كيف تحولت بطولات المقاومة إلى مغامرات في قواميس بعض الأنظمة العربية؟
 


إدراج صحيفة الوطن القطرية بتاريخ 07/08/2006الساعة 09:11.

لبنان أكبر من مؤامرات زمن التخاذل العربي

أحمد علي
مع دخول العدوان الإسرائيلي على لبنان أسبوعه الرابع، وانقشاع غبار المعارك الضارية في بنت جبيل الصامدة وعيترون وسائر قرى الجنوب اللبناني الصابرة، يأتينا صوت الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بروحه المعنوية العالية، وإرادته الوطنية التي لا تنكسر، ليبشر الأمة بالنصر القريب بإذن الله.

ولأن مقاييس النصر وحسابات الهزيمة تختلف في هذه الحرب غير المتكافئة عن غيرها من الحروب التي خاضتها إسرائيل ضد العرب، فإن مجرد ظهور نصر الله كل يوم تقريبا على شاشة تليفزيون "المنار"، متحديا الغارات العشوائية، التي حصدت أرواح المدنيين من أبناء الشعب اللبناني الشقيق، يعني انتصارا للأمين العام لحزب الله، ومبادئ هذا الرجل، الذي أصبح رمزا من رموز المقاومة الوطنية في وجه الغطرسة الإسرائيلية.

وما من شك في أنه كلما استطاعت المقاومة اللبنانية الصمود يوماً آخر في وجه الآلة العسكرية الإسرائيلية المدمرة والمدعومة من الولايات المتحدة، فإن ذلك يعني انتصاراً لها، وفي المقابل كلما امتدت هذه الحرب المفتوحة غير المشروعة يوماً آخر دون أن تحقق إسرائيل أهدافها المعلنة، فإن هذا يعني هزيمة مقولة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.

لقد تعدت الحرب الظالمة التي تشنها إسرائيل ضد لبنان بأهدافها الاستراتيجية قضية الإفراج عن الجنديين الصهيونيين الأسيرين، وبات واضحاً أنها جزء من المخطط التآمري لتغيير المعادلات السياسية السائدة في المنطقة، من خلال التخلص من حركات المقاومة الوطنية في العالم العربي، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، الذي يريدونه خالياً من المدافعين عن كرامة الأمة وعزتها، وهذا المشروع يحظى بموافقة بل مشاركة بعض الأنظمة العربية، التي تريد أن يكون لها دور وموقع مؤثران في المخطط الجديد.

وإذا كانت الحرب المفروضة على لبنان قد كشفت صلابة المقاومة اللبنانية وصعوبة هزيمتها، فإنها كشفت أيضاً هشاشة مواقف بعض الحكومات العربية، التي وجدناها مع إطلاق الرصاصة الإسرائيلية الأولى على الجنوب اللبناني ترفع راية الاستسلام، بدلاً من رفع راية الإسلام!

ومع تواصل هذا العدوان الهمجي نلمس الفوضى الكبيرة والتخبط والتردد بل العجز في حركة النظام الرسمي العربي، الذي يقف ساكتاً ولا يحرك ساكناً، إزاء المجازر الوحشية التي ترتكبها إسرائيل على الساحة اللبنانية دون أن يسعى لعقد قمة عربية طارئة لبحث الأوضاع المتدهورة وكأن أطفال لبنان الذين قتلوا في «قانا» الأولى والثانية لا ينتمون إلى أمتنا العربية، ولا يمثلون مستقبلنا العربي الذي يبدو مظلماً، خصوصاً مع إصدار بعض الفتاوى الملكية التي يتم تفصيلها حسب مقاسات ومتطلبات وتقلبات الظروف السياسية والتي تُحرِّم نصرة حزب الله، مما يدعم موقف إسرائيل في عدوانها على لبنان، ويساهم في تقسيم الأمة الإسلامية.

لقد كشف العدوان الإسرائيلي على لبنان المواقف الاستسلامية لبعض الأنظمة الرسمية العربية، التي تخلت عن مسؤولياتها القومية، في لحظة انهزامية غير مسبوقة، في هذا الزمن العربي الرديء، وبدلاً من أن تسعى هذه الأنظمة لوقف العدوان من خلال توظيف ثقلها المالي والسياسي، وجدناها تدير ظهرها للمقاومة ولا تبذل ما يكفي من جهد دبلوماسي لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان وكأن الدم الذي يراق في الجنوب اللبناني ليس عربيا!

والمؤسف، بل المخجل، أن هذه الأنظمة الخائفة على مصالحها ومصائرها لم تكتف بهذا الموقف الانهزامي، بل وفرت الغطاء الرسمي العربي لضرب المقاومة اللبنانية، عبر إعطاء الضوء الأخضر لشن العدوان من خلال توجيه الانتقادات لحزب الله، وتحميله المسؤولية، حتى يكون ضربه عملاً مشروعاً في أذهان الرأي العام العالمي، ويكون تكسير إرادته عملاً مقبولاً لدى رجل الشارع العادي، مما دفع بـ "إيهود أولمرت" رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى التفاخر بالتأييد الرسمي العربي لعدوانه!

وبصراحة، سواء اختلفنا طائفياً أو مذهبياً مع حزب الله، أو لم نتفق معه سياسيا، فإن الظرف لم يكن مناسباً أبداً لتصفية الحسابات الأيديولوجية معه، واتهامه في ذلك التوقيت الحرج بخوض "المغامرات"، وإنما كان مطلوبا رصّ الصفوف العربية، وبحث السبل الكفيلة بوقف العدوان الغاشم.

ولا أدري ما الذي تغيّر في القواميس السياسية لبعض الأنظمة التي ابتعدت عن إرادة شعوبها حتى أصبحت المقاومة الوطنية المشروعة عملاً من أعمال "المغامرات"، فالذي نعرفه أن حزب الله الذي يخوض حربا غير متكافئة ضد إسرائيل، دفاعاً عن ترابه الوطني المحتل، هو نفس الحزب الشيعي المقاتل الذي أجبر إسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني قبل ستة أعوام وهذا العمل البطولي شجّع صاحب السمو الملكي الأمير الشاعر خالد الفيصل للتغني بإنجاز المقاومة اللبنانية في قصيدته التي تحمل عنوان «لبنان أكبر من بلد» والتي يقول فيها:

قالــوا إسرائيل مـا تُهزم أبد وانسحب جيش العدو قبل الوعدْ
أرغموه أبطال لبنــان الرّجال ما انسحبْ لا لا تحجّم وانطـردْ
يسبق اللّحظات في ليل الهروب يدري إن الموت حظّـه لو قعـدْ
لو ظهر لبنان في حجمه صغير بالنّصر لبنان أكبـر مـن بلــدْ

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية