العدوان الإسرائيلي والقانون الدولي الإنساني
 


إدراج صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 29/07/2006الساعة 06:50.
محمد غالب حيدر
تتعرى إسرائيل الغاصبة اليوم من كل ساترةٍ، فعدوانها على لبنان يفتقد إلى الشرعية القانونية والأخلاقية والدينية والإنسانية.
هي حرب مفرطة بأدواتها، دنيئة في أهدافها، نازية بمعانيها، عنصرية في خلفيتها، ملؤها الغي والكيد حيث جام الحقد على المدنيين، ولعل هذا ما أكدته مفوضة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، حيث أفادت بأن أعمال العدوان الإسرائيلي على لبنان تحمل في ثناياها جرائم حرب.
وإسرائيل كعادتها في حلِ من كل التزام ذي صلة بالقانون الدولي، فلا اعتبار لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 ولا للبروتوكولين الملحقين بها في العام ,1977 ولا للأعراف الدولية، التي تشكل في مجملها النواة الأساس لقواعد القانون الدولي الإنساني.

ما هو هذا القانون؟
يُعرف بقانون النزاعات المسلحة أو بقانون الحرب. هو جملة القواعد التي تحمي في زمن الحرب، الأشخاص الذين لا يشاركون في الأعمال العسكرية، أو الذين كفّوا عن المشاركة فيها، وتُقيد استخدام أساليب ووسائل وأدوات القتال، حيث إن الغاية الأساس منها هي الحدّ من معاناة الأهلين ودرء معاناتهم من الحرب والحد منها كي لا يضطروا إلى النزوح أو التشرّد، وتُعتبر اتفاقيات جنيف الأربع إضافة إلى البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني، قواعد آمرة لا يجوز للدول الموقعة على أحكامها والبالغة في العام 2001 مئة وتسعين دولة أن تخالفها أو تعمل بخلاف مضمونها.

وغنيٌ عن التذكير أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي لعبت دوراً مركزياً في سن قواعد قانون النزاعات المسلحة ارتكزت في استقاء مبادئها على منظومة من القواعد الأخلاقية الإنسانية والدينية في المسيحية والإسلام على حدٍ سواء.

وليست وحدها القواعد القانونية المكتوبة هي الملزمة للدول في زمن الحرب بل إن القواعد غير المقننة أي العرفية (outume) هي أيضاً قواعد ملزمة، وتتصل على العموم بكل ما لا يتلقفه الضمير الإنساني وليس آخره قتل الأبرياء، ودوماً إسرائيل في حلٍ من هذه القواعد.

وباختصار فإن اتفاقية جنيف الأولى تحمي أفراد القوات المسلحة الجرحى والمرضى في الميدان والثانية تحمي أولئك الغرقى في البحار والثالثة تحمي أسرى الحرب في حين أن الرابعة وهي الأهم توجب حماية المدنيين والأهداف والمنشآت المدنية، وأتى البروتوكول الأول لعام 1977 ليعزز الحماية المكفولة لضحايا النزاعات المسلحة الدولية والبروتوكول الإضافي الثاني من العام ذاته ليعزز الحماية المكفولة لضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، كل ذلك للحؤول دون ارتكاب جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب.

غير أن ما يمكن التأكيد عليه هو أن فعل الإبادة الجماعية يتصف بالجريمة ضد الإنسانية بمفهومها العام، ويؤلف فئة ذات طابع خاص أو صفة خاصة متفرعة عن الجريمة ضد الإنسانية بمفهومها العام. فمحكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا السابقة تعرّف الجناية ضد الإنسانية، بأنها الجريمة التي تتحقق بارتكاب أفعال قبل أو خطف أو اغتصاب أو استعباد أو تعذيب أو اضطهاد أو معاملة وحشية أو حجز حرية أو نفي أو تهجير أو ممارسة تجارب طبية ومخبرية ضد عدد من المدنيين لدوافع سياسية أو عرقية أو أتنية أو دينية أو اجتماعية أو ثقافية، تنفيذاً لمخطط شامل ومبرمج.

يتصف هذا التعريف باتساعه وشموله العديد من الأفعال الجرمية التي يكون الهدف منها، على عكس ما هي الحال عليه بالنسبة إلى جناية الإبادة الجماعية، ليس بالضرورة القضاء الكلي أو الجزئي على جماعة معينة ومحمية بالقانون الدولي، وإنما حرمان هذه المجموعة أو أفراد ينتمون إليها من حقوقهم الأساسية، أو الاعتداء عليهم بحرمانهم من حقهم بالحياة بقتلهم، أو بالاعتداء على سلامتهم الجسدية، أو حرمانهم من حريتهم، أو استعبادهم والاعتداء على شرفهم وعلى معتقداتهم، أو نفيهم أو تهجيرهم أو قصفهم وهدم منازلهم، أو جعلهم موضوع اختبارات طبية ومخبرية الخ..

وأيضاً، إن الأفعال المذكورة أعلاه يمكن إدخالها، وفقاً لأحكام القانون الدولي في خانة التعريف العام للجريمة ضد الإنسانية الذي أشرنا إليه آنفاً، وفق ما نصّت عليه المادة الخامسة من نظام محكمة الجزاء الدولية ليوغوسلافيا السابقة، وما نص عليه نظام روما العام 1998 الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية والذي يشمل الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة خلال نزاع مسلح، سواء أكان هذا النزاع دولياً أم داخلياً. كما أنه يمكن أن تدرج هذه الجرائم ضمن تعريف جرائم الحرب المرتكبة في إطار نزاع مسلح قائم بين دولتين أو أكثر وأن تعاقب وفق مبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في اتفاقات جنيف الأربعة بتاريخ 12/8/,1949 وفي اتفاق لاهاي الذي يحدّد الوسائل المسموح اللجوء اليها بمناسبة نزاع دولي مسلح.

وعلى هذا فإن خرق منظومة قواعد القانون الدولي الإنساني يشكل جرائم حرب، وفقاً لمنطوق المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما بتاريخ 17 تموز 1998 والتي عرضت جرائم الحرب (Los crimes de la guerre) بأنها كل انتهاك لاتفاقيات جنيف، وكل قتل متعمد للمدنيين أو إبعادهم أو ترحيلهم من قراهم ومناطقهم أو إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات أو تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الصحية والدينية والخيرية أو استخدام أسلحة أو قذائف تسبب بطبيعتها أضراراً وآلاماً زائدة، ولا لزوم لها أو توجيه الضربات ضد وسائل النقل.

ولا حاجة هنا لإثبات البديهيات فالعدو الإسرائيلي دمّر الأبنية على قاطنيها المدنيين، وقصف المستشفيات والموانئ البحرية والجوية، ووسائل نقل النازحين، وقد تأيّدت هذه الوقائع بتقارير وبتصريحات ناطقين باسم منظمات إقليمية ودولية ورؤساء دول، وصحافة، وجهات متابعة محايدة، وإعلام مرئي ومسموع، وبالتالي فإن محاكمة العدو الإسرائيلي واجبة لارتكابه جرائم الحرب ضد اللبنانيين، وليتحمل مجلس الأمن مسؤوليته ولينشئ محكمة دولية خاصة أو يُسنّ تشريع لبناني يجاز بموجبه للمحاكم اللبنانية أن تقاضي مرتكبي جرائم الحرب لا سيما وأن ديباجة اتفاقية روما أبقت الولاية الجنائية العامة لكل دولة لممارستها على أولئك المسؤولين عن ارتكاب جرائم دولية.
محامٍ بالاستئناف
المراجع:
العنف المفرط، الدكتور علي عوّاد.
مقال الدكتور دريد بشرواي في النهار .2002715
اتفاقيات جنيف.
النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية