حرب لبنان تبدد انتصار الـ 67 وتنهي الزعامة في إسرائيل
 

حلمي موسى
لا شيء يحير الإسرائيلي حالياً أكثر من سؤاله عن موقفه من الجيش. في الماضي كان الجيش موضع فخره بعدما حقق له أمجاداً كبيرة خاصة في حرب عام 1967 التي جعلت من الجيش في نظر الكثيرين أداة إلهية. تغير الوضع بعض الشيء في حرب تشرين عام 1973 فاهتزت الأرض تحت أقدام الجيش والحكم على حد سواء، وشكلت لجنة تحقيق أعادت الاعتبار لمصداقية الجيش. وبعد ذلك كثر الحديث عن انتقال الفخر في المجتمع الإسرائيلي من الجيش إلى حلبة رجال الأعمال أو التكنولوجيا.

ومع ذلك فإن الجيش كان وما يزال أساساً بنيوياً في تشكيل الهوية الإسرائيلية المعاصرة. وإسرائيل في ذلك تختلف عن كل دول العالم تقريبا التي يصعب تعريف كينونتها بوجود جيشها أو مقدار قوته. وهكذا نجد أن الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان والتي بدأت بالتفاف المجتمع برمته تقريباً حول الحكومة والجيش، انتهت بخلاف حاد حول الحكم وعلامات تعجب إزاء الجيش. ووجد كثيرون من الإسرائيليين في فضيحة المحفظة الاستثمارية لرئيس الأركان دان حلوتس فرصة للتعبير عن خيبتهم من قائد الجيش من دون أن يعكس ذلك موقفهم من الجيش ذاته.

وفي هذا السياق ثمة أهمية لما جاء في افتتاحية "هآرتس" عن أن "أمراً واحداً لا بد أن يكون واضحاً، من دون جيش ممتاز، مستعد في كل لحظة لمواجهة العدو، فإنه لا توجد لدولة إسرائيل أية فرصة للبقاء في المنطقة لوقت طويل. مع مثل هذا الفهم العميق، يشترك هؤلاء الذين يعتقدون بأنه لا بد من الانسحاب التام من كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام ,1967 وكذلك الذين يعتقدون بأنه يحظر التنازل عن أي متر من الأرض. إن الديموقراطية الإسرائيلية تقوم على أساس وجود جيش إسرائيلي قوي، الذي تحافظ قياداته على قدراته عن طريق التدريبات، وتزويده بالتجهيزات والروح القتالية، وكأن الحرب قد تقع في كل لحظة".

وأشارت الصحيفة إلى أنه لهذا السبب "ومن دون توجيه الاتهام، أو إلقاء المسؤولية فقط على كاهل رئيس الأركان، فإنه في ضوء فحص الأداء، والاستعدادات والنتائج، يجب على حلوتس الاستقالة فوراً. هذه الاستقالة كان يجب أن تحدث حتى قبل بداية هذا الفحص وهذه التحقيقات، وذلك ليس للتأكيد على جدية وخطورة الأوضاع، وأنه لا يوجد فشل من دون تحمل للمسؤولية، وأنه لا يوجد فشل يمكنه أن يتخفى وراء انتصار سخيف".

ورأت "هآرتس" أن "حقيقة عثور رئيس الأركان على الوقت الكافي لبيع جميع أسهمه بتاريخ 12/7 ظهراً، أي بعد ثلاث ساعات فقط من اختطاف الجنود، لا يمكن التسامح معها، أو تحملها من كل زاوية ممكنة. فعندما نتحدث عن شخصية عامة، رفيعة المستوى من النوع الذي أُلقيت على عاتقه مسؤولية الشعب الإسرائيلي ومصيره، وكذلك مصير أولئك الجنود المخطوفين، والجنود الذين خرجوا لإنقاذهم وقُتلوا، لا يمكن التحدث عن "مجرد" النزول إلى الخصوصيات. إن تصرفات رئيس الأركان في حياته الخاصة تفيدنا بمدى قدرته على القيادة في حياته العامة. فإذا كان رئيس الأركان قد وجد وقتاً كافياً في لحظات مصيرية كهذه، عملية ونفسية، لكي يعالج قضايا من هذا النوع، فإن هذا يكفي لكي يتوقف عن ممارسته لمهام رئيس الأركان. إن الإحساس المتراكم من أن رئيس الأركان قد تفرغ في اليوم المرير نفسه لكي يبيع أسهماً، وأن وزير العدل الإسرائيلي (حاييم رامون) تفرغ في اليوم نفسه لكي يتصور ويأخذ رقم هاتف موظفة في الحكومة، تبين في ما بعد أنها اتهمته بالتحرش الجنسي، فإن هذا يعتبر إحساساً يدفع إلى اليأس بأنه ليس للجمهور من يعتمد عليه".

وخلصت الصحيفة إلى أنه "إذا قرر رئيس الأركان الاستقالة فإنه يثبت، بتأخير مؤسف، أنه يفهم ماذا يحدث في إسرائيل خلال الشهر الأخير، وأن جلوسه أمام صحافيين لإجراء مقابلات تلفزيونية في اللحظات التي اشتد فيها القتال يوم السبت الأخير، عبر طريقته في التبرير، وكأنه يكرس كل الوقت للإدارة الفذة التي أظهرها طوال مدة ولايته، فلو كان لمثل هذا السلوك الفظ أي غطاء، فإنه من دون شك كان سيكون سلوكاً ناجحاً. وأن آلاف الجنود الذين كانوا يعملون تحت قيادته، والذين هم الآن في طريقهم إلى البيت، وهم بأغلبيتهم يعتبر الجيش، بالنسبة إليهم، ليس مهنتهم الأساسية، وأنهم قد جُندوا بحسب الأمر (8) وذلك، فقط، لأنهم منحوا ثقتهم لرئيس هيئة الأركان، فإنهم يروون قصصاً تقشعر لها الأبدان، ويقف لها شعر الرأس من الفشل اللوجستي، والبلبلة والتشويش في الأوامر، ومن مستودعات أسلحة فارغة، وعمليات عسكرية ليس لها أهداف واضحة وتدريبات هدفها إعدادهم لقتال ليس صحيحاً".

وفي "يديعوت أحرونوت" كتب ايتان هابر أن "جنود الجيش الإسرائيلي، من الاحتياط أو النظاميين، يعودون هذه الأيام متعبين ومنهكين، من ميدان المعركة. وهم بأغلبيتهم صامتون الآن". وأضاف أنه "لا يمكن الخطأ في مثل هذا الصمت، فبعد أيام معدودة، بل ربما بعد أسابيع، سيفيق الجنود من صدمتهم في لبنان ويعربون عن رأيهم، هذا من حقهم: فقد أُرسلوا إلى الامتحان الأصعب الذي يواجهه الإنسان، قتال لإنقاذ الروح والحياة، ووقوف على حافة الموت. من واجبهم أن يقولوا رأيهم لمن أرسلهم إلى هناك. فقد بدأنا نسمع بعض الأصوات، لكن ذلك ما يزال ضعيفاً وكأنه قطرات الماء، وبعد ذلك سيكون مثل السيل العارم. سيقوم، أو لا يقوم، من بينهم أشخاص لقيادة الاحتجاج: فمن سمع ذات يوم عن "الأمهات الأربع" يوماً واحداً قبل أن يخرجوا إلى الجمهور؟ ومن كان يعرف شيئاً عن موطي أشكنازي، يوماً واحداً قبل أن يبدأ إضراباً عن الطعام ضد قادته في حرب يوم الغفران؟. كلما تكاملت صورة الوضع حالياً، فإنها ستكون صعبة للغاية: لا شيء، ولكن لا شيء، في المجال العسكري أو المدني كان جاهزاً ومستعداً لهذه الحرب".

ورأى هابر أن تشكيل لجنة تحقيق رسمية سيتم في نهاية المطاف. "هذا كان في حرب يوم الغفران، وكذلك في حرب لبنان الأولى، وكذلك في أحداث تشرين الأول عام ,2000 حاولت السلطات التقليل من حجم الاحتجاجات الشديدة، وفي كل الحالات باءت بالفشل". ويخلص هابر إلى أن "الأزمة الأكبر التي تمر بها دولة إسرائيل الآن ليست ناتجة عن "حرب الكاتيوشا". هذا ليس له علاقة بالجيش الإسرائيلي، وليس له علاقة بمليون من المدنيين الخائفين، الذين جلسوا في الملاجئ أو غادروا أماكن حياتهم. الأزمة الحقيقية، التي ستبرز أكثر حدة في القريب العاجل، هي في القيادة: لقد انتهت الزعامة في إسرائيل. لا يوجد الآن، ولا حتى مجرد زعيم واحد من الأشخاص السياسيين ورجال الجيش والأكاديميا، من الذين يحلم بهم المواطنون الإسرائيليون في الليالي التي يشتاقون فيها للزعامة. إذا ما تبدل هؤلاء الأغرار، أولمرت وعمير بيرتس وتسيبي لفني وآخرون، حقاً، فمن الذي سيخلفهم؟".

ومن الطبيعي، عند الحديث عن زعماء، أن يتم التركيز على أداء كل من أولمرت وبيرتس. ويشير عاموس كرميل في "يديعوت" إلى أنه ومن دون تشكيل لجنة تحقيق يمكن "منذ الآن التمييز بوضوح لزعمين أساسين للمسؤولين الكبيرين اللذين من المحتمل أن تحقق اللجنة معهما: ها هو من محيطه ومن محيط وزير الحرب تتصاعد اتهامات كبيرة في اتجاهين ضد من سبقهما وضد مرؤوسيهما... وأن الحرب اندلعت في المئة يوم الأولى لولاية الرجلين في منصبيهما الحاليين".

ولا يتقبل كرميل أعذار أولمرت وبيرتس برغم أن بوسعهما "أن يشرحا أنهما لن يجلسا وحدهما في قفص الاتهام الجماهيري، وأنه ينبغي توزيع العقاب بينهما وبين شركائهما في الماضي وفي الحاضر". فأولمرت في نظره الرجل الثاني في الحكومة منذ آذار ,2003 و"كان شريكاً كاملاً في مسؤولية الحكومة السابقة عن كل ما جرى ولم يجرِ في المجالين السياسي والأمني". كما أن بيرتس كان يسعى لتولي رئاسة الحكومة و"لذلك مطلوب منه أن يستعد مسبقاً للصمود في هذا التحدي فإذا لم يكن يفهم الألف باء الجماهيري هذا فممن يشكو؟".

ويخلص كرميل إلى أنه وأياً كانت المبررات "كان عليهما، بحكم منصبيهما اللذين تولياهما طوعاً، أن يعرفا هذا الواقع وأن يفكرا بإمعان في خطواتهما بما يتناسب مع ذلك... وفقاً لكل المؤشرات فقد فشلا في هذا الاختبار العسير ولهذا فإن عليهما أن يذهبا إلى البيت".
ولكن الفشل في نظر الكاتب في الشؤون الاستراتيجية رؤوبين بدهتسور ليس عابراً. وكتب بدهتسور في "هآرتس" مقالة بعنوان "الضربة القاضية التي تلقيناها" يوضح فيها أن الفشل الأميركي في فيتنام "تبين عندما تبنى قائد القوات الأميركية هناك الجنرال فستمورلاند أسلوب "إحصاء الجثث"، كبديل للانتصارات العسكرية. عندما لم يكن بإمكانه الإشارة إلى إنجازات في ارض المعركة، قام هذا القائد بالإبلاغ عن عدد جثث جنود الفيتكونغ الذين قتلهم جنوده يومياً الى واشنطن".

وأشار بدهتسور إلى أنه "في الأسابيع الأخيرة تبنى الجيش الإسرائيلي هذا الأسلوب. عندما يقوم الجيش الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط بخوض معركة طوال أكثر من أسبوعين مع 50 مقاتلاً من حزب الله في بنت جبيل ولا ينجح في إخضاعهم، لا يتبقى أمام قادته إلا الإشارة إلى عدد جثث مقاتلي العدو. بنت جبيل، كما يجب الافتراض، ستتحول إلى رمز لحرب لبنان الثانية. ستكون هذه المعركة في تراث وتقاليد مقاتلي حزب الله مثل ستالينغراد لبنانية. أما بالنسبة لنا فستكون تذكاراً مؤلماً لفشل الجيش الإسرائيلي في الحرب".

ويرفض بدهتسور فكرة أن إسرائيل تلقت صفعة. ويشير إلى أن "المصطلح الأكثر ملاءمة هو "ضربة قاضية". نحن لسنا أمام فشل عسكري فقط. هذا فشل استراتيجي لم تتضح بعد تبعاته وإسقاطاته السلبية بعيدة المدى. ومثل الملاكم بعد أن يتلقى الصدمة، نحن ما زلنا جاثمين على الأرض في شبه إغماء محاولين فهم ما حدث لنا. مثلما أفضت حرب الأيام الستة إلى تغير استراتيجي في الشرق الأوسط وتكريس مكانة دولة إسرائيل كدولة إقليمية عظمى، قد تؤدي حرب لبنان الثانية إلى عملية معاكسة. ففشل الجيش الإسرائيلي في القتال يقضم ثروتنا الأهم بالنسبة للأمن القومي صورة الدولة القوية الجبارة التي تمتلك جيشاً ضخماً وقوياً ومتطوراً قادراً على ضرب أعدائنا وتوجيه ضربات ساحقة لهم إن تجرأوا فقط على التحرش بها. هذه الحرب، كما اتضح بسرعة كبيرة جداً، كانت حرباً على "الوعي" و"الردع". وقد فشلنا في الحالتين".

ويرى بدهتسور أن الأهمية ليست "لقوة الجيش الإسرائيلي الحقيقية" إذ أن الأهم "هو صورة الجيش الإسرائيلي ومعه صورة إسرائيل في نظر العدو الذي نقاتله وفي نظر الخصوم الآخرين في المنطقة". "ففي دمشق وغزة وطهران، وفي القاهرة أيضاً، ينظرون باستغراب للجيش الإسرائيلي الذي لا ينجح في إخضاع تنظيم عصابات صغير (1500 مقاتل بحسب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية وبضعة آلاف بحسب مصادر أخرى) طوال أكثر من شهر، ويفشل مع دفع ثمن فادح في أغلبية المعارك التي يبادر إليها في جنوب لبنان، والأدهى من كل ذلك أنه لا ينجح في شل قدرة حزب الله على إطلاق الصواريخ، الأمر الذي يُجبر أكثر من مليون مواطن اسرائيلي على ملازمة الملاجئ لأكثر من أربعة أسابيع. ما الذي حدث لهذا الجيش العملاق الذي لم ينجح بعد شهر من التقدم أكثر من بضعة كيلومترات في الأراضي اللبنانية يتساءل الكثيرون من أولئك الذين يخططون للحروب المقبلة ضد إسرائيل".

ويشدد على أن "نجاح الردع الإسرائيلي كان مرتكزاً على اعتراف العدو بأنه سيدفع ثمناً باهظاً جداً إذا مس بإسرائيل. وهذا، على سبيل المثال، ما حال حتى اليوم، وخلال الحروب، دون إطلاق مئات الصواريخ السورية على العمق الإسرائيلي، حيث كان هناك خوف من توجيه إسرائيل لضربات قاسية لدمشق وغيرها من المدن السورية المركزية. ولكن عندما تُطلق أكثر من 3 آلاف صاروخ على الجليل وحيفا والخضيرة من دون أن تتمكن إسرائيل من جباية الثمن من أي أحد، يتصدع الردع الإسرائيلي ويتضرر".

ويكتب بدهتسور أن "الجيش ترك الحكومة ورئيسها يعتقدون أن سلاح الجو سينجح في تصفية قدرات حزب الله القتالية خلال أيام معدودة، ومن ثم سيسود وضع جديد في لبنان. على أساس هذه الوعود حدد أولمرت أهداف الحرب الطموحة والتي لم تكن قابلة للتحقق بطبيعة الحال". ويضيف بدهتسور أنه "مثلما حدث قبل حرب الغفران، كان هناك مزيج هدام من العجرفة والغرور والغطرسة والاستخفاف بالخصم. الجنرالات كانوا واثقين جداً من نجاح سلاح الجو لدرجة أنهم لم يُعدوا أي بديل في حالة الفشل في تحقيق الأهداف. وعندما اتضح بعد أسبوع أن حزب الله لا ينهار، وأن صواريخه لم تتضرر بصورة ملموسة، وقع الجيش الإسرائيلي في ضائقة حقيقية وحالة من الإرباك. هذا هو سبب التردد في استخدام القوة وانعدام العزيمة والتصميم في الدفع بالقوات البرية".

وينهي بدهتسور مقالته بالقول إن "الدولة تخصص 11 مليار دولار في كل سنة لميزانية الحرب. 15 في المئة تقريباً من الناتج القومي الخام مخصصة للأمن. ومع ذلك، عندما يستدعون جنود الاحتياط يتبين أنهم يفتقدون للعتاد الأساسي". ويرى "أن ذروة الوقاحة هي تلميحات ضباط كبار إلى أن النقص في العتاد للجنود الذين أُرسلوا إلى لبنان نابع من تقليص الميزانية الأمنية".
 

المصدر:جريدة السفير اللبنانية.  بتاريخ 17/08/2006  الساعة 02:09
 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية