"انتشار سياسي" للجيش تحت الضغط الدولي... والأزمة مفتوحة وأميركا تربط لبنان
بأزمة المنطقة وبتصفية حسابها مع سوريا وإيران


غاصب المختار

يرى المراقبون أن انتشار الجيش اللبناني الواسع امس في الجنوب حتى الحدود الدولية مع فلسطين المحتلة، هو انتشار سياسي اكثر منه امنياً، وتم بناء للضغط والإلحاح الدوليين والعربيين على لبنان لتنفيذ هذه الخطوة، ذلك ان شيئا لم يتغير في السياسة وفي اصل المشكلة، فلا اسرائيل سلمت بضرورة اعادة مزارع شبعا المحتلة الى لبنان، او سوريا لا فرق، ولا المقاومة هي في وارد تسليم سلاحها مجانا بعد كل التضحيات والشهداء الذين قدمتهم هي وشعبها، ولا الحكومة قادرة بالفعل على تجاوز مشكلات وتعقيدات الوضع الداخلي الحساس المبني على التوازنات الدقيقة، خاصة انها تضع كل بيضها في سلة "المجتمع الدولي" غير المتوازن في تعامله، لا مع أزمة لبنان التفصيلية، ولا مع الأزمة الاساس: قضية فلسطين والسلام في الشرق الاوسط.

والأخطر من ذلك ان المشكلة الاميركية في المنطقة لم تجد لها حلا بعد، إلا بمزيد من التأزيم والاندفاع الى مزيد من افتعال الاشتباكات السياسية مع سوريا والفلسطينيين، ما يعني ان ربط النزاع الاميركي السوري لا يزال يجد لبنان ساحة له، خلافا للكلام السياسي المحلي الذي يتذاكى ويتحايل على اصل المشكلة، ويهرب منه الى خطاب استفزازي ضد حزب الله وجمهوره، وخطاب "حربجي" ضد سوريا، متناغما مع اللهجة الاميركية، فيما يبدو انه تجديد للسجال السياسي "البلا معنى" بين فريق الاكثرية اللبنانية وسوريا، مع ان الخطاب الاخير للرئيس بشار الاسد اعطى هذا الفريق الوقود السياسي لمواصلة حملته ضده، وشكل خطأ تكتيكيا لم يكن له مبرر، اذ ان الخطاب تناقص من دون مسوغ، من خطاب استراتيجي يدور حول ازمة المنطقة والحرب والسلام فيها، ومن تعميم ثقافة المقاومة في المنطقة العربية... الى "الزواريب اللبنانية".

وإذا كانت حساسية جمهور المقاومة لا تحتمل اي ارتجال سياسي في المواقف، ولا سيما ان ورش رفع الانقاض ما زالت تحفر بحثا عن شهداء العدوان الاسرائيلي في الجنوب والضاحية، فإن حساسية موضوع نشر الجيش في الجنوب قد تصل الى حد تفسير هذا الانتشار على انه خدمة لمشروع سياسي اميركي وفي الخلفية اسرائيلي مطمئن لخصوم المقاومة واعدائها، بل لخصوم لبنان الحقيقيين، ذلك ان الجيش في الظرف الذي انتشر فيه لا مظلة سياسية له ولا ضمانات بألاّ تسترهنه اسرائيل عند اول مشكل امني او سياسي يستجد بعد فترة، خاصة اذا مرت فترة الشهر التي حددها مجلس الامن الدولي من دون البحث الجدي في امر تحرير مزارع شبعا والاسرى اللبنانيين، ما يعني ان كل هذه الحرب الاسرائيلية المدفوعة اميركيا وسياسيا وماليا وعسكريا، لم تؤد نتيجتها المتوخاة الا من حيث اعادة لبنان الى الوراء عشرين سنة كما هدد الاسرائيليون ذات مرة.

وترى الاوساط المراقبة ان حديث الاكثرية عن الضمانات بألا يُستخدم سلاح المقاومة في الداخل، وبضرورة ان يذوب حزب الله في الدولة وفي اتفاق الطائف، وألا يكون سلاحه مبرّرا لحروب اخرى على لبنان، هو حديث يرى جانبا واحدا من الصورة، اذ غاب عنه الجانب الآخر المتعلق بعدم الاعتراف بوجود مشروع اميركي اسرائيلي يريد وضع اليد على المنطقة، والذي ما زال لبنان وسوريا والمقاومة الفلسطينية تشكل اكبر العوائق امامه، بعد نجاحه في التمدد الى العراق عسكريا، وبعدما تمدد سياسيا منذ سنوات نحو دول عربية اخرى، فيما اكد النائب وليد جنبلاط امس احتمال ان تكون الحرب التي شنت على لبنان حربا اميركية اسرائيلية استباقية لتسديد فواتير الصراع الاميركي السوري الايراني الدائر في المنطقة.

وتسأل الأوساط عن الضمانات بألا تعود اسرائيل مدفوعة اميركيا ايضا الى شن حرب جديدة على لبنان؟ وما هي الضمانات بأن تتحرك فعلا لحل مشكلة مزارع شبعا وتحرير الاسرى؟ والأهم ما هي الضمانات بوجود توجه اسرائيلي جدي للحل الشامل والعادل لازمة المنطقة؟ وكل ذلك في موازاة اسئلة الاكثرية عن مصير سلاح حزب الله، ومصير الدولة. وهنا تطرح اسئلة ايضا عن اي دولة يريد الاميركيون في لبنان؟

وترى اوساط الرئيس اميل لحود ان ما جرى مؤخرا يثبت صحة مقولته حول عدم جواز نشر الجيش عند الحدود من دون حل للمشكلات العالقة لبنانيا واقليميا، لأن ذلك يجعله عرضة للعدوان الاسرائيلي مجانا من دون ان يحمي لبنان فعلا. إلا ان اوساطا اخرى ترى ان نشر الجيش قد ينفّس الاحتقان الداخلي، لأنه يلبي مطلبا للأكثرية من دون ان يلبي طلبا اميركيا مباشرا بنزع سلاح المقاومة، وقد يفتح النقاش السياسي المحلي بهدوء مجددا حول الاشكاليات التي كانت تدور حولها النقاشات في مؤتمر الحوار. وتتوقف عند المواقف الأميركية الأخيرة وخاصة للسفير جيفري فيلتمان الذي اعترف ولو مرغما وغير سعيد بأن القرار1701 لا يمكن تطبيقه الا بتوافق داخلي لبناني معطوفا على كلام منسوب لوزيرته كوندليسا رايس بأن آلية تطبيق هذا القرار تحتاج الى وقت طويل.

وإذا كان هذا الكلام يشكل متنفسا وفسحة لاستعادة الكلام المنطقي الداخلي، فإنه يطرح اسئلة ايضا حول مصير مؤتمر الحوار وتوجهاته ومواضيعه الجديدة، إذا كان هناك من امل بعدُ في ان يستعيد الحوار زخمه، وحول امكانية استمرار الحكومة الحالية على وضعها الحالي المهشم كأبنية الضاحية التي سلمت من القصف الجوي، ولكنها لم تسلم من الشظايا الثقيلة التي احدثت فيها فجوات كبيرة من الصعب تغطيتها بدقة لتعود قادرة على الاحتمال.

ويبدو أن حديث تشكيل حكومة وحدة وطنية يمر على البعض كأنه "نكتة سمجة" فيما هو ضرورة وطنية، لكن ثمة اطرافا استعاضت عن هذا الطرح المعروض من المعارضة والمرفوض من الاكثرية، بطرح تشكيل "حكومة طوارئ وطنية" تواجه نتائج الحرب الاسرائيلية المدمرة بكل تفاصيلها الاعمارية والانسانية والاقتصادية والمالية، وتواجه احتمالات المستقبل المفتوحة على كل الازمات الممكن تصورها، لان الحساب الاميركي مع سوريا وايران لم ينته بعد، وما زالت اميركا تربط لبنان بهذا الحساب وتستخدمه كما تستخدم اسرائيل، لكن بدور مختلف لكل منهما، فلبنان هو الضحية وإسرائيل هي الجلاد.

وترى اوساط حاملي طرح حكومة الطوارئ الوطنية ان تشكيلها لا بد من ان يراعي التوازنات الشعبية الحقيقية وليس التوازن داخل المجلس النيابي فقط، وإلا تحولت الى حكومة اكثرية واقلية كالحكومة الحالية، ويعود "النقار" الداخلي على جنس الملائكة، والجدل غير المحسوم حول سلاح المقاومة اولا، او استعادة الحقوق اللبنانية كاملة اولا!

المصدر:جريدة السفير اللبنانية.  بتاريخ 18/08/2006  الساعة 02:19
 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية