الحرب الجبانة على لبنان:آخر الفرص لمصالحة النظم العربية مع شعوبها..
 


إدراج ادريس هاني/المغرب بتاريخ 14/07/2006الساعة 21:26.
يعيش لبنان هذه الأيام ظروفا صعبة ، على إثر الاعتداء الإسرائيلي الذي حدد أهدافه في إبادة المدنيين وتدمير كبرى المنشآت والبنى التحتية للدولة والمجتمع اللبنانيين.

يحمل الاعتداء السافر وراءه جملة من التساؤلات: هل إذا كان الهدف من الاعتداء هو القضاء على حزب الله أو إنقاذ الجنديين المختطفين من قبل الحزب نفسه، فما فائدة اعتداء بهذا الحجم؟! حيث مثل هذا الاعتداء لن يسحق سوى المدنيين ومؤسسات الدولة، ولن يحقق الغرض. اختارت إسرائيل الانتقام من المجتمع اللبناني، لتؤكدت على جبن حربيتها . حيث ما لم تواجه قوة الحزب على الأرض ، فلم تستطع تدميره ولا إنقاذ الجنديين. لم تكن المقاومة مغامرة ـ وإن كان الفعل المقاوم يتطلب قدرا من المغامرة أيضا ـ في عمليتها النوعية التي أحبطت كل الأساطير التي سيجت بعها إسرائيل نفسها ، من حيث أنها الدولة التي تملك من تكنولوجيا الرصد ما لا يسمح باختراق ذبابة مهملة للمجال الإسرائيلي الاحتلالي. اختطاف جنديين وقتل ثمانية آخرين وتدمير ثلاث دبابات مقابل استشهاد مقاوم ، كان لا بد أن يرجو الشهادة بعد أن عمر أكثر من اللازم في منطق مقاوم ، حيث تم انضمامه إلى صفوفها منذ بداية الثمانينيات، وخلف وراءه عشرة أبناء؛ أي عشرة مشاريع لتعزيز ثقافة المقاومة .

عملية ناجحة وشرف أضيف للمقاومة في زمن الذل العربي وهشاشة نظمه السياسية. على إثر هذه العملية ساد صمت عربي كالعادة ؛ لكنه خرق ببعض التصريحات النشاز ، وفي توقيت يعتبر فيه أي تصريح نشاز، خدمة مجانية لإسرائيل وغطاءا يسند تبريراتها الواهية على أفعالها الإجرامية. ليس لإسرائيل الحق في التعلل بأنها لا تقوم إلا بردود أفعال، بعد كل ما فعلته في الشعبين الفلسطيني و اللبناني.بل لا حق لها في التعلل بذلك وهي تحتل أراضي عربية وتناور من أجل إجهاض سلام عادل وشامل في المنطقة وتشكل طابورا إمبرياليا في المنطقة. كل أعمال إسرائيل هي أفعال انتهاكية لحرمة الإنسان العربي وخرق للقوانين الدولية وتآمر على سيادة الدول العربية واستقلالها وتنميتها.بل لا يزال تحرشها بلبنان وقيامها بالتآمر وزعزعة وضعه الأمني ورج وحدته الوطنية حيث مثلت جريمة اغتيال السيد رفيق الحريري منعطفا كبيرا في التحرش بلبنان واستهداف وحدته الوطنية ، وهو فصل من فصول إيجاد مسوغات تدميره ، بعد أن أدركت عجزها عن الهيمنة عليه في هزيمتها التاريخية ، التي اضطرتها للانسحاب من الشريط الحدودي من دون شروط .

لكن في نهاية المطاف هي أصوات تعبر عن شيء ما تجاوزته المقاومة بامتياز: ثقافة الهزيمة!
تعلل الكثيرون بأن المقاومة أقدمت على أمر ما كان ينبغي أن تقدم عليه . ولعله من الغباء السياسي أن طالبها البعض بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، التي هي جزء منها بلا شك؛ كما لو كان الجسم السياسي اللبناني منسجما ، لا سيما في التطورات السياسية الأخيرة، حتى يقبل بهذا النوع من التنسيق . فالعقل المهزوم والنزعة الخيانية التي وسمت السياسة العربية وبعض أبنائها، لا تسمح بهذا النوع من التنسيق ، على الأقل في هذا الزمان العربي الانهزامي. إذا كان بعض الخونة لا يجدون مندوحة من الوشاية بدول عربية كبرى في حربها مع إسرائيل، كيف لا ينبري خائن من هنا أو هناك لتقديم المقاومة كبش فداء لإسرائيل. ثمة مشكل الثقة الذي لا يزال يربك الكثير من التماسك اللبناني على صعيد رهاناته الاستراتيجية ، وليس مجرد الحديث عن تماسك صوري أو مجمل لا يحقق الغرض. إن للمقاومة حساباتها وللنظم حساباتها أيضا. وكم كان الوضع خطيرا على لبنان لو كان الجيش منتشرا في الجنوب أو تم التنسيق مع الجيش في تنفيذ عملية الاختطاف.

إن التوقيت الذي اختارته المقاومة جاء مناسبا ، لأنه أخرج المنطقة من الصمت المضروب حيال الانتهاكات الإسرائيلية اليومية على قطاع غزة. كانت المقاومة هي الصوت الوحيد الذي خفف الوطأة على الشعب الفلسطيني .

أمام هذا المشهد التدمير والاحتلالي ، لم يكن أبشع من الموقف الأمريكي كما عبر عنه جورج بوش في المؤتمر الصحفي بحضور المبعوث الألماني، بأن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها ضد من يدمر منشآتها ويقتل الأبرياء. ولا يتستحق الأمر وقوفا طويلا عند كلمات بوش التي أكدت عبر كل المنعطفات بأنه لا يفعل سوى أن يخفي نزقه السياسي خلف واجهة النفوذ والقوة الأمريكية. ولكن أحيانا يفرض الحمق على العقلاء أن يحاجوا بعض الأفكار ، فبعض الحكماء قد يصدقون ذلك أحيانا، أو على رأي المثل: إن الحمقى يصنعون الموضى ، والحكماء يقلدونهم. إن الحديث من قبل دولة عظمى بهذا النزق الذي يمنح إسرائيل الضوء الأخضر لمزيد من التدمير لشعب أعزل،وفي حالة استعراضية للقوة وصلت حدود اللامعنى في ظل انعدام التكافؤ العسكري ، وحيث يظهر المشهد التآمري فاضحا من خلال الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، ضد مشروع مقدم لأجل الضغط على إسرائيل لإيقاف عملياتها التدميرية لقطاع غزة ، وهو أهون ما يمكن فعله حيال جريمة الإبادة الإسرائيلية اليومية للشعب الفلسطيني.

لم تقتل المقاومة أبرياء في إسرائيل، بل قصاراها أسرت جنديين كانا على تمام الجهوزية على مشارف لبنان الذي لا تزال بعض مزارعه تحت سيطرة الاحتلال. ولم يدمروا بيتا بل دمروا دبابات دخلت معهم في مواجهة في ميدان العمليات العسكرية. إن الأبرياء في نظر بوش الجاهل ، هم الجيش الإسرائيلي نفسه حتى لو كان حارسا لاحتلال مزارع شبعا. لقد استمر الصمت الأمريكي حيال التدمير والإبادة التي تنهجها إسرائيل وتقتل بموجبها الأبرياء في لبنان وقبل ذلك في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو صمت فاضح غير مبرر. إسرائيل تدمر وأمريكا تشكل لها أكبر غطاء دولي. فماذا يراد من المقاومة سوى أن تواصل التحدي وتستند إلى إمكاناتها وقراءتها للمشهد، في ظل استهتار فاق كونه استهتارا بكرامة الإنسان العربي وسيادة دوله وأمن أقطاره، ليتعدى إلى الاستهتار بالقيم والأعراف والمؤسسات الدولية؟!

لقد جاءت العملية متزامنة مع جملة من الوقائع، حيث يبدو بعضها حاسما. وحيث بات الوضع صعبا على الولايات المتحدة ، بعد فشلها الذريع في إدارة الملف الأمني في العراق؛ فشلا جعل وجودها الاحتلالي للعراق سببا لانتشار الإرهاب والفوضى وعرقلة التوافقات العراقية باحتكار الملف الأمني العراقي، وأحيانا التواطأ الضمني مع الإرهاب لإجهاض كل محاولة توافقية تقوي العملية السياسية والدولة العراقية الجديدة. وهو الفشل نفسه الذي منيت به في أفغانستان. والعجز عن مواجهة مشكلة الملف النووي الإيراني والكوري الشمالي، و المقاومة الفلسطينية..

هل تفكر أمريكا بغزو سورية وإيران؟! ليس للأمريكان نموذجا انجح من العراق. لقد استطاعت هذه الأخيرة أن تسقط ديكتاتورا وعميلا سابقا لها، لم يجد الحماية من شعبه. فكان غزوا ناعما ، وإن لم يثن القوات الأمريكية عن إسقاط أعتى قذائفها وقنابلها التدميرية فوق رؤوس العزل والأبرياء ، أسهل من هزيمة وجودها أو إمكان خروجها بماء الوجه. لكنها ماذا ستفعل بالنسبة لدول هي بلا شك أقوى وأكثر تماسكا بين القيادة والشعب من عراق قبيل الإحتلال ، مدمرا ومحاصرا ومحبطا . وهل بالإمكان أن تتصور بأن غزوا كهذا لن يكون نزهة أو مهرجانا لتقديم باقات ورود توزع عليها في الشارع العربي؟! أم أنه سيكون بداية اندحار الدولة العظمى؟

ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية لا زالت لم ترتدع من نموذج العراق ، ولا زالت تتحدث اللغة العسكرية التقليدية لما قبل غزو العراق، في الهذيان الخطابي المعهود على بهلوان الحروب الأمريكية ، فإنها تدرك، متى أمعنت في قراءة المشهد ، أن الشرق الأوسط أفرز تحديا جديدا. إن الدور الإسرائيلي قد يكون دورا مهما بالوكالة لجس نبض الصمود العربي والإسلامي في المنطقة. وهي تدرك لا محالة أن الصمت العربي دائما، هو صمت خادع غرري لا يشكل معيارا يشجع على استمرار الاعتداءات. فالمجال العربي يعيش استثناء، بحيث في ظل الأزمات والاعتداءات فقط ، تطبخ الخيارات النوعية للشعوب الحرة . وتفرز نماذج من الصمود والتحدي وتبتكر من أساليب ردع العدوان ما يفاجئ حسابات المحتل. فوراء الصمت العربي ، هناك دائما غيلان الشعوب التي يصهرها ويكشف عن معدنها النفيس قوة التحدي وصدمات الاحتلال وعبثيته.

نعم ، إن اعتداء حقيقيا واتساع رقعة الحرب من شأنه أن يضعف الموقف الرسمي العربي. لكن هذا سيطلق المارد الشعبي وفرصته في النضال من أجل استقلاله وكرامته. فلو أقدمت إسرائيل مثلا على ضرب سورية ، فإن العراق سوف يصبح مستنقعا جديدا للفوضى، وربما ستخسر الولايات المتحدة حتى مكسب الأغلبية الصامدة. بل إن ذلك سيفرض وضعا جديدا.

إن دخول إسرائيل وخروجها من سوريا ، سيفتح جبهة الجولان والمقاومة السورية. والتحرش بإيران من شأنه أن يفتح على إسرائيل جبهة هي الأخطر من نوعها في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي . إن إسرائيل تنسى أحيانا أنها في مواقفها من إيران، تتعامل مع دولة إسلامية لكنها غير عربية ولم تشكل جزءا من المنظومة العربية المهزومة.

قصة إسرائيل وأساطيرها الحديثة المرعبة ، لا تقع في الذهن الإيراني وقعها على الذهن العربي الرسمي. لن تكون هذه الأيام كما أكد عليها أولمرت ، أليمة على إسرائيل فحسب ، بل إن استمرارها في العدوان والإمعان في الوهم بأنه لا يزال يجديها العمل على إيقاع آثار الهزيمة العربية ، سيجعلها تعيش ما هو أكبر من الأيام الأليمة. حيث كل آثار التدمير الذي تقوم بها إسرائيل في لبنان أو ما يمكن أن تحدثه آلياتها الحربية من دمار في أي دولة عربية أخرى ، لن يكون حاسما في الحرب ، بقدر ما هو عامل تحرير للعقل العربي من كل أسباب الحرص والخوف..يحتاج الإنسان العربي أن يقف على قاع صفصف، حتى يعرف كيف يصمد ويواجه التحدي. ليست للعالم العربي من البنى التحتية الحقيقية ما هو جدير أن يخاف عليه، حتى يتنازل عن الدفاع عن كرامته. فكل ما لديه من بنى تحتية يمكن أن يبنيه رجل أعمال عربي أحمق هنا أو هناك، وهو بالتأكيد لا يساوي مقدار البنية التحتية التي يتمتع بها زقاق من أزقة البلاد المتقدمة الكبرى، أو ما في مقدور ميزانية في بلدية داخل هذه الدول . إن البنى التحيتية العربية المزيفة والهشة ، والتي ليست لها مردودية إلا على حفنة من المنتفعين على حساب الكرامة العربية،هي واحدة من مسببات خوافنا المرعب. إن كان هناك من يخاف على بناه التحتية ، فهو إسرائيل. وحتما لا يمكن للبنان وشعبه أن يبيع كرامته ومجده التاريخي وسيادته الوطنية "كرمة" لـ " سوليدير "!

إن العقل العربي المهزوم هو الحارس الأول والأخير لإسرائيل ، حيث أن انتهاكها للأعراف الدولية وتعنتها وإذلالها للإنسان العربي ، هو أمر مرفوض من قبل كل العرب والمسلمين بمن فيهم الواقعون في منظومة الهزيمة. ليس في صالح النظم العربية أن تستمر إسرائيل في هيمنتها على المنطقة. ولا في مصلحتهم أن تستكبر الولايات المتحدة. لقد أخطأ العرب يوم ظنوا أن التسليم لإسرائيل والإمضاء على أجندتها بكرم حاتمي سيجعل علاقتهم مع أمريكا علاقة جادة. لقد كشف مسلسل غزو العراق والحرب على الإرهاب ، أن أمريكا تتحرش بالنظم العربية بما فيها حليفاتها. لتؤكد على أن منطق الأحلاف هو نفسه يعيش حالة من التمييز العرقي والاستراتيجي. فمصلحة النظم هي في تماسك جبهتها الداخلية ومصالحتها مع شعوبها، وتصعيد فعل المناورة. إن الصمود والقوة هو من يفرض الاحترام ويعزز العلاقات السوية مع هذه الدول.

لقد احتقرت إسرائيل وأمريكا النظام العربي ، لأنه مهزوم ولأنه غير قابل لثقافة المقاومة. إن المنعطف الجديد في الحرب على لبنان ، هو فرصة للنظام العربي لكي يخرج من منظومته المهزومة، وينخرط في أجندة التحدي والصمود. ليس ثمة خوف على النظام العربي من شعوبه ، حتى لو جاعت من أجل الدفاع عن كرامتها. إنها فرصة المصالحة الحقيقية بين النظم مع شعوبها على خلفية ثقافة جديدة؛ ثقافة الصمود والمقاومة والتحدي. ففي ذلك يكمن المستقبل الأفضل للعرب والمسلمين ، حيث ليس في مكنة الولايات المتحدة ولا إسرائيل أن تبيد العرب .

إذا كان خوف النظم العربية على سلطتها أو على خزائنها ومصالحها. فإن طيبة الشعب العربي ورباطة جأشه، تقبل بكل شئ إلا بأن تمحى كرامته. فشعب له قدرة على الصبر والصمود ، ويستطيع أن يفترش الرمل ويلتحف السماء ويصبر على العطش كالجمل ويأكل من عشب الأرض ، لقادر على أن يجود بكل هذا من أجل كرامة لا يعرف العربي أن يعيش سويا من دون إحرازها. فإن كان هذا هو مصدر الخوف ؛ فخذوا السلطة وكلوها واشبعوا منها وتقيؤها ، وخذوا من ميزانية هذه الدول أغلبه ووزعوا ما طاب لكم مما تبقى من ذلك النزر القليل على هذا الشعب؛ خذوا كل شيء، ولا تبالوا . لكن حذار، من الوقوف في وجه كرامة الشعب العربي!

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية