بيرتس يستهدف الليطاني وأولمرت يخشى المستنقع
إسرائيل في حلقة مفرغة: ماذا لو فشلت الدبلوماسية؟

 

إدراج صحيفة السفير بتاريخ 03/08/2006الساعة 05:15.
كتب حلمي موسى
وقع أمس العدد الأكبر من القتلى الإسرائيليين في أي من أيام الحرب التي تشنها إسرائيل على لبنان، إذ سقط ثمانية مدنيين وأربعة جنود في صليات صاروخية شديدة ومعارك برية ضارية. وبرغم الانهماك المتزامن في مهمتي إقامة وتوسيع "الحزام الأمني" وترتيب أمر القوات الدولية، فإن إسرائيل ستتخبط في الموقف الواجب اتخاذه إذا لم تسفر المساعي السياسية لبلورة مشروع متكامل لوقف إطلاق النار.
فقد أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية ايهود اولمرت أنه لن يقبل وقف إطلاق النار قبل نشر القوات الدولية. وبعد ذلك، أعلن أنه سوف يوقف النار فقط في كل أرض خالية من "إرهاب حزب الله". وفي ظل حماسة الجيش الإسرائيلي لتنفيذ عملية برية واسعة تصل إلى الليطاني، صار الكثيرون يتحدثون في إسرائيل عن وضع العربة أمام الحصان.
ومن الجلي الآن أكثر من أي وقت مضى للإسرائيليين، أن العملية السياسية التي أرادوها أولا من أجل كسب الوقت تكاد تفلت من أيديهم على أرض الواقع. فالإدارة الأميركية تواجه مصاعب في فرض إرادتها على مجلس الأمن الدولي. وهذا ما يدفع إسرائيل إلى التفكير في احتمالات عدم نجاح العملية السياسية سواء بعدم القدرة على إصدار قرار أو عدم القدرة على تنفيذه.
ويرى سياسيون إسرائيليون أنه بات واضحاً أن العملية السياسية لن تكون سريعة وأن قبول إسرائيل بالقرار الدولي يعني التزام إسرائيل بتنفيذ بنود لا تقبل بها، مثل وقف الطلعات الجوية فوق الأراضي اللبنانية والتخلي عن مزارع شبعا قبل أن يتبين مقدار نجاح القرار الدولي. غير أن الخشية الحقيقية في إسرائيل تتمثل في احتمال أن يتفكك وقف إطلاق النار خلال نصف ساعة في أي وقت وأن تقوم الدول التي نشرت قواتها بسحبها بسرعة في حال سقوط اتفاق وقف النار.
والأهم من وجهة نظر الكثير من الساسة الإسرائيليين هو دخول الجهد العسكري والسياسي إلى ما يشبه الحلقة المفرغة. فأولمرت يصر على وقف النار فقط بعد وصول القوات الدولية. ولكن هذه القوات لن تصل من دون أن تكون القوات الإسرائيلية قد أنجزت مهمتها وهي احتلال منطقة عازلة واسعة وتطهيرها من قوات "حزب الله". وهناك اعتقاد بأن مهمة كهذه تتطلب من الجيش الإسرائيلي شهوراً. وبقاء القوات الإسرائيلية شهوراً يستدعي تحصينات وقدرة تمركز وبالتالي خطوط إمداد. وكل هذه نقاط ضعف إسرائيلية يمكنها أن تزيد المقاومة اللبنانية حدة وتعيد إسرائيل إلى الظرف الذي كانت فيه وقت قررت الانسحاب من الجنوب اللبناني. وهذا يعني أن العملية السياسية الدولية لن تترك آثاراً على الأرض.
ولذلك ثمة أصوات داخل الجيش والحلبة السياسية تطالب منذ الآن بانسحاب القوات الإسرائيلية بدعوى أنه "ليس لدينا ما نبحث عنه هناك". ويرى وزراء إسرائيليون أن إسرائيل تقف عمليا أمام خيار من ثلاثة:
الخيار الأول البقاء في مواقع معينة ضمن شريط أمني تتطلبه معطيات الواقع القتالي وهدف إبعاد الصواريخ. وهذا يعني العودة إلى إعلان الاحتلال الإسرائيلي لمناطق لبنانية معينة.
الخيار الثاني هو السعي بأسرع وقت لتنظيف المنطقة من وجود حزب الله والإعلان عنها كمنطقة "نظيفة" والقبول بقوة دولية محدودة حتى لو كانت قوة تدخل سريع. ويسمح هذا الخيار لإسرائيل بالانسحاب السريع وعدم إفساح المجال لتبلور مقاومة وتعاظمها واستمرار الانزلاق في المستنقع اللبناني. غير أن العيب في هذا الخيار أنه مرتبط بقوى دولية قد لا تكون وتيرة حركتها متناسبة مع الوتيرة الإسرائيلية.
الخيار الثالث هو تدمير البنى التحتية ل"حزب الله" في الجنوب اللبناني والانسحاب السريع من دون انتظار وصول القوة الدولية. ويشدد هذا الخيار على وجوب إعلان منطقة محددة من الجنوب اللبناني منطقة حربية يحظر دخول أحد إليها وكل من يكون فيها يعتبر صيداً للنيران الإسرائيلية.
توسيع العملية البرية
عملياً، أمر وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس الجيش بالاستعداد لتنفيذ عملية عسكرية واسعة تصل إلى مجرى الليطاني مع احتمال الالتفاف عن مدينة صور. وقد أثار هذا الأمر اعتراضات واسعة في الحكومة الإسرائيلية التي يرفض رئيسها حتى الآن مشروع توسيع الحرب بهذه الدرجة ويصر على التحرك الميداني الحذر خاصة في كل ما يتعلق بالحرب البرية. ويرى أولمرت أن هناك خطراً من الانزلاق أكثر فأكثر في المستنقع اللبناني، الأمر الذي يعني الانجرار وراء مخطط "حزب الله".
ومن المعلوم أن الحكومة الإسرائيلية أقرت عمليات برية على خطوتين، الأولى حتى كيلومترين والثانية حتى ستة كيلومترات في عمق الأراضي اللبنانية. ويعني احتلال مناطق حتى الليطاني التوسع بعمق يزيد عن عشرين كيلومتراً وخصوصاً في القطاع الغربي.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أمس الأول أن العملية البرية ترمي إلى إعادة احتلال ما كان يعرف بالحزام الأمني تقريبا. وأن قوات مدرعة ومشاة تقدر بحوالى فرقة احتياط تم حشدها من أجل خطوة تالية إما لتطهير المنطقة أو للتوسع بالعملية البرية حتى الليطاني. وكانت هذه القوات قد حشدت احتياطياً خشية تعقيدات ميدانية في لبنان أو تورط في حرب إقليمية مع سوريا. وهكذا فإن الزج بها يعني وجوب استدعاء المزيد من القوات الاحتياطية مما يجعل الفرق الأربع التي تم استدعاؤها حتى الآن غير كافية.
وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن هدف الخطة التي أوصت قيادة الجيش بها وتبناها وزير الدفاع ولكنها لم تقر بعد في الحكومة، إبعاد خطر الصواريخ القصيرة المدى. ولكن العلم بأن لدى حزب الله صواريخ متوسطة وبعيدة المدى يجعل من التوسع في احتلال الجنوب اللبناني مجرد خطوة تستدعي خطوات أخرى. وهذا ما دفع أولمرت إلى عدم التحمس للخطة حتى الآن، بسبب يقينه بأن الوصول الى الليطاني لا يحل المشكلة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن أن عملياته البرية يوم أمس قادت إلى احتلاله مواقع في عشرين قرية يبعد بعضها عن الحدود ستة كيلومترات. وقال انه ينوي ترسيخ سيطرته على الخط الجديد بما يتناسب بشكل أو بآخر مع الخط الذي كان فيه الحزام الأمني الإسرائيلي عدا المنطقة الواقعة شرقي المطلة. وتنوي إسرائيل الاحتفاظ بهذه المنطقة حتى قدوم القوات المتعددة الجنسيات.
وينوي الجيش وفق رؤية بيرتس احتلال أكبر قدر ممكن من الأراضي من أجل شل راجمات الصواريخ. وقد أبلغ قائد القوات البرية الجنرال بني غينتس الصحافيين أمس بأن قواته تستعد لتوسيع العمليات البرية. وقال "إننا نقترب من مناطق إطلاق الصواريخ. وسوف نفعل هذا هناك بمزيد من الشدة لتقليص الإطلاقات كالتي شهدناها بعد الظهر".
وقال غينتس إننا سنواصل القتال في كل جنوب لبنان وفي كل عمق لبنان بوتائر شدة مختلفة من منطلق الجهد لمواصلة ضرب المخربين، وتوسيع هذه الانجازات. سوف نواصل العمل هناك لضرب المخازن، لضرب المقرات القيادية، ولضرب الراجمات. ومهما كانت المصاعب والآلام محظور لنا أن ننسى إنجازات القوات المحاربة".
وقال قادة إحدى الفرق العاملة في الجنوب اللبناني ان "الجيش يتقدم نحو أهدافه وينظم نفسه للبقاء القتالي على الأرض حيث ان القوات سوف تبقى هناك قدر ما يتطلب الأمر من وقت".
وفي المؤتمر الصحافي اليومي، ادعى رئيس أركان سلاح الجو العميد أمير إيشل أن الطائرات أفلحت في ضرب منظومة صواريخ "حزب الله" البعيدة والمتوسطة المدى بقوة. وأنه نتيجة ذلك تضررت قدرة "حزب الله" على إطلاق الصواريخ على حيفا والعفولة. وقال إنه تقريبا تم من الجو تدمير كل الراجمات التي أطلقت الصواريخ البعيدة المدى. واستدرك إيشل قائلا ان هذا لا يعني أنه لن تطلق صواريخ كهذه على العمق الإسرائيلي ولكن يعني أن هناك انخفاضاً في قدرتهم على ضرب هذه المدن.
ومع ذلك اعترف إيشل بأن لدى "حزب الله" آلاف الصواريخ وأن ضرب الراجمات معقد جداً، الأمر الذي استدعى تضافر جهد القوات الجوية والبرية لإبعاد خطر الصواريخ.
وكان المتحدث باسم قيادة الجبهة الشمالية الرائد تسبيكا جولان قد أشار للصحافيين الى أن الجيش ينوي توسيع الحزام الأمني وأن ينشئ في الأيام القريبة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 كيلومتراً في جنوب لبنان. وحسب كلامه فإن الأمر يستدعي إدخال لواءي احتياط إلى لبنان، الأمر الذي يتطلب مصادقة الحكومة. وقال إن الجيش يسيطر الآن على عشرين قرية لبنانية. واعترف ضابط عمليات لواء احتياط بأن "القتال غير بسيط، وهناك نية لتعميق القتال. وقد استعد اللواء للوضع الذي يواجهه على الأرض. وهناك حافز عال لدى الجنود للقتال".
وتشير المصادر الإسرائيلية إلى وجود ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي يخوضون الحرب البرية في لبنان. وأن هذه القوات نظامية واحتياطية من ثمانية ألوية. وبرغم كل هذا التورط الميداني، تصر جهات سياسية وعسكرية على أن ترسيخ السيطرة في منطقة بعرض يصل إلى ثمانية كيلومترات لا يعني البقاء هناك و"الغرق في المستنقع اللبناني".
وتعمل في الأراضي اللبنانية حتى الآن الألوية التالية:
اللواء احتياط 609 في القطاع الغربي في قرى شيحين والجبين ومجدل زون.
اللواء المدرع السابع في منطقة بنت جبيل مارون الراس.
لواء المظليين بالتعاون مع لواء الاحتياط الثاني في محيط عيتا الشعب.
لواء غولاني في قطاع ميس الجبل.
اللواء المدرع 401 في قطاع مركبا.
لواء الناحال في القطاع الأوسط في الطيبة والعديسة ورب الثلاثين.
الجهود الدبلوماسية
عقد أولمرت اجتماعاً تشاورياً ليلة أمس مع وزيرة الخارجية تسيبي ليفني وبيرتس لمناقشة المداولات الجارية في الأمم المتحدة بشأن وقف النار. ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن مصدر دبلوماسي في واشنطن إشارته إلى الجهد المتواصل في ظل القتال وإطلاق الصواريخ وقال ان "كل صاروخ يطلق الآن هو صاروخ سياسي".
وشددت مصادر إسرائيلية على أن الخلاف بين المشروعين الأميركي والفرنسي هو خلاف حول توقيت نشر القوات الدولية ووقف إطلاق النار، وأن مستشاري الأمن القومي في البيت الأبيض وقصر الاليزيه يحاولان إيجاد حل. ويتحدث الإسرائيليون عن توافق أميركي فرنسي حول وقف النار وتبادل الأسرى ونشر القوات الدولية مع الجيش اللبناني على الحدود مع إسرائيل وتجريد حزب الله من سلاحه. غير أن الخلاف الشديد يدور حول سلم الأولويات في اتفاق وقف النار. وهناك اتفاق على أن يكون الفرنسيون والألمان بين أعمدة القوة الدولية حيث سيشكل الفرنسيون أساس القوات على الحدود مع إسرائيل في حين يشكل الألمان أساس القوات على الحدود بين لبنان وسوريا.
ويريد الفرنسيون وقف النار أولا ثم الحل السياسي وإرسال القوة الدولية. ولكن إسرائيل أوضحت وتؤيدها أميركا استحالة وقف النار في حين تنقل الذخائر من سوريا إلى لبنان. وتشدد إسرائيل على وجوب منع وصول الصواريخ والأسلحة من سوريا ومن الجو والبحر إلى حزب الله.
وفي الوقت الذي يتفهم فيه الأميركيون موقف إسرائيل إلا أنهم يحاولون المناورة لإظهار حسن النية تجاه كل من فرنسا ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة. ويحاول الفرنسيون تمرير قرارين: قرار وقف فوري للعمليات العدائية وبعد ذلك قرار وقف إطلاق النار. ولكن ثمة توافقاً بين جميع هذه الدول حول أنه إذا خرجت إسرائيل من المنطقة فلن تصل إليها قوات دولية.
ويتحدث الإسرائيليون عن أن يوم الثلاثاء المقبل هو اليوم الذي سيجتمع فيه مجلس الأمن للبحث في وقف النار. ومع ذلك هناك من يرى أنه إذا تم التوصل إلى تفاهم فبالوسع عقد مجلس الأمن قبل يوم الثلاثاء.

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية