"اشتباكات" داخل الحكومة والجيش تمنع ليفني من السفر إلى نيويورك
أولمرت للعسكر: "حوتسبانيم"!
 


إدراج صحيفة السفير بتاريخ 10/08/2006الساعة 05:10.
كتب حلمي موسى
بعد يوم واحد من القرار الإسرائيلي "المدوي" بتوسيع العملية البرية لاحتلال الليطاني "وما بعد الليطاني"، وافقت إسرائيل على مسودة أميركية فرنسية لمشروع قرار يقضي بوقف النار والانسحاب من الأراضي اللبنانية المتزامن مع نشر قوة دولية.

ويأتي هذا الموقف بعد شهر كامل من الصمود الأسطوري للمقاومة اللبنانية الذي أربك الجيش وأضعف عزيمة المستوى السياسي وخلق أخطر مظهر لانعدام الثقة بين الجمهور والجيش والحكومة في إسرائيل.

وإذا كانت الخسائر الإسرائيلية أمس الأول في الجنوب قد حثت الحكومة على إقرار توسيع العملية البرية، فإن استمرار هذه الخسائر أمس عزز لديها القناعة بضرورة السعي لوقف النار.

وتظهر النقاشات التي جرت في المجلس الوزاري المصغر وما أعقبه من تعليقات أن الهوة باتت شاسعة بين ما يقال في العلن وما يقال في الغرف المغلقة.

ففي جلسة المجلس الوزاري المصغر تبدّى الخلاف بين رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت ووزير الدفاع عمير بيرتس. كما تبدى الخلاف الشديد بين بيرتس ورئيس أركان الجيش دان حلوتس الذي لم يكن لديه من اقتراحات جديدة سوى "توسيع ضرب البنى التحتية" في لبنان.

وقد اندلع خلاف جديد مساء أمس بين اولمرت ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني التي كان من المقرر ان تصل إلى نيويورك لإنجاز أمر الإعلان عن وقف إطلاق النار. ويبدو أن اولمرت الذي لم يصادق في اللحظة الأخيرة على سفرها يريد إبقاء أمر إتمام المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار بين يديه. ويرى معلقون أن أولمرت اختار الخلاف مع ليفني من اجل ألا يعمق الخلاف بينه وبين كل من وزير الدفاع وقيادة الجيش.

وكانت ليفني الأشد وضوحاً في رفضها منطق الجيش الإسرائيلي عندما ردت على تقديرات الجيش بأن العملية العسكرية تحتاج إلى شهر أو شهرين بقولها "لقد كان لديكم شهر بكامله لم تنجزوا فيه شيئا يذكر. من قال لكم أن بوسع أحد أن يمنحكم شهراً أو شهرين آخرين. إننا منذ الصباح سوف نعمل على محاولة وقف النار في يوم أو يومين".

ويشدد معلقون إسرائيليون على أن ايدي أولمرت وباقي الوزراء "ارتعدت" عندما صوتوا إلى جانب اقتراح الجيش توسيع العملية البرية. فقد أشارت تقديرات الجيش التي عرضت أمام الحكومة إلى أن هذه العملية سوف تكبد الجيش ما لا يقل عن ثلاثمئة قتيل في صفوفه. وحاول وزراء الاستفسار من قيادة الجيش عن سبب عدم تمكنها من تحقيق أهداف عملية "تغيير الوجهة" في ثلاثة أيام كما كانت قد قالت سابقاً.

ويشير المعلقون إلى أنه ليس بوسع أحد في إسرائيل في مثل الوضع القائم أن يقف أمام الجمهور بوصفه الرجل الذي منع الجيش الإسرائيلي من تحقيق النصر. لذلك عمد أولمرت، في نظرهم, إلى استخدام تكتيك المصادقة على الخطة مع إبقاء "صفارة البدء" في يده.

وقد شهدت مداولات المجلس نوعاً من الإهانات التي لم يسبق لها مثيل للجيش الإسرائيلي الذي لم يفلح في تحقيق انتصار في بنت جبيل والذي قد يشجع سوريا على "التفكير" أن بوسعها تحرير الجولان. وشدد المعلقون الإسرائيليون على أن أولمرت قاد التصويت على قرار يعرف أن لا أحد في الحكومة يريده جدياً. وأنه في كل الأحوال تصرف كمقامر واضطر في نهاية المطاف للقول أمام الحكومة أنه ليس لإسرائيل جيش سوى هذا الجيش "الذي نحبه". غير أن القناعة التي سادت أغلبية أعضاء المجلس الوزاري هي أن هذه حرب من "نوع الحروب التي يستحيل الانتصار فيها". وقد تكون هذه القناعة هي ما دفعت إسرائيل إلى البحث، وربما للمرة الأولى في تاريخها، عن إنجازات "رمزية" ليس في ميدان القتال وإنما في الحلبة السياسية.

وفي ظل الإحباط الذي يعيشه الإسرائيليون تبادل أولمرت الانتقادات مع كبار الضباط. وعندما قرأ صباح أمس في الصحف انتقادات الضباط له بسبب ما يعتبرونه عرقلة لخططهم، لم تكن على لسانه للرد على ذلك سوى كلمة "حوتسبانيم" (وقحون متعجرفون).

فالنتائج البادية للحرب على لبنان مقيتة بالنسبة للحكومة والجيش الإسرائيلي. فبدلاً من تحقيق نصر لا يمكن للأيام أن تمحوه، صار الحديث يدور عن "هزيمة يصعب أن تمحى". وبدلاً من "ترميم قدرة الردع الإسرائيلية التي تضررت"، صار الحديث يدور عن "ازدياد تآكل قدرة الردع" هذه. ويزداد الإيمان في إسرائيل أنه إذا انتهت الحرب بنتائج كهذه، فإن المواجهة الكبرى مقبلة وبأسرع مما يتخيلون.

وليس صدفة أن القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي نقلت عن مسؤولين بارزين تقديرهم أنه ليس من المستبعد أن تشن سوريا هجوماً مباغتاً لتحرير الجولان أو أن تلجأ قريباً إلى تنفيذ عمليات "إرهابية" فيها.
وفي كل الأحوال فإن حكومة أولمرت باتت بحاجة إلى الحل السياسي الذي يجنب إسرائيل خوض مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج في لبنان.

الحرب البرية
رغم أن وزير الدفاع عمير بيرتس أكثر في الأسبوع الماضي من إعلان إصداره الأوامر للجيش بالاستعداد للوصول إلى الليطاني، فإنه آثر أمس الإدعاء أنه لا ينوي تقديم خدمة لحزب الله بإعلان موعد العملية البرية الواسعة. وحسب كلامه فإن المجلس الوزاري صادق على العملية الواسعة لكنه ترك له ولرئيس الحكومة تحديد موعد البدء فيها، "إن لم يكن مفر من ذلك". وشدد بيرتس على أن قرار البدء بالعملية العسكرية مصيري، ولذلك ينبغي التأكد من استنفاد الجهود السياسية لإيقاف النار. وشدد بيرتس على أن أهداف إسرائيل الآن صارت تتركز على نزع السلاح في الجنوب اللبناني وعلى انتشار قوة متعددة الجنسيات يشارك فيها أيضا الجيش اللبناني. وقال إن حكومته تسعى من أجل إعادة الجنديين "المخطوفين" وإبعاد خطر الصواريخ عن الجبهة الداخلية.

وجاءت أقوال بيرتس أثناء زيارة قام بها بصحبة رئيس الأركان دان حلوتس إلى قيادة الجبهة الشمالية برئاسة أودي أدام للإيحاء بأنه لا أساس للأنباء حول الخلافات بينهم. وقد أشارت الصحف إلى أن الخلاف بدا واضحا في اجتماع المجلس الوزاري المصغر أمس الأول بين بيرتس وحلوتس عندما طالب الأخير طوال الوقت بالسماح باستهداف البنى التحتية اللبنانية.
ويعرف حلوتس من خلال نقاشاته مع كل من بيرتس وأولمرت أنهما يتطلعان إلى إبرام اتفاق مع الحكومة اللبنانية وأن كل قصف كهذا يعرقل احتمالات إبرامه. كما بات معروفاً الخلاف الشديد بين حلوتس وقائد الجبهة الشمالية والذي قاد عملياً إلى انتداب نائب رئيس الأركان موشيه كابلينسكي ممثلاً لحلوتس في قيادة الحرب.
وخلال الجولة سقطت صواريخ على صفد مما اضطر بيرتس ومرافقيه إلى اللجوء إلى الغرف الآمنة في مقر القيادة.

ومع ذلك، ينتظر الجيش الإسرائيلي بفارغ الصبر قرار المستوى السياسي له بالبدء بالعملية البرية الواسعة، وذلك في ظل توقع الكثيرين أن لا يتحرك الجيش شمالا. وقال رئيس أركان القيادة الشمالية العميد ألون فريدمان أن "الجيش لا يحب الانتظار بطبعه، فالقوات تريد التحرك، تريد القتال والهجوم".

وفي حديث مع الصحافيين قال فريدمان "لم يطلب منا إيقاف العملية. بل إن المستوى السياسي وهيئة الأركان طلبوا منا مواصلة تعميق سيطرتنا في المناطق التي بتنا فيها، والتي يجول فيها أعداد لا بأس بها من المخربين وتوجد فيها كميات كبيرة جداً من مخازن الأسلحة والذخائر والراجمات. وكل ما طلبه منا المستوى السياسي هو التريث في بدء المرحلة التالية لاستنفاد المساعي الأخرى ولتمكيننا من تعزيز السيطرة".

الحل السياسي
عرض نائب وزيرة الخارجية الأميركية دافيد ولش على الطاقم الإسرائيلي الذي ضم مساعدي أولمرت يورام طورفوفيتش وشالوم ترجمان، تفاصيل الخطة الجديدة. وأشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى أن أولمرت أعطى موافقة مبدئية على الخطة بعد إدخال عدد من التعديلات عليها بناء على طلبه. وبدا واضحا يوم أمس أن أولمرت معني بالتوصل إلى أي اتفاق يحفظ ماء الوجه لأنه لا يريد التورط في وصول الجيش الإسرائيلي إلى الليطاني مع الخسائر الفادحة المتوقعة، خاصة في ضوء حجم الخسائر التي مني بها الجيش الإسرائيلي حتى الآن. ويؤكد مقربو أولمرت أنه لن يلجأ إلى إصدار الأوامر ببدء العملية إلا إذا فشلت المساعي السياسية.

وقد تم نقل الصيغة الأميركية الفرنسية الجديدة إلى كل من تل أبيب وبيروت للحصول على موافقة الحكومتين. وفيما أشارت تقارير إلى أن الصيغة الجديدة تتحدث عن وقف إطلاق نار فوري وعن انسحاب فوري للقوات الإسرائيلية، فإن السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني غيلرمان أكد أن الصيغة تتحدث عن بقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها الجديدة إلى حين انتشار القوة متعددة الجنسيات. غير أن هناك من يقول أن القوة متعددة الجنسيات جاهزة وأنها يمكن أن تنتشر خلال ساعات لأنها تستند إلى القوات اللبنانية وقوات يونفيل إضافة إلى قوة قوامها 2500 جندي من الوحدات الخاصة الفرنسية الموجودين قبالة السواحل اللبنانية. وتشدد الصيغة على أن القرار سوف يستند إلى البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ومعروف أن إسرائيل كانت تعارض على الدوام أية صيغة يدرج فيها هذا البند لأن في أي انتهاك له عقوبات بالمقاطعة أو استخدام القوة.

وقد قامت إسرائيل بمحاولات مكثفة في اللحظة الأخيرة لضمان تحقيق عنصرين في مشروع القرار: انتشار القوات الدولية أيضاً على المعابر الحدودية اللبنانية مع سوريا وأن تكون للقوة الدولية صلاحية فرض سيطرتها في الجنوب اللبناني.

وقد أوحت مصادر إسرائيلية للصحافيين بأن نائب وزير الخارجية الأميركية وصل على عجل إلى إسرائيل لضمان عدم إقدام الجيش الإسرائيلي على توسيع عملياته وصولاً الى الليطاني. وشددت هذه المصادر على أن الأميركيين يعارضون بشدة العملية العسكرية المقررة ويطالبون باستنفاد المساعي السياسية قبل انجرار المنطقة إلى تصعيد إضافي.

وشدد أولمرت أمام ولش على أن النقاط الأهم في نظر إسرائيل: القوة متعددة الجنسيات صاحبة الصلاحيات، عودة الجنود المخطوفين فوراً، حماية حق إسرائيل في الرد في حال استئناف القصف على إسرائيل، إبعاد "حزب الله" عن الجنوب اللبناني وفرض حظر على بيع الأسلحة لحزب الله.

وكان أولمرت قد أبلغ أحد أعضاء كتلة حزبه في الكنيست أنه "في هذه الساعات تتبلور صيغة سياسية جديدة ذات أهمية إيجابية يمكن أن تقود إلى إنهاء الحرب. وإذا لم تنجح هذه الصيغة فإن إسرائيل ستنزع القفازات". وأضاف ان " المسودة الجديدة التي بين أيدينا جيدة جداً لإسرائيل، وبالإمكان عبرها تحقيق أهداف العملية العسكرية كما قررتها الحكومة منذ البداية".

ويلاحظ معلقون إسرائيليون أن صيغة مشروع القرار الجديد لا تتضمن واحداً من أبرز أهداف إسرائيل وهو تنفيذ البند الأهم في القرار 1559 القاضي بتجريد المليشيات من أسلحتها. وشدد هؤلاء على أن هذه الخطوة ستتم على ما يبدو في المرحلة التالية التي لن يتأخر البدء بها عن شهر واحد كما وعد الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان. وخلال شهر ستبلور الأمم المتحدة خطة توفر رداً على مطلب إسرائيل بتجريد حزب الله من سلاحه وفق القرار .1559

ومن الإشارات الأولية على قناعة الإسرائيليين بقرب التوصل إلى اتفاق لوقف النار مع ما سيفجره مثل هذا الإعلان من خلافات داخلية، أمرت رئيسة الكنيست داليا إيتسيك بعقد جلسة خاصة للكنيست يوم الاثنين. ومن المقرر أن يلقي أولمرت كلمة سياسية حول الحرب في لبنان والموقف من حزب الله.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية