رسالة من الجبهة إلى السيد حسن نصر الله: نحن من يقبّل قدميك.. يوم مع الدبابات المنسحبة بذلّ.. والشبان الذين هزموها
 

 جهاد بزي
لا نصدّق ما نراه. دبابة الميركافا على بعد خطوات منا، حرفياً. تحرك مدفعها. تنتظر رتل الدبابات الصاعد من الوادي في بيت ياحون. اختار الرتل طريق بنت جبيل الرئيسية يعبرها في خروجه العاري. لا صوت مقاتلات تحميه في السماء. الجنود مرميون لقدرهم ولالتزام المقاومة بوقف إطلاق النار. لا نصدق ما نراه.

تصل الدبابة الثانية. تطل منها رؤوس صغيرة لشبان بملامح شديدة الحذر، تهرب عيونهم من النظر إلى المحدّقين فيهم، ومن المصورين الذين راحوا يضغطون على أزرار كاميراتهم بجنون، وهم يحومون حول الدبابة التي لم تفعل إلا أن أكملت طريقها.

الدبابات تحمي بعضها بعضاً. واحدة تتخذ وضعية قتال وتدير مدفعها وتكمل الدبابات واحدة بعد الأخرى. الجنود على الدبابات يتفرجون علينا ونحن نتفرج عليهم. لا حيلة لهم أمام كل آلات التصوير هذه تلتقط صور وجوههم المرتعدة من كل الزوايا.
لا حيلة لهم أمام الدبابة المدمرة المجرورة جرّاً، ولا تلك التي تلحق بها محترقة في طرف منها وتعرج.

في لحظة، تحوّل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى خلفية لمراسلي التلفزيونات، وخلفية لمن صودف وجوده ووقف أمام الدبابة المنسحبة بجنودها مبتسماً لكاميرا الهاتف الخلوي، مرتاحاً كأنه يقف أمام شجرة.

في انفعالنا الشديد، لا نعلم كم من الوقت مضى ونحن نتفرج على هؤلاء ونلتقط أمامهم صورا تذكارية. يقفز جندي إسرائيلي "عتعيت" من دبابته ويصرخ بصوت مرتجف، بالإنكليزية، يريد منا الابتعاد. لا يجرؤ على لمس أحد منا. يقول كلمتيه ويختفي. صمد على الأرض أقل من ستين ثانية وهرع إلى رفاقه وغرق في الدبابة.
لم يسعفنا الوقت لأخذ المزيد من اللقطات للموكب المنسحب. فاضطر المصورون لمطاردته وهو يصعد التلة.

كأن الانسحاب المكشوف والمصوّر كان أشد إهانة على جيش "الدفاع" من الدبابة المربوطة الزاحفة على بطنها. خاف هؤلاء من الاحتكاك بالمدنيين. ليس الأمر بحاجة إلى كثير ذكاء. المقاومة تحاصرهم من كل جانب. لا أحد يرى شبانها بالطبع، لكنها تحصي عليهم أنفاسهم. عليهم أن يكونوا "حكماء" في مثل هذه اللحظة. عليهم أن يهربوا بصمت، ألا ينظروا إلى الخلف، إلى حيث يرتفع تهليل الصحافيين الذين بهرهم المرور الذليل للقوة التي تركت حكومتها للمقاومة حق تقرير مصيرها. في تلك الدقائق السريعة، بدوا مثيرين للشفقة، وللكثير من السخرية.

مقاومون
في عيترون، قبل قليل من مرور الرتل من أمامنا، جلسنا على امتداد ساعتين مع شبان من المقاومة كانوا يرصدون تلة سمخيا المقابلة التي ينسحب منها الإسرائيليون.
إذا كان ذاك الرتل من الدبابات الهائلة الحجم هو مثال للجيش الإسرائيلي، فإن هؤلاء الشبان هم مثال لمن واجههم.

أربعة كانوا، يفترشون الأرض. شبان نحيلون، يتبادلون النكات والضحك. بينهم مراهق لم تكتمل لحيته بعد. لهجتهم جنوبية رقيقة وحياؤهم لا يرتبط للحظة بصورة المحارب. شرطهم اليتيم هو ألا نصورهم، لكنهم يقبلون أن نصورهم من الخلف.

الدبابات تنزل من سمخيا المقابل منسحبة، وهم يرصدون الانسحاب ويتحسرون على الصيد الضائع تحت عيونهم.. بعض الدبابات المنسحبة مدمر. آلية تجر مدفعاً خلع عن ظهر دبابته التي تسحبها آلية خلفها. والشبان يراقبون بمنظار هو أشبه بلعبة أطفال. مهما حدقت فيهم لن تقتنع أن هؤلاء فعلوا ما فعلوه بهذا الجيش المنسحب.

"هناك أعطبنا أربع دبابات". يقول المقاتل الأول، مشيرا إلى مكان قريب من التلة. "هنا، عند اللافتة الصفراء، كمنّا لهم"، يتابع المقاتل الثاني: "وأنا قصفت البيت الذي دخلوا إليه، وبعيني رأيتهم بعدها يخرجون ثلاثة على الحمالات".
بماذا شعرت حين أصبتهم؟ "بالارتياح. شفيت غليلي".
"يا أبا عبد الله"، صرخ حين رمى عليهم. يومها وقعت مطاردات. هرب الإسرائيليون. لم يدخلوا قلب الضيعة ولا مرة.
الشاب الذي يبدو مسؤولاً عن البقية، يتكلم عبر الجهاز طوال الوقت: حزين حزين.. هناك أربع جيبات هامر تنسحب، وأربعة جنود على الأرض". نجهل بماذا يجيبه "حزين"، لكننا نعلم أن صديقنا حزين يكمن في مكان ما من التلة، وهو ليس بعيداً عن الدبابات.

كيف مضت الأيام عليهم؟ يجيب واحد منهم: "كما الآن. مزاح وضحك. كنا ندبك تحت الزيتونة كلما سمعنا خبراً جيداً. كنا نقاوم وندبك"، يقول الشاب وهو في الخامسة والعشرين ومتزوج ولديه ثلاثة أطفال.

يتابع زميله: كل رقم أعلن عن تدمير دبابات الميركافا كان صحيحا. نحن نطلع المسؤولين عن الأرقام الدقيقة. لا نكذب. هذا ال.." ينقطع كلامه حين ينتبه إلى وجوب عدم ذكر اسم الصاروخ المستخدم في تدمير دبابات الميركافا فيكمل: "الشيء الذي كنا نضربه على الدبابات كان رهيبا".

في الإسبوعين الأخيرين من الحرب باتت المعارك يومية. "في تلة العنيسة دخلت عشر دبابات ولم تخرج.. شو ضحكنا يومها". يتحدث الثالث ببراءة غير مفهومة.

ويتابع المراهق منفعلاً: "أتذكرون صراخهم. يا حرام". يتابع الأول متذكراً: "مرة ضربوا علينا صاروخ الميركافا.. يا عين. إنشوينا.. بس مشي الحال. ما حدا صار معه شي. الحمد لله". ويضحك ثانية.

ما زالوا يحكون عن حربهم التي كانوا "يلعبونها". واحد أصيب في رأسه والثاني يحتفظ بالرصاصة التي علقت في خوذته. لو اخترقتها لكان اليوم شهيداً.

هناك قطة صغيرة تتمرّغ بأقدامهم واحداً بعد آخر. أمضت معهم ثلاثة أيام بلياليها. تأكل من المعلبات التي يلتهمونها. في ليلة طويلة كانت مناوبة حراسة أحد الأربعة. راحت القطة "تتسلقه". ترتفع إلى كتفيه وتمرّغ وجهها بعنقه، وتنزل لتجلس بين قدميه. كانت سلواه الوحيدة، وهي تفضله على بقية الشبان المحيطين به.

نمازحهم: معنوياتكم ليست على ما يرام. يضحكون ويهزون برؤوسهم "موافقين". هم يعلمون أنهم انتصروا في حربهم. هل يعلمون أنهم سجلوا ملاحم تاريخية؟ لا يعنيهم مثل هذا الكلام. عيونهم تلمع بانتصارهم وبمعاركهم الضارية. ليسوا سعداء تماماً بوقف إطلاق النار. "خسرنا الشهادة عندما نجونا من الموت عند السابعة من صباح الاثنين. لم نعط كل ما عندنا. لكننا فرحون بهزيمتهم".

يمد أحدهم يده: "أنظر. منذ متى قصت هذه الأظافر؟ ثلاثة أيام. هذا يعني في أسوأ أيام الحرب. حافظنا على نظافتنا. كيف برأيك تكون معنوياتنا؟" كانوا يتيممون بالتراب ويصلون وهم ينتعلون أحذيتهم. الآن ارتاحوا قليلاً. يتوضأون بالماء، ويصلون حفاة.

نعطيهم مجموعة من أعداد "السفير" السابقة فينكبون عليها. يريدون أن يروا صور الضاحية. لكن صور المجازر تفاجئ واحداً منهم فيحدق فيها مرعوباً. تحزنه صور الأطفال.

هذا المقاتل بشرف هنا، لا يدري ما فعله العدو بالأطفال وكيف انكب على قتلهم. ينقّب في الصور. يبحث عن الدمار في الضاحية، ويحدّق في صور الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله على الصفحات الأولى. هذه الأعداد ستكون سلواهم لهذه الليلة. هديتنا إليهم سيبادلونها بقبعات خضراء كتلك التي يعتمرونها. وكما فرحوا بالصحف، فرحنا بالقبعات.

هؤلاء أربعة ممن قاتلوا الدبابات الذليلة.. خاضوا أشرس حرب في تاريخ لبنان وكأنهم يلعبون.. متى كانت أصعب ليلة عليهم؟ إنها الليلة التي نُقلت فيها رسالة السيد إليهم عبر أجهزة اللاسلكي. حين سمعوه يقول لهم: أقبّل أقدامكم.

في تلك الليلة بكوا. شعروا أنهم لا يقومون بواجبهم، ولم يقبلوا من سماحة السيد أن يقول هذا. هم ما زالوا يرفضون هاتين الكلمتين. بصدق يعبرون عن فكرة واحدة: لا يستحقون أن يقول لهم السيد ما قاله. عرفوا أن غصّة أصابت السيد وهو يتحدث إليهم. بكوا.

الآن تدمع عينا أحدهم وهو يقول: "أنا أركض لأقبّل يد أبي ويسحب أبي يده، وهو سماحة السيد يقول لنا أقبّل أقدامكم. هيدا قائدنا يقول لنا هكذا.. ماذا تريدنا أن نقول له؟ نحن من يقبّل قدميه".
هذه رسالة سيرسلها الشبان الأربعة إلى الأمين العام لحزب الله: نحن من يقبّل قدميك يا سماحة السيد.

المصدر:جريدة السفير اللبنانية. بتاريخ 16/08/2006 الساعة 23:14

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية