بين نهوض الخمسينات والمواجهة الحالية غير المسبوقة: نصرالله القيادة الكفؤة المنقحة والأكثر ‏عقلانية
 


إدراج صحيفة الديار بتاريخ 04/08/2006الساعة 03:47.
كتب محمد باقر شري
تسريع الصدور اليومي لـ«الديار» بسبب الظروف الراهنة، «حَرَمنا» من التعليق الفوري ‏على الخُطب والكلمات السابقة لامين عام حزب الله، إلى ان جاء خطابه مساء الخميس (أمس الأول). ‏ورغم ان التوقيت الجديد لصدور «الديار» ظلّ على حاله، فقد آلينا على أنفسنا ان نتوقف ‏عند نقاط من خطابه ولو بعد مرور الوقت، والا فاننا نكون قد فاتنا اعطاء هذا الخطاب ‏حقه من التقييم، كما كان يحدث في المرات السابقة، معتبرين ان اي حدث مستجد بعد خطاب ‏الخميس سواء كان «ميدانيا» او سياسيا، لن «يبهّت» الصورة المشرقة لهذا الخطاب، ولن يفوقه ‏أهمية مهما كانت التطورات المتعلقة بالعدوان.

الا اذا حدثت مفاجأة عسكرية او سياسية ‏استثنائية مثل ان يقتحم ألوف المقاتلين العرب الحدود العربية دون استئذان من أنظمتهم ‏ويأخذون في طريقهم إلى فلسطين من يتعرّض لهم حتى المعترضون من جلاوزة الأنظمة، شريطة ان يكون ‏لديهم امكانات الاختراق لحواجز الأنظمة وحواجز العدو، وان يكون لديهم معرفة دقيقة ‏بالمواقع التي يهاجمونها، وان يتمتعوا بالقدرة على مفاجأة العدو، دون ان يقدموا انفسهم ‏‏«لقمة سائغة» لالة الحرب الصهيونية الوحشية.

او ان يكون المستجدّ مثلا - وهو من «احلام ‏اليقظة» التي اذا تحققت تكون من صنع قدرة خارقة - مثل ان ينقلب النظام في الشقيقة ‏الكبرى مصر على نفسه، فيعلن انه قد «وضعت الاقلام وجفت الحصف» وان مصر وان لم تكن ‏استعداداتها في مستوى ما يملك الكيان الغاصب المدعوم من «حاضنته» الكبرى، ترسانة عسكرية، ‏فان الارادة المستجدة لقيادتها - ولا نزال نتحدث عن احلام اليقطة والعزيمة المصممة لشعبها ‏العظيم، تعلن وهذا من ابسط البديهيات لو كان لا يزال في الدنيا خير - انها تعتبر استمرار ‏العدوان على لبنان، عدواناً عليها، وانها ستجد نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف تسمح لكل من ‏يرغب من ابناء مصر، بمساعدة المقاومة في لبنان في الدفاع عن ترابها الوطني.‏

ولكن ما لنا و«لاحلام اليقظة»، فهناك في ثنايا «خطاب الخميس - الجمعة» ما هو تجسيد لحقائق ‏خرجت من عالم «احلام اليقظة» الى عالم الواقع. ورغم ان «السيد» ليس بحاجة لكيل المديح، ‏فانه قد يثلج صدره، ان يتابع «المنصفون» نبضات قلبه الكبير وعقله «المولّد» حتى انك كلما ‏استمعت الى كلمة من كلماته «المدروسة» بدقة رغم «صخب الاحداث» تشعر انه قد بلغ الذروة ‏في الاحاطة بمواضيع الساعة والدقة في التشخيص وتحديد ما يريد اعلانه تماماً، لدرجة انه يجمع ‏في اهابه سمة رجل الدين العارف والمؤمن والمتصل بالقدرة العليا والقائد الشجاع الملم ‏بتفاصيل الحرب والسياسي الذي يقود المعركة الدبلوماسية المواكبة للمعركة الميدانية، ‏ويأتيك من يريد ان يسارع «معلقون» للتقييم مشكوراين على نحو يزري بالمعلقين الشهيرين في ‏الغرب دون مبالغة او انتفاخ، فتتذكر وانت تدعي لنفسك بأنك متماه معه في كل ما يقول، ‏بل انت الذي كنت تظن انك اقرب له لطروحاته من حبل الوريد، وانت ترى الذين يتقاطرون ‏لمدحه بعد كل معركة مظفرة يخوضها مع الذين يريدون اختراق الحدود العربية، وانت لا تريد ‏ان تدخل معهم في سباق على «تبييض الوجه» فتردد بينك وبين نفسك وكأنك تخاطبه بما خاطب به ‏المتنبي سيف الدولة:‏
ما لي اكتّم حباً قد برى جسدي وتدّعي حب سيف الدولة الأممُ؟
مع الاخذ بالاعتبار - في قياس مع الفارق - انه وان كان هو «سيف الدولة الجديد» واكثر من ‏ذلك، فانك انت لست المتنبي - في ميدان الشعر على الاقل - وتتذكر عندما انت في ميعة الصبا ‏في فترة النهوض الوطني العربي كيف كانت الناس تتحلق حول المذياع، تسمع صوت ضميرها عبر ‏سماعها لقائد وجدت فيه مرآة نفسك وهو جمال عبد الناصر، مع اداء جديد اكثر دقة ومخاطبة ‏للعقل من العاطفة، وان كانت تنطبق عليه صفات القائد العربي الذي يتمتع بقلب حار ‏وعقل بارد، وتري بأم العين، وباعتراف ملوك ورؤساء يتربعون في قمة السلطة في بلادهم - كيف ‏ان هذا «الشاب المعمم» الذي يقترب كما يبدو من منتصف العقد الرابع من عمره اكثر شعبية ‏في البلاد التي تعترض انظمتها على اصل قيام المقاومة التي يقودها، من قادة هذه الانظمة، ‏ومع ذلك فهو يخاطب هؤلاء القادة من منطق الحرص على بقائهم وعدم تحريض الجماهير عليهم، رغم ‏انه كان يستطيع ان يفعل ذلك وان يجد التجاوب معه ضد هذه الانظمة، ولكنه كان اقرب للفت ‏النظر والنصيحة وبيان المخاطر التي تهدد هذه الانظمة من جانب «لعبة الامم» التي ترفع شعار ‏‏«الشرق الاوسط الجديد».. وهو لا يقول ذلك من قبيل المناورة او التكتيك او محاولة كسب ‏مودة هذه الانظمة ولا من قبيل المناشدة بل اراد ان ينقل حقائق موضوعية مقنعة لصالحها ‏انطلاقا من شعار: «من حذرك (من خطر) فكأنه قد بشرك (بخير!).. ولما كان يفترض ان «الدم لا ‏يصبح ماء» وان هؤلاء الحكام وهم يرون ان المؤامرة لا تستهدف المقاومة وحدها او بقية ‏قيادات رسمية ممانعة فقط، بل تستهدف حتى الاوطان التي ترأسها هذه الانظمة والتي يتضمن ‏‏«مشروع الشرق الاوسط الجديد» خطة «صهيو - نيرونية» كاملة لتمزيقها و«كنتنتها» بحيث يصبح ‏همّ هذه الأنظمة رد الاذى عن نفسها من جانب الذين يريدون ان «يضحوا بها» على مذبح ‏سعيهم لوراثة كراسي الحكم فيها و«تطويبها» لعملاء مباشرين يحملون «ياقات منشاة» ويحملون ‏شهادات اوكسفوردية وسوروبونية وجورج تاونيه ولكنهم مربوطون مباشرة بعملية ‏الاستخبارات على انواعها وفي طليعتها الاستخبارات المركزية الوثيقة الصلة، على نحو يكاد ‏يكون «عضويا» «بالموساد» و«الشين بيت» وغيرهما من اكثر اجهزة المخابرات تفوقا في «الاعمال ‏القذرة» التي تستهدف حياة الابطال والوطنيين والمناضلين والاحرار ليس في منطقتنا وحدها بل ‏في العالم بأسره، ولكنها تنتقل من فضيحة الى فضيحة ومن اخفاق الى اخفاق ومن عار الى عار، ‏بحيث يمكن تصنيف العاملين فيها «بأعداء الشعوب» بالتعبير السياسي، و«اعداء الله والضمير» ‏بالتعبير العيني!‏

لقد نصح «السيد حسن» شعب اسرائيل الاستيطاني والعنصري نصيحة صادقة وليست تكتيكية، ‏بأن يضغط على حكامه حتى ينبذوا اساليب الخداع والكذب، وقدّم للأسرائليين عرضاً للخلاص مما ‏يعانونه اليوم، لا تستطيع ان تقوله لهم حكومة اولمرت التي تباهي بانها سحقت البنى التحتية ‏بما فيها من اجساد اطفال وارواح بشرية في لبنان، ثأراً لهم من الصواريخ التي تنهال على ‏شمال اسرائيل وحيفا، وقد تنهال على تل ابيب وربما ابعد وابعد من تل ابيب نفسها مقدماً ‏لهم وعداً بأن حكومتهم التي هدمت البنى التحتية وارتكبت المجازر في لبنان قبل اطلاق أي ‏صاروخ على المستوطنات والمدن في الاراض الفلسطينية المحتلة ولكي يبرهن لهم عن صدقية ما يقول ‏فانه وضع حكومة اولمرت على المحك قائلا «للمواطنين» الاسرائيليين (وكلهم مستوطنون لا ‏مواطنون) بأن المقاومة سنوقف القصف بالصواريخ بمجرد ان يبادر اولمرت الى وقف هجماته ‏الجوية الهمجية.. وهو بذلك يصيب كبد الحقيقة، وهو متيقن وواثق، ان اكثر الناس فرحاً بهذا ‏العرض هم «المواطنون» الاسرائيليون والذين كما قال القرآن: «لتجدنهم احرص الناس على ‏حياة» وسوف يجدون انفسهم تلقائيا في صف واحد مع طرح السيد حسن، وكما انهم كانوا قبل ‏هذا العرض يصدقونه اكثر مما يصدقون حكامهم، فانهم في موضوع وقف القصف الجوي والصاروخي ‏الاسراذيلي مقابل وقف القصف الصاروخي للمقاومة، اقرب الى طرح السيد نصرالله مما يقودهم ‏اليه اولمرت من مصير انتحاري! وعندما يقول ان اولمرت هو أفشل وأعجز واحمق، رئيس وزراء في ‏تاريخ الكيان الصهيوني منذ قيامه، فانه يعبر بذلك عن حقيقة مستقرة في قلب معظم «سكان ‏الارض المحتلة» من الاسرائيليين.‏

وقد كان في «منتهى الروعة»عندما تحدث عن «نصرين عسكريين عظيمين» لاولمرت مازجا الجد ‏بالسخرية اللاذعة، رغم كل ما يشغل نفسه وعقله من هموم المعركة، وما انتصار اولمرت ‏والقادة العسكريين الاسرائيليين في سحق عظام وتقطيع اشلاء اطفال ونساء وشيوخ قانا المدنيين ‏وعملية الكومندوس في بعلبك بتفصيليهما المضحكة المبكية.‏

ولو كان في الكتابة اليومية فسحة اكبر ولو اتسع الوقت لامكن «بناء عمارة كاملة ضخمة» ‏من التقييم الموضوعي المنصف «لخطاب الخميس» الذي لن تفوق كل نقطة من نقاطه في الاهمية، غير ‏خاتمته التي يؤكد فيها بشكل قاطع ومحسوم بأن «الشرق الاوسط الجديد» لن يجد «بوابته» في ‏لبنان، بل سيكون هنالك لبنان جديد تشرق شمس بطولاته «على الآفاق العربية كلها»، بحيث ‏سوف تجُرّ بعض الانظمة العربية الى الجنة بالسلاسل!‏

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية