صادمة ومروّعة
 

ترودي روبن
نقلاً عن "فيلادلفيا إنكوايرر"

لقد أنقذت كوندليسا رايس إسرائيل من أغوار فخ نصبه حزب الله لها، وكانت تتجه نحوه بتشجيع من البعض في إدارة بوش.
لقد اعتقدت إسرائيل، على ما يبدو، ان من شأن حملة قصف "صادمة ومروّعة" حطمت البنى التحتية المدنية في لبنان، وأهداف "حزب الله" أيضاً، أن تدمر المقاتلين وتقلب الجمهور اللبناني ضدهم. وقد أعطى البيت الابيض الضوء الأخضر لهذه الاستراتيجية. وتدعي قطعة جديدة لسايمور هيرش في "ذي نيويوركر" أن نائب الرئيس تشيني، رأى في قصف لبنان تجربة أداء لضربة أميركية محتملة على رعاة حزب الله في إيران.

غير أن الصدمة والرعب لم يدمرا حزب الله. لقد خرجت هذه الجماعة الارهابية السياسية أشد قوة في المنطقة والداخل، حيث أثارت عمليات القصف الغضب على إسرائيل وحتى بين اولئك الذين يمقتون حزب الله. (كان من الممكن ان تكون الأمور أسوأ بعد لو واصلت إسرائيل اجتياحها البري؛ كانت القوات الاسرائيلية ستغرق في مستنقع اجتياح آخر للبنان، كان ليقضي عليها دون شك).

ما تزال هناك فرصة للحد من قوة حزب الله في لبنان، كنتيجة لهذا النزاع. غير أن هذا قد يتطلب تمسك البيت الابيض وإسرائيل بالهدنة التي فرضتها رايس متأخرة على الادارة: لا يمكنك هزم الجماعات الإرهابية بضربة قاضية واحدة.
إن من يعتمد على الضربات العسكرية الضخمة أو "الصادمة والمروعة" من أجل هزم الارهابيين هو فاشل. إن التغلب عليهم يتطلب استراتيجية أكثر تعقيداً، ربط القوة بالدبلوماسية وبحشد استخباراتي أفضل، ودعم المعتدلين العرب.

بعد مرور ثلاثة عقود على فييتنام، وخمسة أعوام على أحداث "11 أيلول"، وثلاثة أعوام على الحرب العراقية القذرة، كان الأحرى بالإدارة ان تتعلم أن محاربة الإرهاب هي مسيرة طويلة لا تتأثر بالبلاغة الاخلاقية. وفي نهاية الامر، ها قد تم القبض على الخلية الارهابية البريطاينة التي خططت لتفجير الرحلات الجوية بفضل الجهود القوية للشرطة، والقدرة على التسلل إلى الجماعة.

ألم يلاحظ أي أحد في البيت الابيض أن الجيش الاميركي يغيّر مبادئه المتعلقة بكيفية محاربة المقاتلين؟ بدلاً من السعي لتنفيذ هجوم عسكري، تدعو المبادئ الجديدة إلى شن حرب سياسية لـ"القلوب والعقول"، مع فرض قيود على الجيش بحيث لا يتم رمي المدنيين في أحضان الارهابيين.

"تعلم تناول الحساء بسكين" هو عنوان أحد النصوص العسكرية الجوهرية الذي كتبه الكولونيل جون ناغل، ويركز على تلقين دروس لمكافحة التمرد، انطلاقاً من حرب الخمسينات من القرن الماضي في مالايا وفييتنام. وقد استخدم لورنس العرب هذه العبارة في وصفه لطبيعة الحرب مع المقاومين المتسمة بالفوضى وهدر الوقت.

وقد ركّز ناغل على قابلية القوات المسلحة للتعلم من الأخطاء وتكييف استراتيجيتها وتكتيكها مهارات يجد أن القوات الاميركية تعوزها. إنه يظهر كيف كان البريطانيون فطنين بشكل كافٍ في مالايا لهزم المقاومة الشيوعية، بينما كانت القوات الاميركية في فييتنام تتشبث بمبادئ فاشلة للقوة.

من المحزن ان البنتاغون لم يتشرّب مفاهيم كهذه قبل اجتياح العراق. لقد قال ناغل إنه هو نفسه تعلم الكثير أثناء جولة عام واحد في العراق. كان من الممكن لأفكاره، لو طبقت في أواسط عام ,2003 أن تضبط تنامي المقاومة السنية في العراق وتمنع الاسلاميين السنة من التسبب بحرب أهلية مع شيعة العراق. ولعل الوقت قد تأخر كثيراً من أجل أن توقف مبادئ الجيش الجديدة تفكك العراق.

لو كان البيت الابيض منح بعض اهتمامه لمبادئ جيشه، لكان أعطى لإسرائيل نصيحة مختلفة جداً حول كيفية مواجهة حزب الله. ولكان أكد على حاجتها لمتابعة استراتيجية سياسية بقدر العسكرية. لقد كانت الحكومة اللبنانية، على ضعفها، الاعلان الترويجي المصغّر لحملة الرئيس بوش من أجل نشر الديموقراطية في المنطقة. لقد أراد رئيسها الشجاع فؤاد السنيورة والعديد من أفرقائها السياسيين، دولة ديموقراطية. وربما كان هؤلاء واجهوا حزب الله بجسارة، لو منحهم بوش وإسرائيل شيئاً من الدعم.

تقول لي مصادر في جماعة السنيورة أنه لو كانت إسرائيل نفذت هجوماً جوياً وبرياً محصوراً في الجنوب، قاعدة حزب الله، لكانت حكومته ضغطت على حزب الله للانسحاب من الحدود والتجرد من السلاح. كانوا سيحتاجون للدعم من إسرائيل: تعهد بتسوية النزاعات حول الاراضي معهم، وبتسليم المعتقلين اللبنانيين لهم، وليس ل"حزب الله" مقابل الجنديين الإسرائيليين المختطفين.

وفي الواقع، تمكن السنيورة من الحصول على موافقة حزب الله للانسحاب من الجنوب اللبناني قبل أسابيع. غير أن البيت الابيض تجاهل السنيورة في سعيه لضربة قاضية ضد المقاومين. لقد دعم حملة القصف الاسرائيلية المتواصلة التي دمرت البنى التحتية اللبنانية، وأساءت بموقع السنيورة، وفشلت في الوقت ذاته من تدمير حزب الله. والآن بات الاقتصاد اللبناني مدمراً، وحكومته مفلسة؛ وقد تعهد حزب الله بإعادة بناء 15 ألف شقة سكنية تم قصفها في الضاحية الشيعية.

دعا اتفاق وقف إطلاق النار المفاوض عليه أخيرا في الامم المتحدة حزب الله للتجرد من سلاحه والانسحاب من الجنوب، كي يحل محله الجيش اللبناني وقوة دولية. لو استمر وقف إطلاق النار، فعلى إسرائيل والولايات المتحدة أن تقوّيا، ولو متأخرتين، يد السنيورة.
سيكون هذا الامر صعباً جداً، مع إعلان حزب الله الآن "انتصاره". غير أنه الأمل الضئيل الأفضل من أجل لجم حزب الله بعد أخطاء الاسابيع الاخيرة.
لقد فات الأوان من أجل "تعلم تناول الحساء بالسكين"، المطلوب قراءته (هذا الكتاب) في البيت الابيض.

المصدر:جريدة النهار اللبنانية.  بتاريخ 17/08/2006  الساعة 02:24
 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية