إلى حسن نصر الله مع التجلّة
 


إدراج صحيفة البيان الإماراتية بتاريخ 08/08/2006الساعة 08:38.
بقلم :الطيب زين العابدين (كاتب سوداني)
استمعت مساء الخميس الماضي من خلال قناة المنار إلى خطاب السيد حسن نصر الله حول تطورات المعارك في لبنان من أوله إلى آخره بل وتتبعت شذرات منه في قنوات أخرى، مخلفاً بذلك وعدى مع الإخوة في منبر السودان الذين أقاموا ليلة جماهيرية في جامع الخليفة بأم درمان فلهم العتبى.

وقد مضت سنوات طويلة منذ ان استمعت لخطاب كامل يلقيه زعيم عربي، لم أكن أجد في خطاباتهم لغة فصيحة ولا سياسة رصينة ولا صدقا في الحديث ولا خطابة جاذبة. فلم يكون الاستماع؟ ولست وحدي في الاهتمام بخطاب زعيم حزب الله فقد تناقلت معظم إذاعات وفضائيات العالم خطابه في أخبارها الرئيسية.

وأشارت إلى أهم محتوياته أكثر من مرة. السبب في الاهتمام بأحاديث نصر الله أنها، على عكس ما يدلى به زعماء العرب، تقوم على فعل كبير فاجأ به حزب الله القوى الإقليمية والدولية وفرض الفعل نفسه على الساحة السياسية الدولية، وأثبت ذلك الفعل أنه على درجة عالية من التخطيط والتصميم والإرادة السياسية الفاعلة، وأن ما توعد به نصر الله إسرائيل في بداية المعركة استطاع تنفيذه، وأن إسرائيل التي بدأت القصف على لبنان قد ارتبكت حساباتها وأخذت على غرة فلم تعد تعرف كيف تواجه تطورات حربها السادسة ضد مقاومة شعبية مسلحة.

قدم حسن نصر الله في خطابه البليغ تحليلا مختصرا لتطورات الحرب الجوية (صواريخ حزب الله مقابل قصف سلاح الجو الإسرائيلي) والبحرية والبرية في حدود الجنوب اللبناني، فرغم التدمير الهائل الذي أحدثه الطيران الإسرائيلي في أوساط المدنيين (حوالي ألف قتيل وثلاثة آلاف جريح).

وعلى المباني والبنى التحتية إلا أن صواريخ حزب الله كانت هي العنصر الجديد والفعال في المواجهة الجوية فلأول مرة تمطر المقاومة مئات الصواريخ يوميا على شمال ووسط إسرائيل مما دفع الآلاف إلى النزوح من مناطقهم وأجبر مليوني إسرائيلي للاختباء في الملاجئ كل يوم وأدت إلى قتل العشرات وجرح المئات من الإسرائيليين.

وهذا ما يحدث لأول مرة أن تدخل الحرب إلى بيوت وشوارع المدن الإسرائيلية، ففي الحروب السابقة كانت إسرائيل تحارب في أرض الآخرين تروع أمنهم وتقتل نساءهم وأطفالهم وتدمر منازلهم وهى في مأمن.

وادعت الحكومة الإسرائيلية أن القصف الجوى دمر ثلثي منصات حزب الله التي تنطلق منها صواريخه ولكن المقاومة كذبت الادعاء بإطلاق مئات الصواريخ يوميا على مدن الشمال الإسرائيلي بعد تلك التصريحات المتعجلة، وفى المواجهة البحرية ذكر نصر الله ان المقاومة أغرقت بارجتين حربيتين على شواطئ لبنان فقد كانت بوارج إسرائيل تقصف المدن والقرى وهي بعيدة عن مرمى نيران العدو.

أما المواجهة البرية فقد فضحت أكذوبة الجيش الذي لا يقهر فقد اضطر الجيش الإسرائيلي أن يضاعف قواته البرية وآلياته ومع ذلك توقفت على بعد كيلومترات قليلة في داخل الحدود اللبنانية ثم تقهقرت من شراسة المعركة مع المقاومة وحاولت تغيير تكتيكاتها ولكن عناصر حزب الله تعقبتهم من حيث لا يحتسبون فحصدت منهم أعدادا مقدرة وعطلت آلياتهم حتى عجزوا عن لملمة جرحاهم وجثث قتلاهم.

وقال نصر الله ان الولايات المتحدة هي المجرم الحقيقي خلف الحرب اللبنانية، فبعد أن فشلت في جعل العراق منطلقا للشرق الأوسط الجديد الذي تريد إقامته ظنت أن لبنان يمكن أن يكون البديل للعراق، وأن إسرائيل تستطيع أن تنجح فيما فشلت فيه هي في العراق ولذلك رفضت الدعوة لوقف إطلاق النار الفوري حتى تعطي إسرائيل المهلة الكافية لتدمير لبنان وهزيمة حزب الله ولكن هيهات!

وتوعد حسن نصر الله أن تضرب المقاومة تل أبيب إذا ضربت بيروت وان المقاومة ستتوقف عن ضرب المدنيين إذا فعلت إسرائيل ذلك حتى تكون الحرب بين المحاربين بين الطرفين، ولا يبدو أن إسرائيل تستجيب لذلك لأن سلاح الجو هو ميزتها الأساسية على المقاومة ولأنها تعتقد أن تدمير لبنان سيجعل الشعب ينتفض على حزب الله، ولكن العكس هو الذي حدث خاصة بعد مذبحة قانا واستبسال المقاومة الذي جعلها مصدر فخر لكل لبناني وعربي.

لقد كشفت المقاومة الإسلامية في لبنان عورة إسرائيل التي تدعى أن جيشها لا يقهر وأنه ند للجيوش العربية مجتمعة فإذا به يتعرى أمام شعبه وأمام كل الناس اذ لم تستطع ثلاثة ألوية عسكرية كاملة العتاد (أكثر من عشرة آلاف جندي) بتغطية جوية مكثفة وعلى مدى ثلاثة أسابيع أن تتقدم بضع كيلومترات في مواجهة مئات من عناصر المقاومة الباسلة، وهذه بلا شك أفشل حرب يخوضها الجيش الإسرائيلي منذ قيام الدولة الصهيونية في 1948.

وكشفت عورة أميركا أمام أعدائها وأصدقائها في العالم العربي لأنها خالفت كل تقاليد الأمم المتحدة التي تبدأ بالدعوة إلى وقف إطلاق النار في حالة اشتعال نزاع عسكري بين بلدين قبل أي تسوية سياسية ومع ذلك لم تنجح في تحقيق أهدافها بهزيمة حزب الله، وكشفت عورة بعض الأنظمة العربية التي كانت تعيش في وهم قوة الجيش الإسرائيلي الخارقة.

وفي قوة الولايات المتحدة التي لا يطالها انس ولا جان، فسارع بعض الزعماء بنقد المقاومة المسلحة لأنها أقدمت على مغامرة غير محسوبة وأسقط في أيديهم حين طالت الحرب دون أن تنهزم المقاومة فأصبحوا يبحثون عن مخرج لهم من الورطة التي وقعوا فيها، وخجلوا فلم يستطيعوا أن يشاركوا بفاعلية في مؤتمر القمة الإسلامي الذي اختطفته الدول الآسيوية (ماليزيا واندونيسيا وتركيا وباكستان) وألزمتهم باتخاذ مواقف قوية ضد العدوان الإسرائيلي والأمم المتحدة ما كانوا يريدونها.

التحية للشيخ حسن نصر الله رمزاً للعزة والكرامة الوطنية، ومثالاً للتضحية والثبات والتواضع، ومقدرة في التخطيط والاستعداد والتنفيذ، ونموذجاً للزعامة العربية الجديدة التي ينبغي أن يقتدي بها الشباب.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية