الانتباه عن المرامي البعيدة، الحقيقية، للحرب، خصوصاً هدف استئصال المقاومة، وتنظيف الشرق الأوسط بتركيعه وتوسيع دائرة الانبطاح فيه. ورغم أن جولة الحرب اللبنانية أفشلت إحدى حلقات المخطط الجهنمي، إلا أن السعي لا يزال مستمراً، من خلال منافذ وثغرات أخرى. وهو الحاصل الآن. حيث يراد لنا أن نقتنع بأن العدو هو الشيعة، وأن إيران مصدر الخطر، وأن الذي خرب لبنان هو حزب الله وليس إسرائيل .. وان الإدارة الأميركية هي سفينة نوح التي ينبغي أن نقفز إليها قبل أن يجرفنا الطوفان، في حين ان الرئيس بوش هو المهدي المنتظر!
(*) كاتب مصري
 

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية