أولمرت يحمّل أسلافه مسؤولية الهزيمة إسرائيل بكاملها تحت التحقيق

حلمي موسى
هزات أرضية متتالية في إسرائيل، تسجل يومياً في أعقاب زلزال الحرب الاخيرة على لبنان. ويحار الإسرائيلي وهو يرى حروب جنرالاته وقادته السياسيين، وتزداد حيرته وهو يجد الدولة العبرية بأسرها "تحت التحقيق"، فالحرب، وما أفضت إليه من ظهور لمواضع الخلل في القيادة وفي سلاحي البر والبحر، على أقل تقدير، تدفع الكثيرين إلى المطالبة بلجنة تحقيق رسمية. ولكن ما العمل عندما تغدو الدولة بمعناها الملموس أيضا تحت التحقيق الجنائي؟

فقد أعلن المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية ميني مازوز قراره بتقديم لائحة اتهام ضد وزير العدل حاييم رامون بتهمة التحرش الجنسي. كما كشف النقاب أمس عن أن مراقب الدولة قرر استدعاء رئيس الحكومة إيهود أولمرت وزوجته عليزة للتحقيق معهما بتهمة تلقي رشوة أثناء بيع عقار، ومعروف أن الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف يخضع لتحقيق في الشرطة بتهمة استغلال منصبه من أجل تلقي خدمات جنسية من موظفة.

وبين هذه الكلمات والتحقيقات تختفي حقيقة بداية انهيار "حزب الدولة الجديدة" (كاديما) برئاسة أولمرت، فإضافة إلى الانهيار الحاصل في الأرضية السياسية لهذا الحزب، وهي "خطة الانطواء"، يصعب على الجمهور الإسرائيلي تخيل واقع أشد عليه من الواقع القائم. فهذا الجمهور بات مضطراً لتحمل أعباء الإخفاقات في الحرب، المادية والمعنوية منها، ولكنه يتساءل: لماذا يتحمل واقع حزب كاديما؟

يخضع رئيس "كاديما" أولمرت للتحقيق بتهم تتعلق بالفساد، وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها لاتهامات كهذه، كما أن الرجل الثاني، من الوجهة الرسمية، في "كاديما" وهو شمعون بيريز يخضع للتحقيق بتهم تتعلق بالفساد الانتخابي. وقد أضيف إليهما أمس حاييم رامون الذي يعتبر واحداً من الأعمدة الروحية في "كاديما"، إن لم يكن الروح الملهمة أصلا لتشكيل هذا الحزب.

وإلى جانب هؤلاء هناك رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست من "كاديما"، تساحي هنغبي المقرر تقديمه قريبا إلى المحاكمة بتهم الفساد الإداري بعد أن تخلى هو طوعاً عن حصانته البرلمانية، وبين كل هؤلاء، وإضافة إليهم، هناك التحقيقات الجارية مع رئيس كتلة "كاديما" في الكنيست أفيغدور اسحقي بتهم الفساد المالي. ويمكن لأي متابع للشأن الإسرائيلي أن يشير إلى شاؤول موفاز، من "كاديما" أيضا، بوصفه الرجل الذي قد يتضرر بشكل لا يقل عن أولمرت ووزير الدفاع عمير بيرتس من توصيات أي لجنة للتحقيق في إدارة الحرب.

لجنة التحقيق
كانت الكلمة الأبرز التي رددها القادة الإسرائيليون السياسيون والعسكريون على حد سواء أثناء الحرب هي: اصبروا. قالها أولمرت وبيرتس ورئيس الأركان دان حلوتس وقائد الجبهة الشمالية أودي أدام، وربما كل ضابط في الميدان. وكان هؤلاء يشيعون بأن النتائج سوف تتبدى في النهاية وبعد ظهور الأثر التراكمي. وعندما تم الإعلان عن وقف النار من دون حدوث تغييرات مادية كبيرة على الأرض طلب القادة السياسيون من الجميع التحلي بالصبر إلى أن تظهر النتائج الإيجابية الخطيرة بعد تنفيذ اتفاق وقف النار، ولكن بعد الخطوات التي جرت على الأرض في كل ما يتعلق بتشكيل وانتشار القوة الدولية فإن الإحساس الإسرائيلي العام هو أن مرور الوقت زاد فقط من الإحساس بالخيبة. وهكذا بدأ الجيش والحكومة تراشق الاتهامات حتى بشأن قرار وقف النار، بل إن وزير الدفاع وجهات أخرى في المؤسسة الأمنية باتوا يعلنون أنه كان من الخطأ الشديد وقف النار من دون الإفراج عن الجنديين الأسيرين لدى حزب الله.

ومع أن وزير الدفاع قرر تشكيل لجنة فحص خاصة برئاسة رئيس الأركان الأسبق أمنون شاحاك، إلا أن هذا القرار عزز الشبهات نحوه، وزاد من حجم المطالبين بتشكيل لجنة تحقيق قضائية. وثمة رغبة لدى أولمرت في صرف الأنظار عن مسألة لجنة التحقيق، غير أن الكثيرين في إسرائيل باتوا يعتبرون هذه اللجنة قدراً محتوماً، إذ لا يمكن للمجتمع الإسرائيلي تحمل استمرار تبادل الاتهامات بين القادة العسكريين والسياسيين وداخل كل مستوى منهما.

ولذلك، يتحدث العديد من المعلقين الإسرائيليين عن بدء الاستعدادات من جانب الوزراء والقادة العسكريين للجنة التحقيق التي ستتشكل. وأشار بعض المعلقين إلى أن هؤلاء شرعوا بإعداد الملفات ومراجعة المحاضر. وذكرت القناة العاشرة أن ثلاثة وزراء على الأقل طلبوا من ديوان رئاسة الحكومة تزويدهم بمحاضر الاجتماعات بغية تكوين صورة واضحة عن سلوكهم ومواقفهم التي أبدوها هناك.

ويرى معلقون يتابعون الاستعدادات في المستويين السياسي والعسكري لمواجهة لجنة التحقيق أنه لو استعد الوزراء والقادة العسكريون للحرب بدرجة استعدادهم للجنة التحقيق لجلبوا النصر بسهولة. وأشاروا إلى أن استعدادات أولمرت ترتكز على توجيه الاتهام لأسلافه من رؤساء الحكومات الذين تناوبوا منذ الانسحاب من طرف واحد من لبنان عام ,2000 وفي نظره فإن هؤلاء أهملوا إعداد الجيش، وتجاهلوا خطر حزب الله، ولم يعدّوا الجبهة الداخلية جيداً.

أما بيرتس فيحمل الاتهام ذاته لأسلافه، ولكنه يضيف إليها اتهامات ضد قيادة الجيش التي لم تعرض أمامه الأخطار الحقيقية ولم تمتلك صورة واضحة عن قوة حزب الله، وهو بالإجمال يعتبر نفسه بريئاً من الإخفاقات لأنه أشار إليها، برغم أنه لم يقض في منصبه أكثر من شهر ونصف الشهر قبل اندلاع الحرب.

وبرغم أن رئيس أركان الجيش دان حلوتس يشدد على أنه لم يقل أبداً إن بوسع الضربة الجوية حسم المعركة مع حزب الله فإنه لم يعرض على الحكومة أية خطة لعملية برية إلا في اليوم السابع والعشرين للحرب. ويزعم حلوتس أنه قال من البداية بخطر حزب الله، وشدد على وجوب العملية البرية، إلا أن المستوى السياسي كان من يرفض سماع أي شيء عن العملية البرية. ويحمل حلوتس على الحكومة بسبب الموافقة على قرار وقف النار من دون إعادة الجنديين.
أما قائد الجبهة الشمالية أودي أدام فإن أساس دفاعه عن نفسه يتمثل في أنه طالب منذ الأسبوع الأول للحرب بعملية برية واسعة تنهي الخطر الصاروخي القصير المدى لحزب الله.

وبين كل هؤلاء يبرز أيضا قائد شعبة الاستخبارات الجنرال عاموس يادلين الذي سبق له أن أبلغ الحكومة بأن الصواريخ التي لدى حزب الله هي في خطرها مثل صواريخ القسام، وإن كانت ذات وزن أكبر.

المصدر:جريدة السفير اللبنانية.  بتاريخ 18/08/2006  الساعة 02:13
 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية