مقاومتان: ...
 


إدراج صحيفة السفير بتاريخ 08/08/2006الساعة 06:07.
كتب خليل احمد خليل
يرمي العدوان الإسرائيلي الى تدمير بيئة المقاومة بهدف مزدوج: الحد من فعالية المقاومة المسلحة والنيل من قوة الصمود الوطني اللبناني العام.

وما يراد حدوثه على أرض لبنان هو تحويله إلى بلد متوسطي "محايد"، أشبه ما يكون بإمارة ملذات وصفقات وسمسرات، بلا دولة وطنية وبلا مقاومة وبلا هوية. لكن ما حدث خلال هذه الحرب الهمجية أعطى فرصة تاريخية للبنانيين كي يتجاوزا خطرين حاسمين: انقسام المجتمع الوطني وانقسام الدولة الطوائفية. فقد نجح اللبنانيون حتى الآن في الصمود وراء مقاومتين متلازمتين: مقاومة العدوان بسلاح غير متكافئ، ومقاومة الانقسام الداخلي بوحدة اجتماعية، أساس كل وحدة سياسية وكل دولة وطنية موحدة.

كان "بنك الأهداف" الأميركية الاسرائيلية يرمي في المقام الأول الى عزل اللبنانيين عن بعضهم، انطلاقا من انقسام سياسي حاد، كاد "الحوار الوطني" يحتوي عليه او ان يؤجل انفجاره الداخلي عشية حرب 12 تموز (يوليو). وكان يريدها حربا خاطفة ترمي من وراء إسقاط المقاومتين، الى فصل لبنان عن محيطيه العربي والاسلامي المناوئين للسياسة الاميركية الاسرائيلية في الشرق الأوسط الكبير و"الجديد" بوقوعه تحت احتلالات. فإذا كانت المقاومة قد انتصرت في العام ,2000 فإن المخطط الاميركي الاسرائيلي رمى الى تدميرها عام ,2006 وإنتاج نظام سياسي كومبرادوري، بكل المعاني القوية للدولة التابعة.

ولكن الشعب اللبناني، المرشح في المخطط كي يأكل بعضه، أدرك بتجاربه على مدى 40 عاما من مقاومة أميركا والعدوانية الاسرائيلية، ان محاربة العدو أقل كلفة وأجدى وطنيا من الاقتتال الداخلي. وعليه، إذا كان اللبنانيون لم يرغبوا في هذه الحرب، ولم يقرروها سياسية، فإنهم لم يتخلوا عن وطنيتهم ولا عن مواطنيهم المقاومين والمهجرين بقوة التدمير والاغتيالات الجماعية للمدنيين. وما لا شك فيه ان صمود المقاومين شكل نصرا سياسيا، معنويا، لإرادة البقاء والنجاة. وحول هذه النواة الصلبة تشكل فجأة "وعي" سياسي مختلف عما كانت عليه الحال قبل الحرب، حيث كان ثمة بيئتان وثقافتان وسياستان متعاكستان. فلم تكن البيئة الاجتماعية اللبنانية مجهزة كلها لمقاومة العدوان الاسرائيلي المبرمج أميركيا، وكانت ثقافة المقاومة المسلحة محصورة بالطائفة الحدودية، فيما الطوائف الاخرى تحمل ثقافة الدولة المؤجلة، وكانت السياسة اللبنانية نهب استقطابات اقليمية ودولية تعكس نفسها سلبا على الرأي العام اللبناني وعلى مشروع الدولة المنشودة نفسها.

والآن، نحن أمام مقاومتين متلازمتين في هذه الحرب: مقاومة عسكرية في بيئة شبه مدمرة، شبه مفرغة بشريا، ومقاومة اجتماعية في بيئة وطنية عاما، تزداد اكتظاظا بالنازحين الذين بات بعضهم الكثير بلا بيوت، بلا موارد، بلا حياة اجتماعية طبيعية، وفي الوقت نفسه تزداد افتقارا الى مقومات الترابط الاجتماعي والسياسي في ما بينها، خصوصا في ظروف تقطيع أوصال الدولة اللبنانية ذاتها، المدمرة البنى، والمحدودة الفعالية سياسيا واقتصاديا.

رهان العدوان هو على تفجير المقاومة الاجتماعية، كنتيجة لتدمير بيئة المقاومة العسكرية. لهذا رأيناه يتمادى، بقرار أميركي، في حربه على شعب لبنان، بالدمار وبالحصار، حتى يفقد الأمل بصموده، فتنكسر ارادته. فالحرب هي كسر إرادات، والسلم تسوية بين ارادات المتحاربين. وحتى الآن ما زال العدو يأمل تحقيق رهانه من خلال إطالة حربه، وسط ظروف عربية ودولية يظنها "مؤاتية" له، اليوم، كما كانت مشجعة ومؤاتية في اليوم الأول للحرب. والحال، نرى ان اطالة هذه الحرب هي قرار أميركي في نهاية المطاف، لكن إرادة المقاومة العسكرية والاجتماعية هي قرار وطني لبناني، ويبدو ان كل لبنان قد ارتقى الى مستوى هذا القرار، ما شكل انقلابا على "بنك الأهداف" المُعلنة والمضمرة. إنه انقلاب لبناني لصالح كل اللبنانيين الذين توحدوا ضد العدوان، وأخذوا يفكرون بما بعد الحرب، ولو همساً. بعد الحرب، لن تكون في لبنان حرب أهلية، بل اكثر من ذلك يأمل معظم اللبنانيين بانتصار السلم الأهلي على فداحة هذا التدمير الاجرامي للبشر وللحجر، كما حدث في قرية قانا، هذا الحي الشعبي الفقير جدا، المكوّن من بيوت صغيرة وتنّور وبعض الخرّوبات، او كما حدث في بلدة صريفا، ووسط مدينة صور، وبنت جبيل... الخ، ناهيك بقلب الضاحية الجنوبية لبيروت.

مقاومتان لوطن واحد. وشعب موحد في بيئتين، لم يحل دمار إحداهما دون ثبات ثانيتهما وصمودها الوطني الرائع، بعدما كانت ذات يوم بيئة "حروب أهلية". انها صورة جديدة لشعب لبنان تستحق بروازا سياسيا مختلفا، نجد مادته في موقف الرئيسين بري والسنيورة، ويعتبره اللبنانيون مدخلا للانتقال من هذه الدولة المؤجلة، الى الدولة الوطنية العلمانية والنهائية، على قدر ما برهن لبنان في هذه الحرب أنه وطني نهائي لجميع أبنائه.

مقاومتان لوطن واحد، ومجتمع متكافل، تفرضان على الوعي السياسي اللبناني استعجال اقامة الدولة الوطنية، بلا أمراض الطائفية والطائفيين، وبلا ذهنية المتعهدين والمتعاملين، الذين آثروا المال على أكبر رأسمال: الانسان. فالإنسان اللبناني الذي ضحّى على مدى أربعين عاما متواصلة، وآثر الوطن على كل شيء، يحق له اليوم ان يتساءل: هل سأبقى بين دمار وإعمار، في دورات عنفية متعاقبة، بلا دولة قوية، قادرة على فرض السلم الأهلي والاستقرار السياسي الاجتماعي وانتهاج سياسة عربية ودولية تحفظ لنا حق الوجود في العالم؟

ان اندماج المقاومتين هو الأهم في مرحلة ما بعد الحرب. فالهوية الوطنية المتحققة الآن جعلت الطائفية السياسية وراءنا جميعا، فهل يبادر السياسيون اللبنانيون الى تحقيق انجاز وطني، يُهدى للشعب اللبناني بأسره: دولة وطنية، عقلانية وعلمانية، تملك حق تقرير مصير مواطنيها؟ ان مرحلة اللادولة جعلت لبنان حقل تجارب، كسب اللبنانيون بعضها بفضل تضحياتهم اللامحدودة. فهل تنطلق من أتون هذه الحرب الهمجية، مرحلة الدولة التي تفرض احترامها على العالم، بقدر ما تحترم حقوق مواطنيها في البقاء والاستقرار والاستقلال؟ حقا، إنها مسألة حياة او موت بالنسبة الى لبنان نفسه. قال لي صديقي العائد من فرنسا الى لبنان: قررت ان أعيش فيه ولو تحت خطر قنبلة ذرية! لم أجد ما أقوله وقد بقيت فيه دوما سوى هذه الكلمات: لبنان يستحق ان يحيا، ونحن حياته.
(?) استاذ جامعي

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية