انقلاب استراتيجي
 


إدراج صحافة عربية بتاريخ 16/07/2006الساعة 00:05.
د. عبد الستار قاسم
قلبت صواريخ حزب الله التي أصابت البارجة الصهيونية ميزان القوى في المنطقة العربية الإسلامية، وستستمر آثارها بالتفاعل على مختلف المستويات السياسية-القيادية والشعبية والأكاديمية والفكرية. تشكل هذه الصواريخ تحولا جذريا وحيويا يفرض نفسه على الأصدقاء والأعداء، ويغير كثيرا في المقاربات المختلفة لحل مشاكل وهموم المنطقة، ويدفع باتجاه بلورة رؤى جديدة للتحولات المستقبلية في مختلف مجالات الحياة.

بداية، سيجد محللون كثر على الساحتين العربية والإسلامية أنفسهم في حرج كبير أمام ما كتبوه وما حللوه في الماضي على اعتبار أنهم افترضوا استمرار التفوق الإسرائيلي في المجالين التقني والعسكري، واستمرار التخلف العربي-الإسلامي.

ينطبق هذا على سياسيين وحكام وقادة كانوا قد بنوا مواقفهم وسياساتهم وفق ظروف الضعف العربي-الإسلامي وفقدان الأمل في إمكانية النهوض واكتساب القوة. وسينعكس الأمر على الساحات الثقافية والفكرية العربية التي ستشهد رفضا للكثير من الأدبيات والتنظيرات الانهزامية التي طفت على السطح ووجدت لها مساحات نشر واسعة في مختلف وسائل الإعلام العربية من صحف وإذاعات مسموعة ومرئية.

ما أثبتته صواريخ حزب الله أن إيران وربما معها سوريا وحزب الله قد حققت قفزات تقنية نوعية، وأن ما عرضته إيران في مناوراتها العسكرية الأخيرة التي حملت اسم رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام يعبر عن حقيقة مُنجزة ولم يكن مجرد دعاية إعلامية. لقد تخطت تلك الصواريخ العراقيل الإليكترونية التي تفرضها أجهزة البارجة المتطورة، واستطاعت أن تخترق المنظومات الدفاعية وتصيب البارجة إصابة مباشرة. واضح أن الصواريخ على مستوى تقنّ عالٍ قادرة إما على تعطيل تقنية العدو، أو أنها مصنعة بطريقة تحول دون اكتشافها من قبل أجهزة العدو.

إذا كانت صواريخ بر-بحر هذه قادرة على اختراق كل الاحتياطات الأمنية الإسرائيلية، فإنه من المتوقع أن أدوات عسكرية يملكها حزب الله مثل مضادات جوية وصواريخ أرض-أرض قادرة على ذلك أيضا وذلك لأنه يمكن تطبيق التقنية العسكرية الناجحة في مجال معين في مجالات أخرى بما فيها المجالات المدنية. أي أن التطور في مجال معين يعكس نفسه على المنظومات التسليحية المختلفة. وإذا كانت إيران قد حققت هذا التطور التقني بخاصة في المجالات الإليكترونية، فإن الافتراض بأنها قد حققت اختراقات تقنية واسعة وشاملة يعتبر حقيقة واقعة ويتعدى الافتراضية.

إذا كان بالإمكان إصابة بارجة إسرائيلية متطورة فإنه بالإمكان أيضا إصابة بوارج أمريكية وغربية متطورة. المنظومة الإليكترونية الغربية متشابهة، وما يهدد الأدوات التسليحية الإٌسرائيلية من شأنه أن يهدد الأدوات التسليحية الغربية. أي أن التهديد الإيراني بالرد بقوة على التهديد الأمريكي فيما يخص البرنامج النووي الإيراني حقيقي ويستند الآن على مصداقية ميدانية، وإذا تواجد هناك من كان يرغب في التشكيك بالصدقية الإيرانية، فإن عليه مراجعة حساباته.

ما ينطبق على تطور حزب الله تقنيا، ينطبق على سوريا. إذا كان حزب الله يمتلك قدرات عسكرية حديثة وقادرة على الرد الموجع والردع، فإن سوريا تمتلك ذات الإمكانات وربما أكثر من حيث أن قدراتها الاستيعابية كجيش نظامي أكثر بكثير من طاقات حزب الله. أي أن الجيش السوري يمتلك الآن قدرات رادعة، ويمكن الاعتقاد بأنه حقق خطوات واسعة نحو توازن القوى في المنطقة.

بالنسبة لإسرائيل وأمريكا، الأمر لا بد جد خطير وينطوي على تحد حقيقي وردعي. على الدولتين أن تعيدا حساباتهما، وأن تبدآ بالتنازل عن كبريائهما الآخذ بالاهتزاز والانهيار. لقد أشبعتا العرب إذلالا وهزائما، وحان الوقت للتعامل مع العرب والمسلمين بطريقة مختلفة تتطلب الاعتراف بالحقوق والتعامل بمنطق الندية.

الأمر يبدو صعبا بالنسبة للأنظمة العربية. يهدد الاختلال بموازين القوى العديد من الأنظمة العربية التي اعتمدت في وجودها حتى الآن على الحماية الأمريكية والدعم الإسرائيلي. هذه أنظمة ستفقد جزءا كبيرا من مظلتها وستصبح أكثر عرضة لانتقام الجماهير ولحركة حزبية عربية أكثر نشاطا وأكثر جرأة في التحدي والمبارزة. فضلا عن أنظمة عربية مثل السعودية والأردن ومصر ستبوء بخيبة عظيمة ومذلة بعد هجومها على ما أسمته مغامرات حزب الله.

ستكسب القضية الفلسطينية زخما جديا، وستشهد الساحة الفلسطينية مزيدا من التراجع لاتفاقية أوسلو والمؤيدين لها. سيكسب التيار الإسلامي المقاوم مزيدا من الخم الشعبي، وستظهر تحولات اجتماعية وأخلاقية إيجابية على الساحة الفلسطينية. هذا كله سيكتمل بعدما يكون حزب الله قد حقق نصرا يؤدي إلى تبادل الأسرى.

بالنسبة لإسرائيل وأمريكا، لا شك بأنهما مشغولتان جدا الآن فيما يملكه حزب الله من أسلحة، ويريدان معرفة المزيد. ستعمل الدولتان على استفزاز حزب الله بالمزيد من أجل أن يستخدم مزيدا من الأسلحة. طبعا من الناحية الاستراتيجية، ليس من الحكمة استعمال كل ما هو متوفر من الأسلحة لأنه من المهم الاحتفاظ ببعضها لمفاجأة العدو في معركة كبرى. إنما هناك مشكلة متعلقة بالضغط الشعبي اللبناني والعربي عامة الذي يريد أن يرى مفاجآت حزب الله، ويريد أن يشعر بمزيد من الاطمئنان على أن الأمة بخير.

في النهاية، على الذين يفترضون أن التاريخ انتهى عند تفوق إسرائيل وأمريكا أن يراجعوا أفكارهم. التاريخ في حركة مستمرة، وإذا صمم الضعيف أن يصبح قويا فإن أحدا لن يتمكن من منعه.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية