إسرائيل: أولمرت رئيس مجلس إدارة... وحلوتس يعود مقاول بناء

حلمي موسى
يتنازع الحلبة السياسية الإسرائيلية ميلان لا ثالث لهما: لجان فحص اختصاصية أم لجنة تحقيق عامة. ومن الواضح أن لجان التحقيق الاختصاصية كانت المفهوم السائد لأصحاب القرار في الحكومة والجيش على حد سواء.

وأعلن وزير الدفاع عمير بيرتس عن تشكيل لجنة كهذه تضم شخصيات مهمة وذات مصداقية ولكن لفحص سلوك الجيش والمؤسسة الأمنية. وانضم إليه رئيس الأركان دان حلوتس الذي تحدث عن رغبته بتشكيل لجنة لفحص مواضع الخلل. وكان رئيس الحكومة إيهود أولمرت قد أشار إلى مواضع خلل وإخفاقات في الأداء العسكري والسياسي، مشيراً الى أنه لن يخفي شيئا وسوف يعمل على جلاء الصورة.

غير أن مواقف قادة الحكومة والجيش لم ترق للآخرين في الحلبة السياسية وفي المجتمع الإسرائيلي. فثلثا الإسرائيليين يؤيدون اليوم تشكيل لجنة تحقيق قضائية بعدما رأى حوالى النصف وجوب استقالة كل من رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الاركان. أما في الحلبة السياسية فإن الصورة أكثر تعقيداً: فتأييد تشكيل لجنة تحقيق قضائية ليس حكراً على المعارضة بل ان هناك داخل حزب العمل أساساً وفي صفوف كديما من يريد ذلك

ويشدد إسرائيليون كثر على أن لجنة الفحص التي أعلن بيرتس عن تشكيلها برئاسة الجنرال احتياط أمنون شاحاك باتت بحاجة إلى لجنة تحقيق. ويتهم كثيرون شاحاك بأنه عمل طوال فترة الحرب كمستشار لبيرتس وبالتالي لا يمكنه أن يكون الآن حكماً وقاضياً على أمور ومواقف ساهم هو بنفسه في اتخاذها.

ويزداد الحديث في إسرائيل حول الحاجة إلى لجنة تحقيق قضائية لأنها الهيئة الوحيدة التي تحول دون تحويل الجيش إلى "كبش فداء" للمستوى السياسي. وبغية توضيح ماهية لجان التحقيق هذه، فإن المقصود هو ما يسمى بلجنة التحقيق الرسمية. وبموجب القانون الإسرائيلي فإن الحكومة هي التي تتخذ قرار تشكيل اللجنة وتحدد مهمتها وتفويضها. ولكن رئيس المحكمة العليا هو الذي يقوم بتحديد قوامها واختيار رئيسها وأعضائها.

وأياً يكن الحال فإن كبار الضباط، وفق صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رأوا أن قرار بيرتس بتشكيل لجنة خارجية لفحص الأداء العسكري ليس سوى محاولة من القيادة السياسية للإيقاع بهم. ونقلت "يديعوت" عن حلوتس "أن الجيش لا يتخذ موقفا في هذه المسألة وسينفذ كل ما يكلف به من مهام". وأشارت إلى أنه مع ذلك انتقدت محافل رفيعة المستوى في الجيش القرار بتشكيل لجنة لا تفحص سلوك القيادة السياسية، مدعين أن هذه هي "محاولة لإلقاء كل المسؤولية على الجيش وتنظيف رئيس الوزراء ووزير الدفاع".

وأشار أحد كبار الضباط للصحيفة الى أن "هناك إحساساً بأنهم يبحثون عن إلقاء الملف علينا وحدنا". وقالت "يديعوت" ان "قرار بيرتس أثار انتقاداً في الساحة السياسية أيضا. فقد هاجم رئيس حزب ميرتس النائب يوسي بيلين القرار مدعياً بأنه لا يمكن لأي محاولة من بيرتس تشكيل لجنة داخلية أن تنجح كبديل للجنة تحقيق رسمية تفحص الجوانب السياسية، العسكرية والاجتماعية لحرب لبنان الثانية". أما رئيس كتلة الليكود النائب جدعون ساعر فقال ان "وزير الدفاع قرر أن هناك حاجة للتحقيق، ولكن الوزير الضليع الغارق كلياً في الموضوع لا يحق له أن يقرر إطار التحقيق وحجم وتشكيلة الهيئة التي ستحقق، وفي الاساس لا يمكنه أن يخرج القيادة السياسية من نطاق التحقيق".
وقال رئيس كتلة الاتحاد الوطني المفدال النائب أوري ارئيل ان "اللجنة هي تهرب من المسؤولية وبصقة في وجه المقاتلين. الجمهور يطالب بتحقيق حقيقي يتضمن القيادة السياسية".

وفي محاولة ظاهرة لبناء الحجة لدى بيرتس الذي كان من أشد المتحمسين للعملية البرية، نقلت عنه صحيفة "هآرتس" قوله ان الجيش لم يحذر من الصواريخ. وأشارت "هآرتس" بقلم مراسلها العسكري عاموس هارئيل إلى أن "وزير الدفاع عمير بيرتس يتهم قيادة الجيش بأنه عندما تسلم مهام منصبه، قبل نحو أربعة أشهر، كانت مسألة حزب الله وتهديد الصواريخ من لبنان في أدنى سلّم الأولويات للمواضيع التي عرضت عليه".

وفي محادثات خاصة في الآونة الأخيرة قال بيرتس انه لم يسمع من ضباط الجيش الإسرائيلي ان هذا تهديد استراتيجي على إسرائيل. وبرأيه، فإنه لم تنقل إليه أية معلومات ذات صلة عن تهديد الصواريخ. وفي تلك المحادثات، يدعي بيرتس أنه "يجب عدم الانشغال بالاستنتاجات الشخصية الناجمة عن الحرب، طالما لم تنته المعركة".

وفي هذا الصدد، يشير كبير المعلقين السياسيين في "يديعوت" ناحوم بارنيع في مقالته بعنوان "ورقة تين"، إلى أن "مشكلة عمير بيرتس لا يمكن لشاحاك أن يحلها. أولا لأنه إذا ما أريد التحقيق في إخفاقات هذه الحرب بجدية، فلا يمكن القفز عن دور وزير الدفاع. ولا يعقل أن يقوم الشخص الذي ينبغي التحقيق معه باختيار محققيه. ثانيا، لقد ذكر بيرتس في سياق الحرب شاحاك كأحد مستشاريه. من الصعب أن نرى كيف يمكن للمحقق أن يحقق مع نفسه".

ويعتقد بارنيع أن "الحرب ولدت الكثير من الأسئلة المتعلقة بالجيش وبالقيادة السياسية على حد سواء. وفي موضوع واحد هناك إجماع تقريبا: تعيين عمير بيرتس وزيرا للدفاع كان فكرة مهزوزة. الخطيئة الأولى كانت تطلع أولمرت للاحتفاظ بيده بوزارة المالية. فقد ظن خطأ أنه إذا عين هيرشزون، الموالي الشخصي له، فإن المالية ستكون في جيبه. ولما لم يكن يرغب في إعطاء بيرتس المالية، ولم يتجرأ على إعطائه الخارجية، بقيت له وزارة الدفاع".

ويخلص بارنيع إلى أن "الحرب جاءت لتسرق كل الأوراق. بيرتس أصبح بين ليلة وضحاها أسيراً لهيئة الأركان. ولم يفهم اللغة، ولم ينزل إلى عمق قيود القوة. أطلق تهديدات عديمة التغطية على الجانب الآخر وأيد بحماسة كل خطة للجيش. إيهود أولمرت يتحمل كل المسؤولية عن أخطاء القيادة السياسية، حتى للخطأ الذي اسمه عمير بيرتس".

ومهما يكن الحال فإن سيف لجنة التحقيق مسلط على رؤوس القيادات السياسية والعسكرية على حد سواء. وثمة من يؤمن بأن العنجهية التي تبدت في سلوك كل من أولمرت وبيرتس وحلوتس سوف تقود إلى الإطاحة بهم جميعاً. ولهذا فإن المراسل السياسي في "هآرتس" ألوف بن يرى أن أولمرت كان في نظر قطاعات من الإسرائيليين سيئاً لكنه بعد "فضيحة لبنان" صار "مصيبة".

ويضيف بن أن مشكلة أولمرت تكمن في حقيقة أن "رئيس الحكومة ليس قاضياً يفترض به أن يقبل أو يرفض ما يعرضونه عليه. وظيفته ليست "اتخاذ القرارات" فقط. عليه أيضا أن يبادر وأن يحث، وبالأساس أن يتحقق من أداء الأجهزة التابعة له لوظيفتها. لا يكفي التذمر في ما بعد. حتى وإن كان ارييل شارون متهماً بالإهمال، ودان حلوتس بالوعود الوهمية. كان عليك أن تتحقق من كل ذلك قبل أن تخرج بالجيش والدولة في معركة عمرها 30 يوماً. أنت تنظر إلى منصبك وكأنك رئيس مجلس إدارة دولة إسرائيل. كل مدير يعرف أن عدم المعرفة والتوقيع الأعمى على التقارير لا يعفيه من المسؤولية".

ويرى بن أن حلوتس لم ينل منذ حيازته شهادة الطيران "خازوقاً" كالذي ناله هذا الأسبوع. "إن كشف النقاب عن قيامك ببيع أسهمك يوم اندلاع الحرب أنهى مسيرتك المهنية. تفسيراتك لن تلحق بك إلا المزيد من الضرر. وحتى من دون الأسهم كانت مسؤوليتك عن مواضع الخلل في الجيش مطلقة، والمسؤولون عنك سيدحرجون المسؤولية عن فشل الحرب إلى عتبتك بكل سرور. اترك منصبك من تلقاء نفسك، ومن هناك اركب الحافلة وتوجه إلى كريات شمونة للتطوع في إعادة إعمارها. باعتبارك مقاول بناء في السابق، فأنت تملك ما يكفي من المعرفة والخبرة في هذا المضمار... بذلك ستنقذ ما تبقى من كرامتك، والمعيار الذي ستفرضه إذا فعلت ذلك سيجر بيرتس وأولمرت من بعدك للقيام بالشيء نفسه".

وكالعادة أيضا فإن اليمين ينبري للدفاع عن قادة الجيش خاصة في مواجهة ساسة إذا كانوا من اليسار أو الوسط. ومع ذلك فإن حلوتس يثير مشاعر متضاربة لدى اليمينيين، إذ ان قسماً منهم لا يزال يتذكره بوصفه رئيس أركان خطة الفصل والرجل الذي تم اختياره لتنفيذ خطة الانطواء. وحرص هؤلاء على الهجوم عليه بشدة منذ اللحظة الأولى التي تبدى فيها دوره في بيع الأسهم. ولكن قسماً آخر يتذكر وحشيته في مواجهة الفلسطينيين والعرب من خلال الأدوار التي أداها سلاح الجو الإسرائيلي في عهده وخصوصا في ميدان الاغتيالات.

وبين أنصار المدرسة الأخيرة، هناك الصحافي اليميني أوري دان الذي كان من المقربين جدا لشارون. ويكتب دان في "معاريف" مقالة بعنوان "لا تمسوا رئيس الأركان"، يشير فيها إلى أن التنكيل الذي تعرض له حلوتس "لأنه باع ملف استثماراته في اليوم الذي اختطف فيه حزب الله جنديي الجيش الإسرائيلي، كان من أقبح ما رأينا: لقد دعاه أعضاء كنيست من اليمين واليسار إلى الاستقالة. كان هذا في رأيي حجة بائسة أخرى. تذرع بها نشطاء سياسيون لإسقاط ملف إخفاقات الحرب على رئيس الأركان حلوتس، وهكذا، إبقاء وزراء الحكومة على حالهم، وهم الذين ظهروا في أكثر أوضاعهم بؤسا مع مطر الصواريخ".

واعتبر دان أنه "إذا كان ثمة قائد واحد تصرف بثقة في الفريق الذي قاد الحرب، فقد كان دان حلوتس، لا الساسة، الذين يحاولون أن يُلقوا عليه الآن لا على أنفسهم الأخطاء التي كانت، ولقد كانت. تسير الحياة كالمعهود منذ بدأت التقصيرات في حروب إسرائيل. يطمس الساسة مسؤوليتهم، للهرب منها". ويرى أن "لرئيس الأركان دوراً رئيسياً في تنظيف الإسطبلات في الحال في قيادة الجيش الإسرائيلي، قبل أن تقوم لجنة تحقيق. عدم جاهزية المعدات، وبؤس التجهيز، وجميع شكاوى مقاتلي الاحتياط الرائعين، تناقض مناقضة تامة المكاتب الفارهة للألوية والعُمداء في هيئة القيادة العامة والتي تكلف الدولة الملايين".

وبعد أن يعدد دان الإجراءات التي ينبغي القيام بها في وزارة الدفاع والجيش قبل تشكيل لجنة تحقيق، يخلص إلى أن "ما لا يقل عن ذلك أهمية هو أن حلوتس سيستطيع في شهادة مكشوفة في لجنة التحقيق أن يقص على الجمهور أيضا أنه عرض على الحكومة سلفا جميع المعطيات عن أخطار النظام الصاروخي والأخطار المتوقعة منه، في قتال سيستمر أسابيع. الحكومة إذا عرفت كل شيء لكنها لم تفهم شيئا".

ومع ذلك فإن التحقيقات داخل الجيش تتركز حول الصراع بين الدبابة والصاروخ المضاد للدروع وحول العيوب ومواضع الخلل التي تبدت في القوات البرية. ونشرت "معاريف" تقريرا بقلم مراسلها العسكري عمير رافبورات أشار فيه إلى أن الجيش الإسرائيلي اتخذ قرارا قبل تسعة شهور بتزويد الدبابات بمنظومات حماية من الصواريخ المضادة للدروع. غير أن رئيس الأركان ألغى اتفاقا مع الشركة المزودة لمنظومة الدفاع هذه. ومعروف أن هذه المنظومة تقوم على مبدأ اكتشاف الصاروخ أو القذيفة الموجهة للدبابة أو الآلية وبالتالي توجيه قذائف نحوها لتفجيرها أو لحرف زاوية الإصابة فيها. ويبدو أنه بعد المجازر التي وقعت في الدبابات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني بفعل صواريخ ساغر وماتيس وكورنيت وآر بي جي ,29 قررت قيادة الجيش التسلح بهذه المنظومات.

وأشارت "معاريف" إلى أنه "في السنوات الماضية جرى ضمن ميزانية الذراع البرية في الجيش تطوير منظومتين مختلفين للتحصين النشط. وذلك، من سلطة تطوير الوسائل القتالية ومديرية دبابة ميركافا وتحمل الأولى اسم "سترة الريح" أما الصناعات العسكرية فطورت منظومة تسمى "قبضة فولاذية". واجتازت المنظومتان بنجاح سلسلة طويلة من التجارب أثبتت تماما نجاعتهما. ولكن في هيئة الأركان تقرر مواصلة تطويرهما بسبب الأولوية المطلقة في الميزانيات والتي أعطيت في السنوات الأخيرة لسلاح الجو، على حساب أسلحة البر التي أهملت".

وأشارت "معاريف" إلى أن "القرار اتخذ في هيئة الأركان في إطار مفهوم الجيش الإسرائيلي حول أن الجهد الأساسي في كل حرب مستقبلية سيكون من الجو وعندما تستكمل العمليات الجوية، بقدر ما يحتاجه الأمر، ستتم عملية برية صغيرة في حجمها. وأثبت القتال في لبنان أن هذا المفهوم فاشل تماما. وبرغم معارضة هيئة الأركان، طلبت الذراع البرية التزود بمنظومة التحصين النشط. في تشرين الأول 2005 تقرر عدم انتظار ميزانية التسلح التي لا تصل، وإلغاء مشاريع أخرى أصغر للشروع بالتزود بالجهاز بكلفة 600 مليون شيكل موزعة على 6 سنوات".

وبحسب "معاريف" "أنجز اتفاق التسلح بناء على طلب الذراع البرية... بمنظومتي التحصين اللتين تسمحان للدبابات بالعمل من دون خوف من الصواريخ والتوفير بحياة الإنسان. وبحسب المعلومات التي وصلت إلى "معاريف"، فإنه "عندما رفع الاتفاق المنجز مع الصناعات للمصادقة النهائية إلى هيئة الأركان العامة، ألغي بأمر من فوق، بدعوى أنه لا يتناسب وتوجهات التطويرات العامة للجيش الإسرائيلي".

المصدر:جريدة السفير اللبنانية.  بتاريخ 18/08/2006  الساعة 02:25
 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية