آن لزمان الضفادع أن يولي
 


فهمي هويدي / كاتب ومفكر مصري
لا أستطيع أن أفترض البراءة‏،‏ ولا حتى الغباء في أولئك الذين يصرون على التهوين في شأن الإنجاز الكبير الذي حققه حزب الله في مواجهته الباسلة للانقضاض الإسرائيلي على لبنان‏.‏ ولأن ذلك الإنجاز واضح لكل ذي عينين،‏ فقد اقتنعت بأننا لسنا بإزاء مشكلة قصر في النظر أو ضعف في البصر، ولكننا بإزاء أزمة ضمير وافتقاد للبصيرة‏.‏

(1)‏ الرسالة واضحة في قرار رئيس الأركان الإسرائيلي عزل الجنرال "أدوي آدم" قائد المنطقة الشمالية‏،‏ الذي تخوض قواته المعركة ضد حزب الله‏،‏ وهو ابن الجنرال "يوكتئيل آدم" الذي كان نائبا لرئيس الأركان‏،‏ وقتل بنيران حزب الله‏ في أثناء غزو لبنان في عام ‏1982.‏

القرار وصفته وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنه زلزال في الجيش‏.‏ وبثت إذاعة الجيش صباح يوم 9/8 تعليقا عليه لمراسلها روني شيلدهاف‏،‏ قال فيه: إنه يعبر عن حجم الإحباط الذي يسود القيادة العسكرية والسياسية من تعثر المعركة في مواجهة حزب الله‏،‏ وعجز الجيش عن حسمها‏ بعد مضي شهر على الحرب‏،‏ برغم أن الرجل يعمل إلى جواره من الجنرالات وتحت إمرته أكثر من عشرة آلاف جندي‏،‏ يواجهون عدة مئات من مقاتلي حزب الله‏.

المفكر الإسرائيلي والكاتب الساخر "يونتان شام أور" كان أكثر صراحة في تقييمه للموقف‏،‏ فقد نشرت له صحيفة معاريف في 2/8 مقالة قال فيها‏:‏ لقد خسرنا‏..‏ ولم يعد مهما إذا كان الجيش سيصل إلى نهر الليطاني أو أنهم سيأتون إلينا برأس نصر الله‏،‏ فقد انتصروا وأصبحنا نحن الخاسرين‏.‏ ثم أضاف قائلا: إن المواجهة الحالية لن تقضي على المستقبل السياسي لحزب كاديما الذي يقوده أولمرت‏،‏ ولكنها أيضا ستلقي بظلالها على مستقبل المواجهات القادمة بين إسرائيل وحركات المقاومة العربية‏.‏ ذلك أن إسرائيل بعدما فقدت قوة الردع سيصبح بمقدور أي جماعة من خصومها أن تتغوط علينا بأي عدد من الصواريخ يروق لها‏.

في الوقت ذاته، فإن ثمة اتفاقا بين المعلقين في الدولة العبرية على أن الزلزال سيشمل المستوى السياسي فضلا عن العسكري في إسرائيل؛‏ إذ يتحدث البعض عن تشكيل لجنة تحقيق في خيبة الجيش‏،‏ قد تطيح برأس رئيس الأركان ذاته "دان حالوتس" لضعف أدائه؛‏ حيث يرجح أن توصي بعدم تعيين رئيس للأركان مثله قضى خبرته العسكرية في سلاح الجو‏.‏

وقد تحدث الصحفيان "أفي زخاروف" و"عاموس هائيل" عن انتقادات حادة في قيادة الجيش لطريقة إدارة الحرب‏.‏ ونقلا عن بعض القادة في مقالة مشتركة نشرتها هاآرتس في ‏2/8 انتقادهم لما سموه بـ خطيئة الغرور التي تصور معها مخططو الحرب أنه بالإمكان القضاء على خطر صواريخ حزب الله بالغارات الجوية‏.‏ في حين أشار أولئك القادة إلى الإهمال المتواصل لتدريبات وحدات الاحتياط ومعداتها‏،‏ وتوقعوا أن يحدث التحقيق في ملابسات الحرب ومسارها صدمة كبرى في الجيش الإسرائيلي‏.‏

(2)‏ الصحفي "يوئيل ماركوس" نشرت له صحيفة هاآرتس مقالة في ‏7/8 أشار فيها إلى أن التأييد الجارف من جانب الجمهور الإسرائيلي للحرب‏،‏ يذكر بالنكتة المعروفة عن جمهور للأوبرا ظل يصفق طويلا للمغنية‏،‏ حتى صاح واحد من الحاضرين قائلا‏:‏ لن نسمح لك بالنزول عن المسرح حتى تتعلمي الغناء‏!‏.

أضاف ماركوس المعروف بكتاباته اللاذعة أن الأغلبية أيدت الحكومة رغم أن ما بين ‏100‏ إلى ‏200‏ صاروخ تضرب إسرائيل يوميا من المطلة وحتى حيفا‏.‏ وذلك كابوس لم نتوقعه حتى في أسوأ أحلامنا‏.‏ وحذر من الأسئلة المحرجة التي سيطرحها الناس حول المكسب والخسارة في الحملة العسكرية‏.‏

مثل هذه التعليقات التي تعبر عن فقدان الثقة وخيبة الأمل باتت تحفل بها وسائل الإعلام الإسرائيلي‏؛‏ ففي صبيحة الخميس ‏2/8 قال معلق الإذاعة العبرية: إن نجاح المقاومة في استهداف العمق الإسرائيلي بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على الحرب يمثل فضيحة للدولة وجيشها‏،‏ وفي اليوم نفسه نشرت صحيفة هاآرتس في افتتاحيتها تعليقا على خطاب رئيس الوزراء إيهود أولمرت الذي قال فيه: إن إسرائيل حققت في الحرب الحالية إنجازات غير مسبوقة‏.‏ وفي التعليق ذكرت أن قادة إسرائيل يعتمدون لغة الخطابة‏،‏ في حين أن حزب الله يعتمد لغة الفعل بالدرجة الأولى‏.

وفي نفس العدد نشر المؤرخ والمفكر الإسرائيلي "توم سيغف" مقالة مسكونة بالمرارة تحدث فيها عن انعدام مصداقية قادة الجيش وترددهم‏،‏ وعجزهم عن إقناع الجمهور بأنهم حققوا إنجازا في الحرب‏.‏

"هاآرتس" نشرت أيضا مقالة للمفكر والمؤرخ "زئيف شترنهال" قال فيها بصراحة: إن هذه الحرب هي الأكثر فشلا التي تخوضها الدولة العبرية طوال تاريخها‏.‏ وأضاف أنه بعد ثلاثة أسابيع تحدث أولمرت على نحو موغل في التفاؤل‏،‏ في حين أنه هو وحكومته وجيشه تحولوا وأصبحوا يخفضون من سقف الأهداف التي وضعوها للحرب‏.‏ فبعد أن قالوا: إنه يجب تحقيق هدفين رئيسيين هما‏:‏ استعادة قوة إسرائيل الردعية في مواجهة العرب‏،‏ وتصفية حزب الله نهائيا‏،‏ وجدنا أن الهدفين تراجعا ليصبح هدف الحرب الرئيسي هو مجرد إبعاد مواقع حزب الله الأمامية عن الحدود الشمالية لإسرائيل‏،‏ ونشر قوات دولية على الحدود‏.‏

الجنرال "زئيف شيف" كبير المعلقين العسكريين في صحيفة هاآرتس كتب مشيرا إلى أن وزيرة الخارجية الأمريكية وأركان الإدارة في واشنطن كانوا من أكثر المتحمسين لمواصلة إسرائيل للحرب حتى تنجح في إخضاع حزب الله واستسلامه،‏ لكن الأداء العسكري الإسرائيلي خيب آمال المسئولين الأمريكيين‏،‏ الذين استغربوا قدرة المقاومة اللبنانية على مواصلة حرب الاستنزاف ضد الدولة العبرية بعد مرور أربعة أسابيع على المعارك‏.‏

(3)‏ إضافة إلى الاعتراف بالهزيمة‏،‏ وفقدان الثقة في أداء القوات المسلحة وقرارات الحكومة الإسرائيلية‏،‏ فإن الصدمة أحدثت اهتزازات وأصداء أخرى‏،‏ كان من بينها على سبيل المثال‏:
‏*‏ اتهام أمريكا بتوريط إسرائيل‏:‏ هذه الفكرة ترددت في كتابات عدد من المحللين والخبراء‏.‏ عبر عن ذلك "تسفي بارئيل"، محرر الشئون العربية في هاآرتس‏،‏ الذي قال صراحة: إن واشنطن تحاول توريط إسرائيل في حرب دينية ضد العالمين العربي والإسلامي‏.‏ وهذه الفكرة عبر عنها آخرون ممن حذروا من مغبة وقوع إسرائيل ضحية إغراء التأييد الأمريكي لها في الحرب‏.‏ وكانت "زهافا غلون"، رئيسة كتلة حزب ياحد اليساري وعضو الكنيست قد وصفت التأييد الأمريكي بأنه توريط في المستنقع اللبناني‏.‏ الموقف ذاته تبناه المؤرخ البارز "توم سيغف" الذي قال في مقالة نشرتها هاآرتس: إن للولايات المتحدة دورا كبيرا في توريط إسرائيل في الحرب‏.‏

وأعاد إلى الأذهان حقيقة أن الولايات المتحدة تنقصها الدراية الكافية بكيفية التعامل مع العالم العربي‏،‏ بخلاف أوروبا‏.‏ وقال إنه كان من الأفضل لإسرائيل الدخول في مفاوضات لإطلاق الأسيرين‏.‏ وللعلم، فإن عددا غير قليل من الساسة اليساريين في إسرائيل اعتبروا أن هذه حربا تشنها بلادهم بالوكالة عن الولايات المتحدة‏،‏ وهي في النهاية لن تخدم لا إسرائيل ولا أمريكا‏،‏ كما قالت زهانا غلون‏.‏

*‏ رسائل مغازلة سوريا‏:‏ أجمعت التقارير الصحفية على أن إسرائيل منذ بداية الحرب حرصت على طمأنة سوريا إلى أن الحملة ضد حزب الله ولن تشملها‏.‏ ولكن أصواتا إسرائيلية عدة ذهبت إلى أبعد‏،‏ فدعت إلى إحياء المسار التفاوضي مع دمشق وعقد صفقة معها حول هضبة الجولان‏،‏ بما يؤدي إلى عزلها عن حزب الله وإيران‏.‏ ومن أبرز الداعين إلى ذلك الجنرال "أوري ساغيه"، رئيس الاستخبارات العسكرية الأسبق‏،‏ الذي رأس فريق المفاوضات مع سوريا على عهد رئيس الوزراء الأسبق باراك ‏(عام ‏1999).‏ وقد أعلن الرجل عن ذلك في تصريحات للإذاعة العبرية‏،‏ دعا فيها حكومة تل أبيب إلى أن تكون مستعدة لدفع الثمن المناسب لإقناع سوريا بعقد الصفقة‏.‏

*‏ "أمل" بديلا عن حزب الله‏:‏ تحدث خبراء آخرون عن عزل حزب الله‏ عن طريق التعامل مع حركة أمل‏،‏ واعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشيعة في لبنان‏.‏ دعا إلى ذلك الدكتور يسحاك بيلي‏،‏ المستشار السابق لوزارة الحرب لشئون الشيعة؛‏ إذ حث تل أبيب وواشنطن على التعاون في جذب حركة أمل والتركيز على تمثيلها للشيعة في الجنوب بوجه أخص‏.‏ وركز على أن ثمة فروقا بين الحركتين‏،‏ أبرزها أن حركة أمل علمانية وذات قيادة معتدلة‏،‏ في حين أن حزب الله له توجهاته الأصولية المتطرفة‏.‏

حلم أم علم؟
‏(4)‏ السؤال طرحه العم أمين هويدي وزير الحربية ورئيس المخابرات الأسبق‏،‏ الذي عاصر كل حروب العرب مع إسرائيل‏،‏ وقال‏:‏ من كان يحلم بأن ينقل طرف عربي الخوف والوجع إلى إسرائيل‏،‏ فيهددها لأول مرة في تاريخها‏،‏ ويضرب عمقها واصلا إلى صفد وطبريا والعفولة‏،‏ ويدفع بسكانها إلى المخابئ التي لم يدخلوها منذ نصف قرن،‏ بل ولا يتردد في التصريح بضرب تل أبيب إن هي قصفت بيروت؟- من كان يخطر له أن تنجح المقاومة الإسلامية في هدم نظرية الأمن الإسرائيلي‏،‏ وإفقاد العدو قدرته على الردع‏،‏ وإسقاط هيبة الجيش الذي قالوا إنه لا يقهر‏،‏ وأيضا إسقاط هيبة أجهزة المخابرات الثلاثة‏:‏ الموساد والسي آي إيه ‏(الأمريكية‏)‏ ومخابرات حلف الناتو؟، من كان يتصور في أجواء الإحباط والهزيمة المخيمة أن تقلب المعارك بالكامل في المنطقة‏،‏ على نحو يحدث نقلة نوعية مهمة في موازين القوى‏،‏ تجاوزت بكثير ما حققه العبور المصري إلى سيناء عام ‏73.‏ وهي النقلة التي أكدتها بنجاح على الأراضي‏‏ وستحقق هدفها‏،‏ وستجني الأمة العربية ثمارها‏ إذا أحسن السياسيون توظيفها بنفس درجة الكفاءة التي شهدناها في ساحة القتال‏.‏

المفاجأة في الإنجاز كان لها صداها القوي في أوساط عرب ‏48‏ الذين يعيشون في ظل الذل والعنصرية داخل إسرائيل. صحيفة القدس العربي استكتبت عددا من أدباء حيفا ‏(في عدد 8/8)،‏ فقال الكاتب سليم أبو جبل: إنه حين يهرول اليهود إلى الملاجئ خائفين‏،‏ فإن العرب يخرجون لمشاهدة القذيفة القادمة‏،‏ كأنها هدية جاءتهم بعد طول انتظار‏.‏ وقال الشاعر حنا أبو حنا: إنه بعد الذي جرى‏،‏ فقد آن لزمان الضفادع أن يولي‏.‏

هذه المشاعر الجياشة التي تملأ الشارع العربي‏،‏ وهذه الروح الجديدة التي سرت في أوصال الأمة‏،‏ لم يصل شيء منها إلى دعاة التهوين‏.‏ وإذا كنت قد فسرت موقفهم في البداية بحسبانه تجسيدا لأزمة البصيرة وليس البصر‏،‏ إلا أنني صرت أفكر في أمر آخر‏،‏ حين قرأت تحليلا نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت ‏‏(في 7/8)‏ للمحررة السياسية سيماكرمون‏،‏ ذكرت فيه أنه لأول مرة وزع مكتب رئيس الوزراء‏،‏ رسالة مطبوعة على الوزراء،‏ نبهتهم إلى ضرورة التأكيد في تصريحاتهم الصحفية على أن إسرائيل انتصرت وألحقت الهزيمة بحزب الله‏.‏ وهو ما دفعني إلى التساؤل عما إذا كانت نسخ من تلك الرسالة وزعت على عناصر المارينز في دوائر الإعلام العربي أم لا؟.

المصدر:جريدة الأهرام المصرية. بتاريخ 16/08/2006 الساعة 01:43

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية