حزب الله والحسابات الدقيقة لمواجهة العدوان
 


إدراج شبكة الرافدين الإخبارية بتاريخ 29/07/2006الساعة 23:01.
محمود كعوش
الآن ومع دخول العدوان الصهيوني الوحشي على لبنان أسبوعه الثالث ، يمكننا أن نستدل استناداً للمعطيات العسكرية والسياسية والإعلامية التي توفرت إلى أن حزب الله الذي يشكل رأس الحربة في المقاومة اللبنانية لا زال يحتفظ بمعنويات عالية وتفاؤل أعلى بحتمية النصر إلى جانب امتلاكه الإمكانيات والقدرات القتالية المتمثلة بالقوتين الصاروخية والبشرية ، الأمر الذي يدعو للاطمئنان إلى قدرته في مواصلة التصدي لهذا العدوان ، ويؤكد ما ذهب إليه أمينه العام السيد حسن نصر الله في مؤتمره الصحفي الذي عقده بعد أسر الجنديين الإسرائيليين مباشرة من أن كل شيء كان بالنسبة له ولقيادة الحزب محسوباً بشكل جيد . وقد أكد نصر الله ذلك في كلماته المسجلة والمقابلة المطولة التي أجرتها معه فضائية "الجزيرة" القطرية .

فالحزب الذي اعتمد أسلوب المفاجآت وإثارة الصدمات في أوساط العدو منذ اللحظات الأولى للعدوان ، ما برح يعلن أن الباب ما يزال مفتوحاً أمام المزيد من المفاجآت على مستوى المواجهة العسكرية إذا ما أصر الجنرالات في تل أبيب على الإصغاء لإدارة الشر الأميركية ومواصلة العدوان . وهو إلى جانب ذلك يحرص دائماً على تجنب ذكر هذه المفاجآت الموعودة أو زمانها ومكانها ، الأمر الذي يؤشر إلى ما بلغه الحس الأمني لدى الحزب من مستوى عال ورفيع على مستوى القيادة والمقاومين في آن معاً .

وفي إطار الحسابات الدقيقة فإن قادة حزب الله وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله ركزوا خلال الأعوام الستة التي تلت نصر عام 2000 على تطوير القوة العسكرية والطاقة الصاروخية الضاربة للحزب على نحو نقل جهازه المقاوم من وضعية احتراف العمل الفدائي و"حروب العصابات" إلى وضع أشبه ما يكون بقوة منظمة مدربة على الاقتحام والمواجهة والالتحام مع الآلة العسكرية الصهيونية المتمثلة بأقوى جيوش منطقة الشرق الأوسط، وثالث أقوى جيش في العالم.

ومع بلوغ العدوان الصهيوني ذروة همجيته دون تحقيق أي من أهدافه المعلنة ، يمكن القول دون أدنى تردد أن حزب الله نجح في التعاطي معه باحتراف تام نم عن دراية عميقة بالواقع الميداني الصهيوني . وقد دلل على ذلك أن ضرباته الصاروخية في عمق الكيان الصهيوني لم تكن في أي منها عشوائية، بل كانت مركزة بحيث أصابت أهدافها بدقة وألحقت بها أضراراً فادحة ، كما أصابت من الصهاينة مقتلاً، وأنزلت بهم أوجاعاً مؤلمة لم يعتادوا على مثلها في حروبهم العدوانية السابقة . فالعقل العسكري والسياسي للحزب وقيادته تمكن حتى الآن من إدارة معركة التصدي للعدوان بنجاح أثار إعجاب الخبراء العسكريين العرب والدوليين . ويرد هؤلاء الخبراء ذلك إلى حقيقتين ، الأولى أن الحزب حرص خلال الأيام الماضية على تجنب أي مظهر استعراضي يُراد من ورائه إضافة مكاسب آنية وعابرة إلى الرصيد الذي حققه بعد طرد الصهاينة من جنوب لبنان وانتصاره عليهم في مايو/ أيار2000 ، والثانية أنه لم يسلك في حال من الأحوال مسلك المرتبك أو اليائس سلفاً من النتائج ، بل حافظ على تماسكه وتوازنه وظل يتصرف على أساس أنه باقٍ في قلب المعادلة رغم أنف الصهاينة وإدارة المحافظين الجدد المتصهينة في واشنطن والمتواطئين من العرب على الصعيد الرسمي ، لاقتناعه بأنه سيخرج من المواجهة المفروضة عليه وغير المتكافئة وهو يختزن في جعبته باقة كبيرة من المكاسب الشعبية والسياسية وسيحتفظ بترسانة سلاحه وبنيته المقاومة .

لكن الواقع الميداني الذي استجد نتيجة تمدد المسافة التي بلغتها صواريخ حزب الله في عمق كيان العدو والملاحم الأسطورية التي سجلها مقاتلو الحزب في مثلث الموت (مارون الراس ، عيثرون وبنت جبيل) أعاد من جديد طرح السؤالً حول إمكان عودة الصهاينة إلى منطقة جنوب لبنان ، حيث أجبروا قبل 6 أعوام على إخلائها وفي نيتهم عدم العودة إليها مطلقا ً، لأنهم غادروها آنذاك وهم يجرون وراءهم ذيول الهزيمة والذل والعار . وليس بمستطاع أحد أن يُخفي أن هذا السؤال أصبح مثار نقاش وجدل في أكثر من عاصمة إقليمية ودولية وثيقة الصلة بما يُحاك لمنطقة الشرق الأوسط وبالأخص الوطن العربي .

وبالرغم من عدم خروج إشارات من واشنطن أو تل أبيب توحي باحتمال حدوث ذلك ، إلا أن هناك من بات يجزم بأن كيان العدو لا بد أن يجتاح مواقع ومناطق حدودية لبنانية ليجعلها رهينة بيديه إلى حين بدء المفاوضات ، لأنه يدرك أن الحاصل حتى الآن إن كان على صعيد الغارات الصهيونية ونتائجها الكارثية على مستوى كل لبنان أو على مستوى صواريخ حزب الله التي تدك المدن والبلدات داخل الكيان لن يحسم الأمر عسكرياً لمصلحة أي من الطرفين . وعلى الرغم من المعطيات آنفة الذكر ، فإن حزب الله ما يزال ، على ما هو ظاهر حتى الساعة ، على اعتقاده أن العقل الصهيوني لم يحسم مسألة خوض غمار الحرب البرية والتفكير مجدداً بالعودة إلى الأراضي اللبنانية.

وعلى عكس العواصم الإقليمية والدولية فإن ما يشغل العاصمة اللبنانية بيروت ، أقله حتى اللحظة الراهنة ، هو عامل الوقت ، إذا ما أصر الصهاينة علي المضي في عدوانهم مدة أطول ؟ ففي حين يراهن الصهاينة صراحة على أن استمرار استهداف طائراتهم الحربية للبنى التحتية والتجمعات السكنية وإحالة حياة اللبنانيين اليومية إلى جحيم وتوسيع رقعة التهجير سيصبح بمثابة عامل ضغط لا يطاق على حزب الله خصوصاً بعدما نأت الحكومة اللبنانية بنفسها عنه وبدأت قوى الأكثرية توجه سهامها نحوه بشكل فج وصريح وتحمله مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد ، فإن حزب الله يرى علانية أن هذا الأمر سلاح ذو حدين ، فكما أن اللبنانيين وخصوصاً جمهور الحزب يتألمون ، فالمنتظر أن تعلو عقيرة الصهاينة المعتدين بالصراخ بين لحظة وأخرى ، إن لم تكن قد علت فعلاً . فإذا كان عدد المهجرين اللبنانيين قد بلغ نصف مليون نسمة تقريباً فإن عدد النازحين الصهاينة إلى الملاجئ وعمق الكيان سجل أرقاماً مضاعفة ، مع عدم إغفال أن المناطق التي تستهدفها صواريخ حزب الله التي لن ينضب معينها قبل بضعة شهور بداخله هي بمجملها مناطق صناعية وزراعية وسياحية من الدرجة الأولى .

معركة الدفاع عن لبنان والنهج المقاوم في المنطقة التي يخوضها حزب الله في مواجهة العدوان الصهيوني المستمر والمتصاعد مفتوحة على كل الاحتمالات . هكذا أرادتها حكومة الصهاينة في تل أبيب بدعم كامل من واشنطن ، وهكذا قبلها حزب الله بدعم من الله والجماهير العربية . وبما أنه سيترتب على نتائج هذه المعركة التي تفتقر إلى التكافؤ إعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط بما فيها الوطن العربي بحيث تتم تصفية القضية الفلسطينية وتُطلق يد تل أبيب تماماً ، فإن أبسط ما يحتاجه حزب الله هو وقفة عز وشرف وكرامة إلى جانبه من كل العرب بمن فيهم اللبنانيين طبعاً ... أو ليوقفوا سهام تشكيكهم ويصمتوا أو حتى يخرسوا .

 

 

 

 
    عملية الوعد الصادق   الصفحة الرئيسية