افتراق فرنسي ـ أميركي في طريق المعالجة: صمود المقاومة يدفع بعض العرب لاستدراك مواقفهم

 

إدراج خاص الانتقاد بتاريخ 04/08/2006الساعة 16:15.
كتب علي الموسوي
لم تنجح الحركة الدبلوماسية التي شهدها لبنان في الوصول إلى حلّ يخرج العدوّ الإسرائيلي من المأزق العدواني الذي أدخل نفسه فيه، بعدما اصطدمت بإصرار ذئاب" المحافظين الجدد" في الإدارة الأميركية على استكمال مسلسل العنف والقتل والتدمير بلا رحمة. فحصلت زحمة وزارء خارجية غير اعتيادية، وعجقة دبلوماسية ضربت رقماً قياسياً في تحرّكاتها واجتماعاتها ولكن من دون نتيجة مباشرة.
 

وكانت زيارة وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية منوشهر متكي إلى لبنان، الأبرز بين مجمل زيارات نظرائه العرب والغربيين خلال الأيام السبعة الأخيرة، وهو ما توقّفت مصادر سياسية متابعة عنده باهتمام لأنّه يؤكّد حضور الجمهورية الإسلامية الفاعل على الساحة الإقليمية والدولية، وذكرت في حديث مع " الإنتقاد" إيجابياته المتعدّدة والتي تصبّ في مصلحة لبنان قبل أيّ شيء آخر.

فتوقيت زيارة متكي يعتبر أهمّ من الزيارة نفسها، فهو جاء بعد أسبوعين ونيفّ من بدء العدوان الصهيوني التدميري بمختلف الأسلحة المحرّمة دولياً، وذلك على مرأى من دول العالم كلّه حيث وقفت معظم الدول العربية والإقليمية إما صامتة لا تقوى على الحراك، وإما متآمرة وبشكل فاضح ومخجل، لغاية في سياستها الشهوانية الانبطاحية التي اعتادت على سلوكها للحفاظ على مصالحها وكراسيها، فوصل متكي إلى بيروت ليجدّد تأكيد موقف بلاده المعروف والمتمثل في دعم لبنان مقاومة وحكومة وشعباً، ففيما ترك الأشقاء" بلد الإصطياف والسياحة الأمتع من مختلف الجهات، في نظرهم" وحيداً، هبّت الجمهورية الإسلامية للوقوف إلى جانبه وتقديم كلّ العون المعنوي له، وهو الأهم خلال الحروب، من كلّ الأمور المادية الأخرى، وبينما كانت بعض الدول العربية تشارك في طعن لبنان في ظهره وتتركه وحيداً بناء للسياسية الأميركية وخوفاً من إغضابها، وتفسح في المجال أمام آلة الموت الصهيوينية لتنهش لحم أطفاله بمجازر متنقّلة تحرّك الحجر قبل البشر، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتضامن مع لبنان وتعلن دعمها لما يجمع عليه اللبنانيون ويوحّد موقفهم.

وقد أتت زيارة متكي بعد يومين من عدم قدرة وزيرة الخارجية الأميركية كونداليسا رايس صاحبة نظرية ضرب كلّ مقاومة مناهضة لسياسة بلادها الترهيبية في عقر دارها، على المجيء إلى لبنان، بسبب مواقفها الاستفزازية الداعمة لسياسة ارتكاب المذابح الجماعية، وهي وزير خارجية دولة عظمى تخضع معظم الأنظمة العربية لها كيفما اتفق ومتى شاءت، ولو على حساب شعوبها، وهذا يدلّ على أنّ لبنان لا يزال، كما كان في السابق، يقف إلى جانب دول الممانعة والصمود في وجه المشاريع الأميركية التفتيتية والمتطلّعة إلى نهب ثروات شعوب المنطقة والأمة العربية والإسلامية.

واستقطب الاجتماع المغلق بين متكي ونظيره الفرنسي فيليب دوست بلازي في دارة السفارة الإيرانية في محلة بئر حسن في بيروت، على مجمل الاهتمامات الدبلوماسية والسياسية. فاللقاء كان محورياً وهاماً بعد سلسلة مطالبات أوروبية ولاسيما من جانب إيطاليا وفنلندا التي ترأس الاتحاد الأوروبي في الوقت الحاضر، وفرنسا لأن تتدخّل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتمارس دورها في حلّ الأزمة القائمة بفعل العدوان الصهيوني، وبعد مجاهرة أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان بضرورة مشاركة إيران في هذا الموضوع قبل أن تلجمه الضغوط الأميركية وتدفعه إلى السكون والسكوت والوقوف موقف المتفرّج بعكس المسؤولية الدولية المناطة به.

وكان الناطق باسم الخارجية الإيرانية حميد رضا آصفي قد أعلن استعداد الجمهورية الإسلامية للقيام بدورها المحوري شريطة وقف إطلاق النار ووقف قتل البشر وتدمير الحجر والشجر، ولأنّ اللغة الدبلوماسية لا تتحرّك تحت صوت النار والبارود، فأرسلت فرنسا رئيس الدبلوماسية لديها طالبة التدخّل الإيراني ما يؤكّد على الدور السياسي المؤثر لإيران في المنطقة، على الرغم من الاعتراض الأميركي، وهو ما تجلّى بوضوح في افتراق الرؤيتين الأميركية والفرنسية بالنسبة للعدوان الإسرائيلي على لبنان، فاستجابت إيران لها واتفقا على جملة أمور واختلفا على بعضها الآخر، وهو ما كان مدار بحث معمّق بين متكّي وبلازي في "لقائهما اللبناني" حيث تمّ الإتفاق على إيجاد حلّ فوري لإطلاق النار ووضع حدّ للإرهاب الصهيوني.

وقد كاشف متكي نظيره بأنّ هناك بعض النقاط في المبادرة الفرنسية يمكن تطبيقها مباشرة وفي طليعتها وقف غطلاق النار وتبادل الأسرى ومن ثمّ تتمّ مناقشة الموضوعات الخلافية التي تحظى بأي إجماع داخلي وخارجي ومنها على سبيل المثال اقتراح استقدام قوة متعدّدة الجنسيات وهو ما يرفضه لبنان ولا يحظى بأيّ إجماع بداخله، فشدّد متكّي على أنّ بلاده تقف وراء موقف الإجماع اللبناني وليس أمامه. وانتهى متكي وبلازي إلى إبقاء الاتصالات بينهما مفتوحة للوصول إلى حلّ نهائي.

وبالنسبة للقاءات التي جمعته مع المسؤولين اللبنانيين، فقد حاول متكي معرفة مواقفهم التي لم تكن متطابقة بل متنافرة إلى حدّ التضاد، فرئيس الجمهورية العماد إميل لحود يرفض فكرة الاستعانة بقوة متعدّدة الجنسيات بينما لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة رأي مغاير. وأكّد متكي على ضرورة دعم الإجماع اللبناني ورفضه دعم أيّ طرف على حساب أيّ طرف آخر، طالباً في المحصلة توحيد الموقف اللبناني على أن تحمله الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى كلّ المحافل الدولية، وتدعمه لما فيه خير مصلحة لبنان، دولة وشعباً ومقاومة. وكان متكي مرتاحاً في هذه اللقاءات التي وصفت أجواؤها بالإيجابية.

وبعدما أيقنت بعض الدول العربية ولاسيّما مصر والأردن والمملكة العربية السعودية، أنّ المقاومة الإسلامية في طريقها إلى تحقيق إنجاز نوعي جديد، وانتصار إضافي على العدوّ الصهيوني الذي لم يستطع تنفيذ تطلّعات ورغبات رئيس حكومته إيهود أولمرت المتطابقة مع النظرة الأميركية، بنزع سلاح المقاومة، بعثت بوزراء خارجيتها لاستدراك مواقفها السابقة وما فاتها، ولكسب صفة الحضور في وقف إطلاق النار، ومعالجة الأزمة اللبنانية، وقد فاتها أنّ التاريخ يؤخذ كلّه، ويكتب كلّه من دون تجاوزات، وأنّ الشعب اللبناني وكما أعلن مراراً المواطنون النازحون قسراً من ديارهم وأرزاقهم، لن يغفر وقفتها ضدّه في معركة وجوده أمام الوحش الإسرائيلي.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية