الوعد الصادق والوضع العربي البائس
 


إدراج صحافة عربية بتاريخ 17/07/2006الساعة 21:45.
صحيفة الشرق القطرية
ياسر الزعاترة
منذ انتصار الجنوب اللبناني عام 2000 أعلن السيد حسن نصر الله أنه سيحرر الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وفيما حقق الجزء الأول من الوعد عبر عملية التبادل الشهيرة قبل عامين، فإن الجزء التالي منه لم يتحقق، وها هو يسمي العملية البطولية الجديدة "الوعد الصادق" ، في إشارة إلى الوعد المذكور، إلى جانب الوعد الآخر المتعلق بتحرير مزارع شبعا.

حانت الفرصة وكانت العملية الرائعة التي لم تسفر عن غنيمة كبيرة من الجنود الإسرائيليين (قتلى وجرحى) فحسب، بل أسفرت أيضاً، وهذا هو الأهم، عن أسيرين اثنين سيكون لهما ثمنهما، ليس فقط على صعيد ما تبقى من الأسرى العرب واللبنانيين، بل على صعيد الأسرى اللبنانيين أيضاً. ثمة جانب لا يقل أهمية ولا روعة في العملية، أعني ذلك المتمثل فيما انطوت عليه من نصرة للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية في مواجهة الهجمة الإسرائيلية الشرسة عليهم إثر عملية الوهم المتبدد البطولية، والتي كانت غنيمتها الأهم ذلك الجندي الأسير الذي يقف العالم على قدميه"من أجل أن يعود سالماً إلى أمه وأبيه"!!

في ظل الهجمة الشرسة على حماس ومطالبتها من قبل الوضع العربي الرسمي بإطلاق سراح الجندي مقابل وعد فارغ بالإفراج عن أسرى لاحقاً، جاءت نصرة حزب الله بتلك الطريقة الرائعة، وليتحول الموقف من جدل حول أسير واحد في قطاع غزة، إلى جدل حول ثلاثة جنود أسروا في عمليتين عسكريتين، وليسوا مختطفين كما تردد بعض وسائل الإعلام العربية مع الأسف.

قبل أيام طرد عضو المكتب السياسي لحماس محمد نزال من القاهرة بدعوى الخوف على حياته كونه مهدداً بالاغتيال من قبل الإسرائيليين، فيما ندرك بالتحليل لا بالمعلومات أنه طرد بالفعل، والسبب هو رفض الحركة لما يسمى الوساطة المصرية التي يدعمها بالطبع السيد أبو مازن والقيادة المتنفذة في حركة فتح، والتي أشرنا إلى جوهرها آنفاً، لكأن على حماس أن تغدو ياسر عرفات جديد تأمره القاهرة فيستجيب بصرف النظر عن بؤس موقفها ودوافعه، فيما نعلم أن كل هذا التراجع الذي تعيشه القيادة المصرية إنما يعود إلى مسألة التوريث التي لا بد من تمريرها عبر الاستجابة لكل المطالب الأمريكية فيما يتعلق بالملفين العراقي والفلسطيني.

جاءت العملية الجديدة لتزيد في أزمة الوضع العربي، وهذه المرة لا يتوقف الأمر عند مصر المسكونة بهاجس التوريث، بل أضيفت إليها دول عربية كثيرة أخذت موقفاً مشابهاً من العملية، وبالطبع بدعوى المحافظة على لبنان وتجنيبه الثمن الكبير الذي يمكن أن يدفعه لقاء العملية عبر الهجوم الإسرائيلي الشرس عليه، فيما ندرك أن السبب هو التراجع أمام الضغوط الأمريكية وليس شيئاً آخر.

إنه البعد الأهم الذي لا نقول كشفته، بل ذكّرت به عمليتا الوهم المتبدد والوعد الصادق، وهو البعد المتعلق بحالة التراجع العربي غير المسبوق أمام الولايات المتحدة التي تتحرك عملياً في هذه المنطقة وفق الأجندة الإسرائيلية، وقد تابعنا ما فعله هذا التراجع في الملف الفلسطيني، بدءاً من تمرير اغتيال ياسر عرفات من دون ضجيج، ومروراً بتسهيل الخلافة لأبي مازن وصولاً إلى إقرار التهدئة التي كانت بمثابة اعتراف بالهزيمة من قبل الفلسطينيين، على رغم أنهم لم يهزموا ولم يصرخوا ولم يطلبوا هدنة ولا تهدئة.

لا تسأل بعد ذلك عن الموقف من فوز حماس في الانتخابات والعمل اليومي الحثيث على إفشالها بالتوافق مع السلطة التي تقودها حركة فتح، وكل ذلك من أجل التخلص من مأزق الفوز وتداعياته، وإن تم التوافق على مسار إفشال الحركة تمهيداً لإقصائها.
الآن يبدو الوضع العربي عارياً أمام الاستحقاق الجديد، ولذلك لم يملك نفسه وهو يعبر عن سخطه بطريقة غير دبلوماسية تسيء إليه أمام الشعوب العربية التي احتفت بالعملية الرائعة التي جاءت كما قلنا في توقيت رائع في ظل الهجمة الإسرائيلية على قطاع غزة.

ثمة تبريرات أخرى لما يجري، لعل على رأسها قصة التحالف السوري الإيراني الذي لا يلقي بالاً للمصالح العربية، لكأن الخضوع هو الحل الوحيد أمام الضغوط الأمريكية والغطرسة الإسرائيلية، أو لكأن لجم الطموحات الصهيونية التي تبشر الفلسطينيين بنكبة جديدة من خلال ما يعرف بخطة الانطواء هو مصلحة إيرانية سورية فقط، وليس مصلحة فلسطينية وعربية، مع أن للخطة المشار إليها تداعيات قد تصل حدود ترانسفير فلسطيني باتجاه الأردن بما يهدد أمنه واستقراره.

ثم ما مصلحة الوضع العربي في تأمين حالة استقرار للإسرائيليين توفر لواشنطن فرصة التفرغ للملف العراقي بما يبشر باستقرار الاحتلال وصولاً إلى التمدد نحو ما تبقى من العواصم العربية وإعادة تشكيل المنطقة؟!

هل يتعلق ذلك فقط بالمصلحة الإيرانية والسورية أم أنه يشمل جميع الدول العربية، ثم هل تتأتى مواجهة الطموحات الإيرانية عبر الخضوع للمطالب الأمريكية الإسرائيلية، أم من خلال موقف عربي واضح يدعم المقاومة العراقية وصولاً إلى إفشال المشروع الأمريكي في العراق وبديله المشروع الطائفي، كما يدعم المقاومة الفلسطينية وصولاً إلى إفشال الطموحات الإسرائيلية؟

من هنا يمكن القول إن المواقف العربية القائمة ليس لها صلة بتقدير موقف صحيح حيال الملفات العربية والإقليمية والدولية، بقدر صلتها بهاجس واحد عنوانه تجنب الضغوط الأمريكية، لاسيما تلك المتعلقة بالإصلاح الذي جرى التراجع عنه أمريكياً مقابل مواقف معروفة فيما يتصل بالملفات الحساسة في المنطقة (العراق وفلسطين).

لا رد على ذلك إلا بمواقف واضحة من قبل الجماهير والقوى الحية في الأمة، فما يجري هو صفقة بالغة البؤس تعني التراجع عن ملف الإصلاح الداخلي، في ذات الوقت الذي تعني فيه الدفع من جيب القضايا الأهم في ضمير الأمة، وهي القضايا التي تؤثر في حاضرها وتهدد مستقبلها، كما هو حال الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وكما هو حال المشروع الصهيوني وطموحاته.

بقي أن نقول إن السياق العام للحدث اللبناني والفلسطيني لازال يؤكد عمق أزمة الإٍسرائيليين وبؤس خياراتهم، في مقابل الصمود والمقاومة الفلسطينية واللبنانية، وسيدرك الجميع بعد قليل من الوقت عمق الخسارة الشعبية لدى أصحاب المواقف إياها، ولا يستبعد أن يشرعوا في تعديلها سريعاً، وإن على نحو محدود بسبب الخوف من السوط الأمريكي.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية